الرئيسة    الفتاوى   أصول الفقه وقواعده   ترجيح قول لم يقل به أحد من أهل العلم السابقين

ترجيح قول لم يقل به أحد من أهل العلم السابقين

فتوى رقم : 12158

مصنف ضمن : أصول الفقه وقواعده

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 24/03/1431 03:01:55

س: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. فضيلة الشيخ حفظكم الله تعالى .. مما يشكل علي أن بعض المسائل قد يكون الحكم الأقرب فيها إلى الدليل لم ينقل عن السلف أو الفقهاء السابقين، فيمتنع بعض أهل العلم من القول به، قال ابن قدامة: (ومتى ما انقسم أهل العصر على قولين في حكم لم يجز إحداث قول ثالث لأنه يخالف الاجماع). ( المغني 10/470). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام). ( مجموع الفتاوى 21/291). وقال أيضاً: (إن علماء المسلمين إذا تنازعوا فى مسألة على قولين، لم يكن لمن بعدهم أحداث قول ثالث، بل القول الثالث يكون مخالفا لإجماعهم) ( مجموع الفتاوى 27/308 ) وقال الإمام الذهبي: (فمتى وضح له الحق في مسألة، وثبت فيها النص، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام كأبي حنيفة مثلاً، أو كمالك، أو الثوري ، أو الأوزاعي، أو الشافعي ، وأبي عبيد وأحمد وإسحاق ، فليتبع فيها الحق). ( سير النبلاء 13/323 ).
إلى غير ذلك مما أنتم أعلم به وأدرى، فبعض العلماء يتوقف عن القول بحكم، وإن كان هو الأظهر دليلاً عنده، أو كان قولاً متوجهاً، لأنه لم يجد أحداً من العلماء السابقين قال به.
قال ابن القيم - في توجيه استبراء المطلقة ثلاثا بحيضة-: وإن ابن اللبان قال بذلك، ولم يقف شيخ الإسلام على هذا القول، وعلق تسويغه على ثبوت الخلاف، فقال: إن كان فيه نزاع، كان القول بأنه ليس عليها، ولا على المعتقة المخيرة إلا الاستبراء قولا متوجها. ( زاد المعاد 5/596).
وقال الشيخ ابن عثيمين في مسألة رطوبة فرج المرأة: بعد البحث التام لم أجد أحداً من العلماء قال: إنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزم، ولم نذكر له سابقاً، حتى نقول إن سلف الأمة يرون أن هذا لا ينقض الوضوء، وأنا أقول: إذا وُجد أحد من سلف الأمة يرى أنه لا نقض بهذه الرطوبة، فإن قوله أقرب إلى الصواب من القول بالنقض، أولاً: للمشقة، وثانياً: لأن هذا أمر معتاد، ليس حدثاً طارئاً كالمستحاضة، بل هو أمر معتاد عند كثير من النساء، فإن وجدتم سلفاً من صدر هذه الأمة يرى أنه لا نقض بخروج هذا السائل، فقوله أقرب إلى الصواب، وأما إذا لم تجدوا فليس لنا أن نخرج عن إجماع الأمة. ( اللقاء الشهري رقم 30 ) . أرجو منكم التكرم بتوضيح هذه المسألة ، بارك الله فيكم.

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. فلا أعلم دليلا معينا يصحح هذه القاعدة إلا القول بأن انحصار الخلاف في أقوال معينة دليل على الإجماع على بطلان ما عداها ، وهذا فيه نظر؛ لأن الإجماع لم ينعقد حقيقة على بطلانه؛ لعدم ثبوت استحضار أهل الإجماع له ، وإنما هو مجرد لازم في الذهن لا يجوز أن يُنسب إليهم ، والإجماع السكوتي على ما فيه من الخلاف فإن المجتهد يستحضر ذلك ، كما أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل اُختلف في فهمه ؛ فهو لا يؤسس حكما جديدا ، ولا دليل في ذلك أصلا حتى يقال بالإجماع على فهمه ، ولأن كل جيل من فقهاء القرون المفضلة قد أُحدثت فيه أقوال في مسائل لم تكن محكية عن أسلافهم ، وصارت تُعد من الأقوال المعتبرة ، ولو بطل الاجتهاد في ذلك لبطل اجتهاد السابقين .
ولكن التوسط في هذا هو أن يكون ذلك سببا لحذر الفقيه والمستدل من الكلام في هذه المسائل إلا بعد طول استقصاء وبحث واستشارة لأهل العلم الراسخين ، ولو قُصر ذلك على الاجتهاد الجماعي لكان حسنا . والله أعلم.