الرئيسة    الفتاوى   الإجارة   اشتراط المؤجر على المستأجر عدم إدخال القنوات الفضائية المحرمة

اشتراط المؤجر على المستأجر عدم إدخال القنوات الفضائية المحرمة

فتوى رقم : 12958

مصنف ضمن : الإجارة

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 20/11/1431 23:19:32

س: أحسن الله إليكم .. مالك العمارة السكنية أفتي بأن الواجب عليه عدم إعانة المستأجر على الحرام ما أمكن ، لذا قام بوضع عدد من القنوات المحافظة والتزم به في العقد ومنع المستأجرين من استبدالها وتغييرها والتحكم فيها ، وبعد حواره ونقاشه معهم سألني عن ذلك فاستشكلت الفرق بين إذنه لهم بإدخال خدمة النت من غير شرط وبين قدرته على التحكم في خدمة القنوات.

ج: الحمد لله أما بعد .. فمن حيث أصل المسألة فإن التصرف في الآلات والوسائل في وجوه متعددة : بيعا ، أو تأجيرا ، أو إذنا باستعمالها ، واتخاذها لا يخلو من أحوال :
الأولى : أن تتمحض للحرام ؛ كالآلة الموسيقية إذا سُلِّمت على حالها ؛ فلا يجوز التصرف بها في هذه الوجوه .
الثانية : أن لا تتمحض للحرام فتُستعمل بوجه محرم وآخر مباح ؛ كالدور والسيارات ، وفتح محلات الخدمات السياحية ، وخدمات الإنترنت ، وخدمات الاتصالات ، أو تأجيرها ، وأجهزة المذياع والتلفاز والجوالات والحاسب الآلي ، والألعاب النارية ولم يُعلم من آخذها والمستفيد منها ـ بغلبة ظن ـ أنه يستعملها على الوجه المحرم ، ولم تدل العادة على أن أكثرها يكون في الحرام ؛ فلا بأس ببيعها أو تأجيرها .
الثالثة : كالحال الثانية ؛ إلا أنه يُعلم بغلبة ظن أنها تُستعمل من الشخص المعين على الوجه المحرم ؛ فهذه مما يحرم التصرف فيها بشيء من الوجوه المذكورة ، ويكون هذا من ذرائع المحرم ، ومن أظهر صور التعاون على الإثم والعدوان ، وهو قول الكافة من أهل العلم ، عدا قول الحنفية ؛ لأنهم يعتبرون الممنوع نية الإعانة على الإثم ، لا يعتبرون تحقق العلم ، وهو ظاهر البطلان.
الحال الرابعة : أن يُعلم بالعادة الجارية ـ لا من حال الشخص المعين ـ أنها تُستعمل في محرم ، أو تُعين عليه ، أو تكون ذريعة له ؛ كأجهزة التلفاز ، والأطباق الفضائية ، وبيوع الآجال ؛ فهذا ما وقع فيه النزاع بين المالكية وبقية العلماء .
والصحيح أن ذلك لا يعد محرما على الأفراد ، ولا فيما بين المسلم وبين ربه ، ولكن هذا مما ينظر الحاكم في سد ذرائعه بشيئين :
الأول : بالمرسوم السلطاني بمنعه بالكلية ؛ بناء على السياسة الشرعية ، وقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد ؛ فإذا صلح الناس أو وُجدت وسائل تقلل من مفاسده عاد الحاكم إلى الإذن به ، مع وجوب الاحتساب من الحاكم والمحكوم على ما يظهر من منكرات تلك الوسيلة بين الناس .
الثاني : بالأحكام القضائية ؛ فإذ غلبت مفاسدها ، وظهر بالعادة الجارية إرادة النوع المحرم ؛ كبيوع الآجال ، إذا كثر فيها قصد الناس ـ عند العقد ـ أن تعود السلعة إلى الأول : جاز للقاضي فسخ تلك العقود ؛ لأن القضاء معيار التعاملات بين الناس ، وسيحرصون على إجرائها بما يجيزه الحاكم ؛ فهذا من سد ذرائع الفساد .
وذهب إلى ذلك بعض المالكية ؛ فقد قال ابن رشد في "البيان والتحصيل" (7/71) : ( .. ولو باعه منه بثمن إلى أجل على غير شرط أن يقضيه إياه .. ولا عادة ولا رجاء ، فلما تم شراؤه قضاه إياه لم يجز أيضا ، وفُسخ من باب الحكم بالذرائع ، لا من أجل أنه حرام عليه فيما بينه وبين خالقه ؛ إن صح عمله فيه على غير شرط ولا عادة ولا رجاء ) أهـ .
وقاعدة سد الذرائع من الأدلة الجُملية العامة التي لا بد في فروعها من التفصيل ، وإجراؤها بغير ذلك يؤدي إلى تحريم ما أباح الله ، وإلى التناقض في الفتوى .
فمن هذا التتناقض إباحة ـ بعض من يرى المنع ـ بيع أجهزة التلفاز أو شرائها ، ومع ذلك أفتوا بإباحة إدخال خدمة الشبكة العنكبوتية في المنازل .
ولا أعلم في السنة وأقوال الصحابة ما يدل على إجرائها فيما بين المرء وبين ربه إلا ما وقع عليه الاتفاق في الحال الأولى ، وإلا قول جماهير أهل العلم في الحال الثانية ، التي لم يخالف فيها إلا بعض أهل الكوفة .
وعليه ففي هذه المسألة : لا يجب على صاحب العمارة الامتناع عن فتح السطح لمجرد العادة الجارية في استخدام الأطباق ؛ ولكن إن ظهر شيء من المحرم بعد ذلك فبابه الاحتساب والنصيحة . والله أعلم.