الرئيسة    الفتاوى   أصول الفقه وقواعده   ضابط التعاون على الإثم والعدوان في الإعلان في المواقع المشتملة على المحرمات

ضابط التعاون على الإثم والعدوان في الإعلان في المواقع المشتملة على المحرمات

فتوى رقم : 13692

مصنف ضمن : أصول الفقه وقواعده

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 29/01/1432 22:33:32

س: فضيلة الشيخ .. من المعلوم أن قول الله عز وجل في سورة المائدة: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" يفيد تحريم الإعانة على الإثم، لكن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع اليهود في التجارة وهم أهل ربا يفيد أنه ليست كل معاملة مع أهل الربا تكون إعانة على الإثم طالما أنها لم تتجاوز حُكما شرعيا. فهلا أفدتمونا بضابط في هذه المسألة يجمع شتاتها ومتناثرها ويكون حداً فاصلاً بين الإعانة الظاهرة وغير الظاهرة؟ وإذا أردنا أن نتخذ تطبيقاً عملياً على هذا الضابط فما القول في دفع المال من أجل الإعلان عن منتجات المتاجر الإليكترونية على موقع التواصل الاجتماعي الشهير "فيس بوك" وإدارة الموقع كما هو معلوم تسمح فيه بالغث والسمين حسب استخدام الداخل عليه، والهدف من الإعلان هو الاستفادة من ملايين الزوار الذين يدخلون على الموقع يوميا مما يعني وصول السلعة المعلن عنها لعدد كبير من الناس ومن ثم أحصل أنا على نسبة من المال؟ هل يقال بالمنع ؛ لأن ذلك يعد دعما للموقع مما يضمن بقاءه بما فيه من غث وسمين أم يقال بأن الإعلان أمر مباح وعليه فتخرج على مسألة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود؟ وإن أردت التوسع في التعرف على أدلة هذه المسألة فهل من الممكن أن ترشحوا لي بعض الكتب التي تناقش تأصيل هذه المسألة؟

ج: الحمد لله أما بعد .. فالإعانة على الإثم والعدوان محرمة بنص القرآن ، وأما ضابطها الذي يحدد ما يكون إعانة وما لا يكون فهو العادة الجارية الغالبة ؛ فما يُعتبر فيها إعانة على المحرم فهي الإعانة التي نهينا عنها .
وأصل ذلك أنه لا ضابط للإعانة في اللغة ، ولا في الشريعة ؛ فوجب اعتبار العرف والخبرة .
فعليه فكل ما عدَّه الناس إعانة على معصية من وجبت طاعته في الدنيا من حاكم أو أب أو زوج، وكان سببا لغضبه ، ومستحقا عندهم لعقوبته ؛ فإن نظير تلك الإعانة في معصية الله يُعد محرما .
وهذا كله يُبنى على قاعدة أخرى وهي أن كل ما اُعتبر تعظيما لمخلوق ، ووفاء لحقه الواجب فالخالق أولى به .
وقد دل على ذلك قوله تعالى : "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" ، وهذا يحصل بمطلق ما يُعرف إعانة عند الناس .
فمما ظهر في العرف أنه ليس بإعانة ما سألت عنه من الإعلان في الصحف والمواقع التي لديها أخطاء أو ملاحظات ؛ فهذا من أنواع المعاوضات على المباح .
وقد تأيد هذا الأصل بالسنة حيث كان صلى الله علي وسلم يتعامل مع اليهود والنصارى وبعض المشركين بيعا وشراء وكراء ورهنا ، ولم يعتبر هذا من إعانتهم .
وحين غاب هذا الأصل عند البعض رأيت من ضيق ما يكون إعانة محرمة حتى أباح بيع العنب لمن يعلم أنه يتخذه خمرا ، وكراء الدار لمن يعلم أنه يتخذها في محرم أصالة ، بحجة أن الأصل حل التصرف بالمباح ؛ حتى قال الثوري رحمه الله : بع الحلال من شئت .
وهذا مشهور مذهب أهل الكوفة ؛ فقد أجاز أبو حنيفة رحمه الله بيع العنب وعصيره من خمار، وعلل ذلك بأن المعصية لا تقوم بعينه ، ولأن العصير يصلح لأشياء كلها جائز شرعا ؛ فيكون الفساد إلى اختيار المشتري ، وليس هو من فعل البائع ولا من قصده .
وخالفه صاحباه في ذلك ؛ فقالا بالمنع فيه .
وكيف يصح هذا وقد ثبت في حديث ابن عمر مرفوعا :"لعن الله الخمر، وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، و آكل ثمنها" رواه أبوداود .
ووسعه آخرون حتى حرموا ما أحل الله ، وتنزهو عما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقد سأل خياطٌ بعضهم ، فقال: أنا ممن يخيط للظلمة ؛ فهل أُعّدُّ من أعوانهم؟ فقال: لا ! أنت منهم، والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم . ذكره الآلوسي في "روح المعاني" (20/56) .
فعليه كل ما كانت العادة فيه جارية أن العقلاء المحبون يجيزونه لمتبوعيهم مما قد يُظن أنه ذريعة إلى معصيتهم فمثله في الشريعة مباح ، وكل ما يمقتونه من أسباب غضب أولئك المتبوعين فمنع مثله في الشريعة أولى .
وإذا أخذت بها الضابط تجلى لك الأمر ، وكنت وسطا بين الغالين والجافين بغير برهان .
ثم ما يقع ـ بعد ذلك ـ بين الواضح في حرمته ، وبين الواضح في إباحته فهو من مسائل الشبهات التي تُكره عند عامة أهل العلم، ويتحول حكمها إلى الإباحة إذا وجدت حاجة إليها .
ومع عدم الحاجة فإن هذا الموضع المشكل محلٌ للورع والاحتياط عند ذوي الديانة . والله أعلم .