الرئيسة    الفتاوى   الدعوة والتربية والحسبة   تفسير زيغ بعض الدعاة أو طلبة العلم أو ما قد يأتيهم من وساوس في الإيمان

تفسير زيغ بعض الدعاة أو طلبة العلم أو ما قد يأتيهم من وساوس في الإيمان

فتوى رقم : 21490

مصنف ضمن : الدعوة والتربية والحسبة

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 14/12/1439 10:48:00

س: السلام عليكم ورحمة الله .. انتشر مقطع لبعض طلبة العلم ذكر فيه أنه قابل قاضيا في إحدى المدن في المملكة فحدثه عن قصته كيف أن الشك دخل عليه مرة من المرات فصار يشك في الله وفي الرسول وفي الشريعة، ويذهب في الصباح إلى المحكمة ليقضي بين الناس، حتى إنه ركبت سيارته ليذهب إلى الشيخ ابن عثيمين ويسأله عن "كيف يخرج من هذه الظلمة ومن هذا البلاء؟" .
علق هذا الشيخ الذي نقل القصة بقوله: في ظني أنه يحصل أن الإنسان يأمن مكر الله، ومن هنا يؤتى الإنسان، يركن إلى عمله وإلى إيمانه ولا يعلم أن الهدى من الله منة منه، وقد يسلب ذلك منه؛ لأنه لم يشكر نعمته، أو لأنه عير غيره، وكثير من الناس لا ينتبه لهذا، وقد ينسى شكر الله على نعمة الهداية.
وقد يهزأ الإسنان حين يرى بعض هؤلاء العصاة، ويستنكر كيف ضلت عقولهم، وهو لا يدري أن الذي هداه هو الذي أضل هؤلاء.
وقد اعترض بعض أهل العلم على هذا المقطع بهذا الكلام:
(المقصود بأمن مكر الله هو أن تعتقد أنه لن ينتصر منك عند ظلمك وضلالك وجحدك لفضله قولاً أو عملاً .. لكن المؤمن يحسن الظن بربه في تثبيته على الإيمان ويسأله سبحانه ذلك دوماً ولا يقول أنا مهتد لكني لا آمن مكر الله ؛ فهذا سوء أدب مع الله وضعف إيمان بل يؤثر على الاطمئنان بالإيمان، وعليه فما جاء في المقطع خطأ فادح).
شيخنا الحبيب.. تعليق أحد طلبة العلم حول المقطع الذي انتشر لبعض أهل العلم قد أنست به، وفي نظري القاصر أنه أقرب إلى الصواب، فأحببت أن أستفيد منكم حفظكم الله، هل المقطع خطأ والصواب هو المكتوب؟ أم فيه خطأ وصواب؟ ماذا ترون في هذا؟ نفع الله بكم.

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. أهلا بالشيخ .. حفظك الله ورعاك .. كلام الشيخ في المقطع وقع فيه نوع من المبالغة، وأنا أتفهم ملحوظة الأخ الكريم المكتوب في الرسالة التي أشرت إليها.
لكن يحسن أن تكون الأحكام على الأشخاص والمقالات أحكاما جملية، فالشيخ في المقطع فيما يظهر قصد خطر ركون المرء إلى حوله وقوته، حتى يصل به الأمر إلى أن ينسى فضل الله ونعمته ونسيانه بذلك يشبه الكبر على الله، وأن يرى نفسه أمام الله، فهذا خطر وقد يؤدي إلى الزيغ بلا ريب، وهذا الذي يحمل عليه كلام الشيخ.
وأيضا قد يفهم من كلامه هو مطلق الحث على اعتبار أن شكر الله هو من أسباب الثبات.
لكن إذا كان مقصود الشيخ أن مجرد الغفلة عن الشكر أن هذا سبب لازم للزيغ والإلحاد فهذا فيه نظر كبير ويعد خطأ ً وترسيخا لما يسمى بالوساوس والأوهام العابرة التي عُذر فيها بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل اعتبر الخوف منها من صريح الإيمان، وعلى هذا لا يحسن بنا حين نعظ أن نرسخ في نفوس هؤلاء المتلقين مثل هذه المفاهيم؛ لأنهم يعانون من أنفسهم ونعاني منهم معاناة عظيمة في زوالها ، ويبدو أن هذا القاضي الذي في القصة لديه من هذه المتلازمة من الوساوس والخواطر العابرة التي لا تعتبر خواطر مستقرة فلا يحسن أن نضخمها فنروي القصة على أنها زيغ من هذا القاضي، ثم نتكلف ذكر الأسباب وأنه كان يغفل عن الشكر، هذا غير جيد، بل يؤدي إلى تعقيد المشكلة عند المتلقين من أولئك المرضى.
ثم إن الثقة بالله وحفظه هي من الطمأنينة بالإيمان التي وصف الله عز وجل بها الثابتين بقوله "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"، لكن مشكلة الوعظ بمثل هذه القصص يجعل موضوع الموعظة كأنه قطعي لا جدل فيه، وربما أننا أفسدنا بذلك أكثر مما أصلحنا.
وأؤكد أن تخلي المرء عن طوله وقدرته وعن استشعاره لحاجته إلى الله وإلى استشعار طول الله وقدرته والافتقار إلى الله والاطراح بين يديه هي أعلى مراتب الإلهية، والله عز وجل يقول: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا".
ولهذا كما تعلم في الحديث الذي ضعفه بعضهم ولكن الأقرب أنه جيد حين أوصى بعض بناته إذا أصبحت وأمسيت أن تقول: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفس طرفة عين" فهذا من أعظم الاطراح بين الله، والله المستعان. والله أعلم.