الرئيسة    الفتاوى   العشرة والفرقة بين الزوجين   القول بأن القوامة تكون لمن يتكفل بإعالة الأسرة ذكرا كان أو أنثى

القول بأن القوامة تكون لمن يتكفل بإعالة الأسرة ذكرا كان أو أنثى

فتوى رقم : 21776

مصنف ضمن : العشرة والفرقة بين الزوجين

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 11/03/1440 07:51:45

س: يا شيخ .. هناك من يقول: بأن القوامة ليست للرجل إلا إذا كان هو من يعمل ويصرف على البيت، وأن قول الله تعالى في القرآن: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ" لا يعني الذكور على الإناث، وإنما السعاة على القواعد، فمن قعد في بيته فهو نسأة ذكراً كان أو أنثى، ومن سعى فهو رجل ذكراً كان أو أنثى، لذلك قال الله: "بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ"، أي بالسعي وبما أنفقوا من أموالهم ، وهذا الفرق في التميز ؛ فمن أعطى القوامة للذكر فقط لأنه ذكر؟
هل هذا الكلام صحيح؟ حفظكم الله ونفع بكم.

ج: الحمد لله أما بعد .. فأما من حيث الواقع فإن الغالب أن الذي ينفق نفقة كاملة هو الذي يدير، وربما كان هذا هو سبب كلام صاحب هذا الرأي، وهو في هذه الحدود شأن زوجي فرضه واقع؛ وذلك حين انتزعته الزوجة ورضي به الزوج، وواقعه معلوم في شعوب بأكملها؛ حين صار المهر والتجهيز كله على الزوجة فآلت إليها الإدارة، ولكن لا يحسن أن نجعل الشريعة تابعة للواقع؛ بل هي التي تعدله بأصولها وتوجهه بمقاصدها؛ رعاية للجبلة وحماية للفطرة ، وتنظيما لأمور الحياة.
كما أن القوامة التي هي نوع من الإدارة ليس عمادها الإنفاق فقط، وإلا لكان معتوهو الأثرياء هم أكثر الناس استحقاقا لحكم الدول؛ لاسيما إذا كانت الدولة فقيرة والمتقدم لرئاستها ثريا، ولا يمكن لقانون وضعي أن يجعل بذل المال هو السبب المنفرد باستحقاق القيادة؛ فكيف بشريعة إلهية كاملة محكمة؟ بل إن الشريعة بدأت في سبب استحقاق القوامة بقوله تعالى: "بما فضل الله بعضكم على بعض"؟
هذا ومن المعلوم الظاهر أنه لا يمكن فصل التنازع الواقع أو المحتمل بين الزوجين فيمن يتولى إدارة شؤون الأسرة، وذلك لأنهما اثنان فقط لا مرجح بينهما؛ فلهذا جعلته الشريعة للرجل؛ لكون الأغلب أن "جنس" الرجال وليس بالضرورة كل فرد= هم الأقدر على القوامة؛ وذلك لأجل ما لديه من تحمل جسدي ونفسي وواقعي، ومن المعلوم أيضا أن التشريعات الربانية؛ وحتى القوانين الأرضية إنما ترعى عند سنها لتشريعات تعنى بتنظيم العلاقة= الحال الغالبة؛ وليس القليل.
وقد ظهرت هذه الأولوية القيادية للرجل جلية في المجتمعات الغربية؛ حيث لا تشكل المرأة في القيادة إلا نسبة قليلة حتى في أرض الحريات المزعومة أمريكا؛ فلم تتول المرأة فيها رئاسة الدولة قرابة ثلاثة قرون إلى اليوم، وأما النسبة العالمية فهي 16 امرأة فقط تحكم دولا من بين 193 دولة.
وإذا نظرت إلى وضع المرأة في الغرب من زاوية أخرى= ظلت عندهم أجور النساء في العمل هي الأقل؛ ليس من بسبب الذكورية المتعصبة؛ بل لأنهم اصطدموا بالجبلة والفطرة للفروق المذكورة، ويضاف عليها عوارض متعددة تواجه المرأة في حياتها من حمل ورضاع ومكابدة تربية الولد، ولهذا لم يمكنهم خرق ذلك وتجاوزه في الوظائف العظمى؛ وفي أكثر الوظائف الأخرى؛ لأنه أمر يتعلق بالمصالح العليا، حتى صار أكثر بروز المرأة وأعظم ما تُعرف به "غالبا" في بلادهم هو أن تكون عارضة أو نادلة أو بائعة أو مسوقة أو سلعة رخيصة، أو تحت الابتزاز بأنواعه في أماكن العمل، وصارت القيادة "في الغالب الأعظم" في القطاعات العسكرية والمدنية والجامعية ومراكز الأبحاث للرجل؛ وليست للمرأة.
والآية وإن جعلت الإنفاق أحد أسباب استحقاق القوامة إلا أنه حكم أغلبي، ومع ذلك فإن الآية أرست عمادا آخر حين نصت أولا على التفضيل في قوله تعالى: "بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" ؛ فالأقرب أن هذا التفضيل هو ما ذكرناه من فروق تحمل جسدي ونفسي.
وأما قوله: إن "الرجل والمرأة" يختلفان عن الذكر والأنثى فهو صحيح من جهة أن العلاقة بين اللفظين تتضمن عموما وخصوصا؛ فمثلا: كل امرأة أنثى، وليس كل أنثى امرأة؛ وإنما قد تكون صغيرة وليست امرأة، وكذلك الذكر والرجل، ولكن لا تأثير لهذا التقسيم أو المراحل العمرية في مسألة القوامة "في الشريعة" بل فيه نظر شرعا ولغة وواقعا: أما الشرع فإن الله قد قال: "وليس الذكر كالأنثى" وأما اللغة فلا أعرف من قال بأن الرجل هو الماشي، وإنما هو الرَجِل بكسر الجيم؛ كقوله تعالى: "وأجلب عليهم بخيلك ورجلك" أي بفرسانك ومشاتك، وأما الواقع فيدل كما ذكرنا آنفا على الفرق بين الرجل والمرأة في القدرة القيادية. والله أعلم.