الرئيسة    الفتاوى   أحكام الموظفين والطلبةوالعمال   دراسة علم أصول الفقه على أهل البدع

دراسة علم أصول الفقه على أهل البدع

فتوى رقم : 21928

مصنف ضمن : أحكام الموظفين والطلبةوالعمال

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 03/08/1440 10:04:58

س: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. الأستاذ الفاضل .. بارك الله فيكم .. يقول السائل:
"نحن بعض طلبة العلم نأخذ أصول الفقه من بعض الشيوخ في بلادنا، ولكن عندما نمر ببعض المسائل الحساسة المختلف فيها بين أهل الكلام وأهل الحديث ، الشيخ يرجح مذهب أهل الكلام.
الحمد لله نحن على اعتقاد أهل السنة والجماعة وإمامها أحمد بن حنبل؛ هل يجوز لنا أن نأخذ من هذا الشيخ؟ مع العلم بأن هذا الشيخ متمكن جدا في أصول الفقه الشافعي ويعسر علينا أن نأخذ هذا العلم من أستاذ آخر.
بارك الله فيكم وسدد خطاكم ونفعنا الله بعلمكم.

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. فإن الذي جرى عليه أهل العلم ممن هم على طريقة السلف من الإثبات المشروع، وكذلك بقية العلماء ممن انتحل عقائد مخالفة لهم في التأويل كالأشاعرة والماتريدية فإن نهجهم هو أنهم كانوا يتلقون العلم من بعضهم البعض في علوم التفسير والفقه وأصوله والحديث وعلومه، ومن قرأ كتب التراجم يجد هذا التبادل في التلمذة والمشيخة واضحا جليا.
بل درج علماء السلف على أمور هي أعظم من مجرد التتلمذ، ومنها:
1. نسخ كتبهم وبيعها وشراؤها وإهداؤها ووقفها؛ من كتب أئمة الدين وأعلام الهدى كالبيهقي والحاكم وابن دقيق العيد والنووي والعز ابن عبدالسلام والشاطبي والسبكي وابن الملقن وابن حجر والشوكاني؛ ممن خالفوا في هذه المسائل، أو في بعضها.
2. شرح كتبهم؛ كالذي فعله العلامة ابن القيم حين شرح كتاب "منازل السائرين" لأبي عبدالله الهروي رغم ما فيه من الطوام، ولم يكن ابن القيم ملزما بذلك، ولا كان بيان الدين متوقفا على ذلك الشرح، وكان بإمكانه أن يأخذ ما فيه من الفوائد النقية ويخرجها في كتاب مستقل لا أن يشرح الكتاب ويقدم مؤلفه للناس؛ إلا دليلا على تقدير أئمة السلف لإخوانهم من العلماء وإن خالفوهم في بعض مسائل الاعتقاد.
3. ثناء أهل الإثبات على أولئك العلماء المخالفين وعلى كتبهم وهو أعظم من مجرد التتلمذ عليهم أو شرح كتبهم كالذي جاء عن ابن تيمية والذهبي وابن القيم وابن كثير وغيرهم، وكثناء مشايخنا على كتب الأئمة المذكورين.
وهذا هو الإمام ابن تيمية يقول عن أمثال هؤلاء: (..أبو ذر فيه من العلم والدين، والمعرفة بالحديث والسنة، وانتصابه لرواية البخاري، عن شيوخه الثلاثة، وغير ذلك من المحاسن والفضائل، ما هو معروف به، وكان قد قدم بغداد من هراة، فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم، فتكلّم فيه وفي طريقته من تكلّم، كأبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين، بما ليس هذا موضعه، وهو ممن يرجح طريقة الضبعي، والثقفي، على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث.. وأهل المغرب كانوا يحجون فيجتمعون به ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة، ويدلهم على أصلها، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد الباجي، فأخذ طريقة أبي جعفر السمناني الحنفي، صاحب القاضي أبي بكر، ورحل بعده القاضي أبو بكر العربي، فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد. ثم إنه ما من هؤلاء إلا مَن له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من مسائل أهل السنة والدين، ما لا يخفى على مَن عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك : منهم من يعظّمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوسطها، وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات: "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" ، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين، من جهة الرسول صلى الله عليه و سلم، وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له خطأه، تحقيقًا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين، حيث قالوا : "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" ، ومن اتبع ظنَّه وهواه، فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنَّه صوابًا بَعْدَ اجتهاده -وهو من البدع المخالفة للسنة- فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه) أهـ.
ولم يزل مشايخنا على ذلك، حتى استعانوا في أكثر العلوم الإسلامية في الجامعات والمعاهد العلمية بجمع لا يُحصى من مخالفيهم في مسائل الاعتقاد، واستمر ذلك إلى اليوم.
وإلى ذلك ذهب شيخنا العلامة عبدالرحمن بن ناصر البراك في بعض أجوبته أثابه الله.
فبناء على ذلك أرى أن ينتفع طالب العلم من أهل الفضل والعلم في علوم الفقه وأصوله ونحوه؛ ولو كانوا ممن خالف في مثل هذه المسائل، مع تقدير ما عندهم من العلم والفضل في هذه العلوم، وتبيين ما أخطأوا فيه؛ إذا كان هذا مواتيا بحسن أدب، وجميل عبارة. والله أعلم.