الرئيسة    الفتاوى   الحديث   الجمع بين حديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) وبين القول بأن الإنسان يؤجر على ما يؤكل من زرعه ولو لم ينو

الجمع بين حديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) وبين القول بأن الإنسان يؤجر على ما يؤكل من زرعه ولو لم ينو

فتوى رقم : 22339

مصنف ضمن : الحديث

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 19/04/1441 05:23:49

س: وفقك الله .. ذكر بعض العلماء: (أن الإنسان يؤجر على فعل الخير ولو لم ينو، مثل: من زرع فأكل منه طير وإنسان، فإذا نوى كان له أجرا عظيما)؛ كيف نجمع بينه وبين الحديث الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى...)؟

ج: الحمد لله أما بعد .. فقد روى جابر قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلاَّ كانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْه لَه صدقَةً، وَلاَ يرْزؤه أَحَدٌ إلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً أخرجه مسلم.
والمراد من ذلك هو من نوى هذا الخير والانتفاع، وذلك أن القواعد الشرعية دلت على أن الإنسان ليس له من الأجر إلا ما نواه، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا الحديث من باب العموم المخصوص، فهو عام وعمومه يقتضي أن من زرع شيئا فانتفع به الإنسان والحيوان حصل له الأجر، لكنه مخصوص بما دلت عليه الأدلة من أن من شرط ثبوت الأجر النية الصالحة:
ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح فيمن ترك المعصية: "فإنه إنما تركها من جرائي..." أي لأجلي، وذلك رغم ورود نصوص مطلقة تثبت الأجر بمجرد ترك المعصية، ولهذا قال أكثر العلماء: لا يؤجر الإنسان بترك المعصية تركا محضا، وإنما يؤجر إذا تركها لله عز وجل.
وكذلك في قصة النفر الأربعة في في "السنن" للترمذي عن أبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيُّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ" ، فهنا أثبت كلا من الأجر والإثم بالنية؛ فهذا أصل يجب أن يراعى في فهم بقية النصوص.
فبمقتضى هذه الأدلة فإن المعنى في حديث الزرع إنما هو حث على استحضار النية عند استقبال كل عمل؛ لا أنه إثبات للأجر بمجرد الفعل دون نية. والله أعلم.