الرئيسة   مسائل علمية   بيع المسلم فيه قبل قبضه

بيع المسلم فيه قبل قبضه

68528_180x180.jpg
صورة المسألة: بأن يعقدا عقد سلم يقدم فيه الثمن ويؤخر المثمن وهو (المسلم فيه)، فإذا أراد مستحق المسلم فيه أن يبيعه قبل قبضه فهل يجوز أو لا، سواءً كان المشتري هو المستلف أو غيره؟ محل خلاف بين العلماء.

اختيار ابن تيمية:
اختار شيخ الإسلام ابن تيمية - في الراجح عنه - جواز بيع المسلم فيه قبل قبضه بشرط أن يكون بقدره في القيمة، خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة.

وعن ابن تيمية قول ثانٍ: أن ذلك لا يجوز، وفاقاً للمذهب والجمهور [1].

أقوال العلماء في المسألة:
القول الأول:
أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه، وهو قول جمهور العلماء من الحنفية [2]، والمالكية [3]، والشافعية [4]، والحنابلة [5]، وهو أحد القولين عن ابن تيمية.

واستثنى المالكية المبيع الذي يجوز بيعه قبل قبضه، فيجوز بيعه قبل قبضه إذا كان دين سلم، ولهم ضوابط وتفصيلات فيما يجوز بيعه قبل قبضه ليس هذا موضع ذكرها.

وحكي هذا القول إجماعاً [6].

القول الثاني:
أنه يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه.

وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما [7]، ورواية عن أحمد [8]، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم [9].

وشرطوا للجواز أن يكون بمثل الثمن أو أقل منه، لا أكثر؛ لئلا يربح فيما لم يضمن، وأن يكون الثمن حالاً لئلا يكون بيع كالئ بكالئ.

أدلة القول الأول:
1- أحاديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه السابقة [10]، وهي تفيد بمجموعها تحريم ذلك وعدم جوازه [11].

2- حديث النهي عن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن [12].

قالوا: هو مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يجز بيعه قبل قبضه [13].

3- حديث أبي سعيد "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره" [14].

قالوا: وهذا صرف للسلف إلى غيره فلم يجز [15].

نوقش:
أ- وقد أجاب عن هذا شيخ الإسلام أولاً بأن الحديث ضعيف.

ب- والثاني: أن المراد به أن لا يجعل السلف سلماً في شيء آخر، فيكون معناه: النهي عن بيعه بشيء إلى أجل؛ وهو من جنس بيع الدين بالدين. ولهذا قال: "لا يصرفه إلى غيره" أي: لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر. ومن اعتاض عنه بغيره قابضاً للعوض لم يكن قد جعله سلماً في غيره [16].

4- دليل الإجماع.
قال ابن قدامة: أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافاً [17].

وقد ناقش ابن تيمية حكاية الإجماع بقوله: وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في "مغنيه"... فقال رحمه الله بحسب علمه ا.هـ. ثم ذكر خلاف من خالف من العلماء.

ثم قال: وهذا أيضاً إحدى الروايتين عن أحمد. نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه؛ كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته، وإن كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه. وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد ا. هـ [18].

5- قالوا: إذا بيع قبل قبضه أدى إلى توالي الضمانين، وهذا ممتنع.

قال شيخ الإسلام: فإن البيع لا يجوز على أصلهما إلا إذا انتقل الضمان إلى المشتري، وصار المبيع مضموناً عليه. قالوا: لئلا يتوالى الضمانان؛ فإن المبيع يكون مضموناً قبل القبض على البائع الأول؛ فإذا بيع قبل أن يضمنه المشتري صار مضموناً عليه، فيتوالى عليه الضمانان ا. هـ.

ثم ناقشه بقوله: وهذا مأخذ ضعيف لا محذور فيه؛ فإن المبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان هذا. ا. هـ. [19].

أدلة القول الثاني:
1- أن الدين مبيع، والراجح في المبيع جواز بيعه بعد التمكن من قبضه وإن لم يقبضه [20].

2- واستدل شيخ الإسلام على اشتراط أن يكون بالقيمة لا بأكثر بقوله: ولكن لا يجوز بربح؛ بل لا يباع إلا بالقيمة؛ لئلا يربح المسلف فيما لم يضمن، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن ربح ما لم يضمن" ا. هـ [21].

وقال: فابن عباس لا يجوز البيع قبل القبض، وجوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح، ولم يفرق ابن عباس بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما؛ لأن البيع هنا من البائع الذي هو عليه، وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه، بل ليس هنا قبض؛ لكن يسقط عنه ما في ذمته، فلا فائدة في أخذه منه ثم إعادته إليه، وهذا من فقه ابن عباس ا. هـ [22].

ونوقش:
أنه قد يكون هذا مبنياً على رأي ابن عباس في ربا الفضل، حيث ورد عنه القول بجوازه.

وقد أجاب عن هذا شيخ الإسلام بقوله: وليس هذا من ربا الفضل فيقال: إن ابن عباس يجيز ربا الفضل؛ بل بيع الذهب بالفضة إلى أجل حرام بإجماع المسلمين ا.هـ. [23].

3- القياس على الثمن في المبيع.
قال شيخ الإسلام: والدليل على ذلك: أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالنقيع - والنقيع بالنون: هو سوق المدينة. والبقيع بالباء هو مقبرتها [24]. قال: كنا نبيع بالذهب، ونقضي الورق، ونبيع بالورق، ونقضي الذهب. فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: "لا بأس إذا كان بسعر يومه، إذا تفرقتما وليس بينكما شيء". [25] فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره، مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه، وإن كان مضموناً على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري. أ. هـ

4- وأما الاستدلال على كونه بأنقص فقد قال ابن تيمية: والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جوز الاعتياض عنه إذا كان بسعر يومه؛ لئلا يربح فيما لم يضمن، وهكذا قد نص أحمد على ذلك في بدل القرض وغيره من الديون، إنما يعتاض عنه بسعر يومه؛ لئلا يكون ربحاً فيما لا يضمن، وهكذا ذكر الإمام أحمد عن ابن عباس لما أجاب في السلم أن قال: إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل، ولم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضاً بأنقص منه، ولا تربح مرتين ا. هـ.[26].

5- القياس على الإقالة فيما لو باعه على من هو عليه، والإقالة جائزة [27].

6- واحتجوا بأنه قول ابن عباس، ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً.

قال شيخ الإسلام: وهو قول ابن عباس ولا يعرف له في الصحابة مخالف ا. هـ.[28]

7- واحتج ابن تيمية من القياس بقوله: وذلك لأن دين السلم دين ثابت، فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض وكالثمن في المبيع؛ ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه كالعوض الآخر ا. هـ. [29].

الترجيح:
والراجح - والله أعلم - هو القول الثاني:
1- لقوة أدلته ووجاهتها.

2- أن الأصل في المعاملات الإباحة.

3- أن الشارع يتشوف إلى براءة الذمة.

4- أنه ورد عن ابن عباس، ولم يعرف له مخالف من الصحابة في عصره.

وسبب الخلاف في المسألة:
هو الخلاف في بيع المبيع قبل قبضه كما ظهر ذلك من أوجه الاستدلال.

وتظهر ثمرة ذلك في مسألة أخرى شبيهة بها: وهي مسألة الاعتياض عن دين السلم، وقد انبنى الخلاف فيها على الخلاف في مسألتنا، وسيأتي بحثها بإذن الله في موضعها.

ومن ثمراتها هبة المسلم فيه قبل قبضه، ولذا خرّج بعض الحنابلة على قول ابن تيمية جواز ذلك بناء على هذه المسألة وإن كان ابن تيمية لم يصرح بذلك [30].

________________________________________
[1] انظر: مجموع الفتاوى: (29/500 - 509، 517، 519-520، 526)، (30/265)، الاختيارات: (131)، الفروع: (4/186)، الإنصاف: (5/108)، حاشية ابن قاسم: (5/31)، المستدرك: (4/20).
وإنما رُجِّحَ القول بالجواز عنه؛ لأن ابن تيمية حنبلي تفقه على المذهب فكان هذا قوله، ثم تبين له خلاف ذلك فرجح الجواز، ولو رجحنا القول الثاني عنه: للزم منه أنه كان يقول بالمذهب ثم رجع عنه، ثم رجع مرة أخرى للمذهب، وهذا بعيد، ويؤيده أنه نسبه له خاصة تلاميذه كابن مفلح، وتبعه علماء الحنابلة فنسبوا له الجواز دون المنع، والله أعلم.
[2] انظر: المبسوط: (12/163)، بدائع الصنائع: (5/148، 182)، البحر الرائق: (6/179)، تبيين الحقائق: (4/118)، شرح العناية: (7/101)، شرح فتح القدير: (7/101)، الجوهرة النيرة: (1/219)، درر الحكام: (2/196)، حاشية ابن عابدين: (5/231).
[3] انظر: منح الجليل: (5/396)، حاشية الخرشي: (5/227)، حاشية الدسوقي: (3/273)، التاج والإكليل: (6/523)، مواهب الجليل: (4/542)، حاشية الصاوي: (3/363)، وانظر أيضاً: منح الجليل: (5/46)، حاشية الدسوقي: (3/63)، حاشية الخرشي: (5/77) في بيع الدين.
[4] انظر: شرح البهجة: (3/17)، تحفة المحتاج: (4/405)، حاشية قليوبي: (2/214)، نهاية المحتاج: (4/91)، أسنى المطالب: (4/493)، مغني المحتاج: (2/95)، تحفة الحبيب: (3/22).
[5] انظر: المغني: (6/414)، الفروع: (4/186)، شرح الزركشي: (4/17)، المبدع: (4/198)، الإنصاف: (5/108)، كشاف القناع: (3/306)، الروض المربع: (5/31)، شرح منتهى الإرادات: (2/222).
[6] انظر: المغني: (6/414).
[7] انظر: مجموع الفتاوى: (29/504، 518)، وقد صححه ابن المنذر عن ابن عباس كما في مجموع الفتاوى: (29/505).
[8] انظر: مجموع الفتاوى: (29/501-518)، شرح الزركشي: (4/17-18)، الفروع: (4/186)، المبدع: (4/198-199)، الاختيارات: (131)، الإنصاف: (5/108)، حاشية ابن قاسم: (5/31).
[9] انظر: تهذيب السنن: (5/111-117).
[10] سبق تخريجها ص: (243).
[11] انظر: المغني: (6/415)، بدائع الصنائع: (5/48، 182)، مجموع الفتاوى: (29/500، 506)، كشاف القناع: (3/293).
[12] سبق تخريجها ص: (243، 487).
[13] انظر: المغني: (6/415)، مجموع الفتاوى: (29/500)،الفروع: (4/186)، المبدع: (4/199).
[14] سنن أبي داود: (3/286)، كتاب البيوع، باب السلف لا يحول، رقم (3468)، سنن ابن ماجه: (2/766)، كتاب التجارات (12)، باب (60)، حديث رقم (2283)، وضعفه أبو حاتم والبيهقي وعبدالحق وابن القطان، انظر: التلخيص الحبير: (3/25).
[15] انظر: مجموع الفتاوى: (29/503).
[16] انظر: مجموع الفتاوى: (29/517)، وانظر ص (519).
[17] انظر: المغني: (6/415).
[18] مجموع الفتاوى: (29/506).
[19] انظر: مجموع الفتاوى: (29/509).
[20] انظر: مجموع الفتاوى: (29/506).
[21] مجموع الفتاوى: (29/510)، والحديث سبق تخريجه ص: (487).
[22] مجموع الفتاوى: (29/514).
[23] مجموع الفتاوى: (29/516).
[24] الكلام لابن تيمية، وروايات الحديث في السنن بلفظ البقيع، لكن الشوكاني نقل عن بعض العلماء ضبطها بالنون، وهو ما يلمح إليه ابن تيمية، والنقيع مشهور بأنه موضع على بعد عشرين ميلاً من المدينة وقد حماه عمر للخيل والإبل.انظر: نيل الأوطار: (5/177)، شرح البهجة الوردية: (3/260).
[25] الحديث سبق تخريجه ص: (483).
[26] مجموع الفتاوى: (29/510).
[27] انظر: مجموع الفتاوى: (29/513).
[28] مجموع الفتاوى: (29/519).
[29] مجموع الفتاوى: (29/519).
[30] انظر: الإنصاف: (5/109).