الرئيسة   مسائل علمية   الاعتياض عن دين السلم بقدره في القيمة

الاعتياض عن دين السلم بقدره في القيمة

31-82.jpg
الاعتياض عن دين السلم المراد به: إذا حل الأجل ولم يجد المسلم فيه أن يأخذ عنه جنسًا آخر كأن يسلم في قمح فيأخذ بدلًا عنه تمرًا مقبوضًا في مجلس العقد.

أما إذا لم يقبضه في مجلس العقد وكان مما يجري فيه الربا، فيحرم كما نص عليه ابن تيمية[1].

اختيار ابن تيمية:
اختار شيخ الإسلام ابن تيمية جواز الاعتياض عن دين السلم بقدره في القيمة، خلافًا للمشهور من مذهب الحنابلة [2].

أقوال العلماء في المسألة:
القول الأول:
لا يجوز الاعتياض عن دين السلم.

وهذا مذهب الحنفية [3]، والشافعية [4]، والحنابلة [5].

القول الثاني:
أنه يجوز.

وهذا مذهب المالكية بشروطه [6]، ورواية عن الإمام أحمد [7]، وبه قال ابن عباس من الصحابة [8]، اختارها ابن تيمية وابن القيم [9].

أدلة القول الأول:
1- حديث أبي سعيد: "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" [10].

ونوقش:
أ- أنه ضعيف كما سبق بيانه.
ب- أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر، أو يبيعه مؤجلًا بمؤجل؛ لأنه يصير من بيع الكالئ بالكالئ.

أما بيعه بعوض حاضر من غير ربح فيه فلا محذور فيه [11].
2- ما ورد من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه [12].

ونوقش:
أ- أن النهي إنما هو في المعين، أو المتعلق به حق توفية من كيل أو وزن، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، بدليل أن ابن عباس أباحه مع أنه يمنع من بيع الطعام قبل قبضه [13].

ب- أن المراد بالنهي هو بيعه من غير بائعه، أما من بائعه فيجوز على القول الراجح [14].

ج- ثم النهي عن بيع الطعام المراد به: ما لا يتمكن من قبضه.

3- أنه يدخل في النهي عن ربح ما لم يضمن، إذ هو غير مضمون عليه لكونه في ذمة المسلم إليه [15].

ونوقش:
أننا نسلم بذلك ولذا قلنا يبيعه بقدره في القيمة ولا يربح فيه كما قال ابن عباس، فيأخذه بسعر يومه، ولذا يجوز الاعتياض عن النقود بسعر يومها كما مر [16].

أدلة القول الثاني:
1- ما ثبت عن ابن عباس أنه قال: إذا أسلفت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت، فخذ عوضًا بأنقص منه ولا تربح مرتين [17].

وهذا قول صحابي ولم يعرف له مخالف فكان إجماعًا.

قال شيخ الإسلام:
والقول الثاني أصح، وهو قول ابن عباس ولا يعرف له في الصحابة مخالف ا.هـ. 18].

2- قياس التصرف في المسلم فيه على التصرف في الثمن كما ثبت عن ابن عمر أنه قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير. فقال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها مالم تتفرقا وبينكما شيء" [19].

فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه، فكذلك السلم [20].

قال شيخ الإسلام:
والدليل على ذلك أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة... فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره، مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه وإن كان مضمونًا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جوز الاعتياض عنه إذا كان بسعر يومه؛ لئلا يربح فيما لم يضمن ا. هـ. [21].

3- أن الاستيفاء أهون من البيع، فلذا يجوز فيه ما لا يجوز في البيع.

قال شيخ الإسلام:
وأما إذا أخذ عنه من جنسه بقدر مكيله ما هو دونه فجوزه؛ لأن هذا من الاستيفاء من الجنس، لا من باب البيع، كما يستوفى الجيد بالرديء ا.هـ. [22].

4- القياس على بدل القرض، حيث يجوز الاعتياض عنه فكذلك دين السلم [23].

الترجيح:
والراجح - والله أعلم - هو القول الثاني:
1- لقوة أدلته ووجاهتها.

2- ضعف أدلة المخالفين.

3- موافقة هذا القول لقواعد الشريعة المعتبرة من أن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يرد دليل بخلاف ذلك، ولا دليل هنا.

4- أنه قول ابن عباس وهو صحابي جليل، ولم يعرف له مخالف فكان إجماعًا.

5- سلامة هذا القول من التناقض واطراده.

6- أن باب الاستيفاء يتسامح فيه ما لا يتسامح في باب البيع.

7- أن فيه إبراءًا للذمة وهو مما يتشوف له الشارع.

وسبب الخلاف فيما يظهر:
هو الخلاف في حديث "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" صحة وضعفًا.

ولعل من أسباب الخلاف ظن بعض الفقهاء أن باب الاستيفاء مثل باب البيع، وهذا غير مسلم كما قرره ابن تيمية. والله أعلم.


________________________________________
[*] في الخطة مسألة قبل هذه المسألة بعنوان: الحوالة بدين السلم، لكن تبين أنها سبق قلم ووهم في إدخالها؛ إذ لم أجد لابن تيمية فيها كلاماً، ومثلها رهن المسلم فيه، أما مسألة بيع الدين المستقر لغير من هو في ذمته فقد بحثت مع مسائل بيع الدين في باب الربا.
[1] مجموع الفتاوى: (29/516).
[2] انظر: مجموع الفتاوى: (29/500-520)، المسائل الماردينية: (100-101)، مختصر الفتاوى المصرية: (432).
[3] انظر: المبسوط: (21/47-49)، بدائع الصنائع: (5/182، 214) (6/44)، البحر الرائق: (6/179)، مجمع الأنهر: (2/318).
[4] انظر: روضة الطالبين: (4/29)، أسنى المطالب: (2/84، 171)، شرح البهجة: (3/17، 54، 57، 70، 106)، تحفة المحتاج: (4/406)، نهاية المحتاج: (4/90)، تحفة الحبيب: (3/23)، حاشية الجمل: (3/22، 249)، التجريد لنفع العبيد: (2/345).
[5] انظر: المغني: (4/416)، مختصر الفتاوى المصرية: (435)، مجموع الفتاوى: (29/503)، الإنصاف: (5/111)، شرح منتهى الإرادات: (2/222)، الروض المربع: (5/32)، كشاف القناع: (3/306)، مطالب أولي النهى: (2/11)، شرح الزركشي: (4/17).
[6] انظر: المدونة: (3/82)، شرح الخرشي: (5/227)، مواهب الجليل: (4/541)، الشرح الكبير: (3/198).
[7] انظر: المغني: (6/416)، مجموع الفتاوى: (29/503)، مختصر الفتاوى المصرية: (435)، المسائل الماردينية: (100-101)، الإنصاف: (5/95،111)،حاشية ابن قاسم: (5/32).
[8] انظر: مجموع الفتاوى: (29/503-520).
[9] انظر: تهذيب السنن: (5/112-117).
[10] سبق تخريجه ص: (676).
[11] انظر: مجموع الفتاوى: (29/517)، تهذيب السنن: (5/114).
[12] سبق تخريج هذه الأحاديث.
[13] انظر: المغني: (6/416)، تهذيب السنن: (5/114-116)، شرح الزركشي: (4/17)، بدائع الصنائع: (5/203، 214)، مجموع الفتاوى: (29/512)، كشاف القناع: (3/293).
[14] انظر: تهذيب السنن: (5/114-115).
[15] انظر: المغني: (6/415)، شرح الزركشي: (4/17).
[16] انظر: تهذيب السنن: (5/115-116).
[17] انظر: مجموع الفتاوى: (29/505)، تهذيب السنن: (5/112-117)، والأثر قال ابن المنذر عنه:إنه ثابت عنه.
[18] مجموع الفتاوى: (29/519).
[19] سبق تخريجه ص: (483).
[20] انظر: مجموع الفتاوى: (29/503، 510).
[21] مجموع الفتاوى: (29/510).
[22] مجموع الفتاوى: (29/514).
[23] انظر: مجموع الفتاوى: (29/519).