الرئيسة   متابعات   قضية المرأة في كتابات العالم المفكر "محمد قطب" - رحمه الله.

قضية المرأة في كتابات العالم المفكر "محمد قطب" - رحمه الله.

th_2sora2.jpg
فقدت الأمة الإسلامية أمس الجمعة الرابع من جمادى الآخر عام 1435هـ الموافق الرابع من إبريل عام 2014م، العالم والمفكر الإسلامي الأستاذ محمد قطب ـ رحمه الله- ، ويعتبر الأستاذ محمد قطب علامة فكرية بارزة بالنسبة للحركة الإسلامية المعاصرة، فهو صاحب مؤلفات هامة تؤسس للفكر الإسلامي المعاصر، من منطلق معرفي إسلامي مخالف لنظرية المعرفة الغربية، وهو يربط بين الفكر والواقع عبر العديد من مؤلفاته التي حاولت تفسير الواقع أيضاً من منظور إسلامي.
وقد كانت لقضايا المرأة وما يحاك ضدها من مخططات ومؤامرات نصيب وافر من كتابات قطب (رحمه الله)، ففي كتابه مذاهب فكرية معاصرة ينتقد أفكار ماركس وفرويد ودوركايم عن المرأة، ويتناول بالتحليل الانحرافات المنهجية والمغالطات التاريخية في أفكار ماركس تجاه المرأة، كما ينتقد المنظور الجنسي والذي يفسر به فرويد السلوك البشري، وكذلك ينتقد أفكار دوركايم حول المجتمعات، كما يتناول بالعرض والتحليل كيف تحولت المرأة في المجتمعات الأوروبية إلى التحلل الأخلاقي والأدوار الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها، لتصل إلى هذه الهاوية الأخلاقية التي تعيشها الآن.
ويرى أن قضية تحرير المرأة كانت مختلقة في المجتمعات الأوروبية في العصور الوسطى، فمع التطور الصناعي واتجاه الرجل للعمل في المصانع والعيش في المدن، هجر كثير من الرجال أسرهم، فاضطرت المرأة الخروج للعمل في المزارع لتوفير لقمة العيش للأطفال، وجاءت الحرب العالمية الأولى. وقتل عشرة ملايين من الشباب الأوروبيين والأمريكان. فاضطرت المرأة الانتقال للعمل في المصانع، وكانت تقوم بنفس جهد الرجل، لكنها تتقاضى نصف الأجر. ومن ثم بدأت المطالبة بالمساواة لتنتقل من مجرد المساواة في الأجور، إلى المطالبة بالمساواة في كل شيء. وينتهي الأمر بالمرأة بأن تخرج كليا من البيت، وتفقد دورها المنوط بها.
يقول الأستاذ محمد قطب: "إن إخراج المرأة من البيت، ودفعها إلى العمل في الخارج – أيا كانت الدوافع التي أدت إليه وأيا كانت النوايا الكامنة وراء ذلك– قد أحدث دمارا عنيفا في المجتمع، لا يمكن الإحاطة بكل أبعاده؛ لأنه ما زال يلد شرورا جديدة حتى هذه اللحظة.
إن تخصيص المرأة للبيت لوظيفة الأمومة ورعاية النشء لم يكن ظلما للمرأة، ولا تحقيرا لها، ولكن الجاهلية هي التي جعلته كذلك حين عيرت المرأة بأنها تحمل وتلد ولا تصنع غير ذلك!
والجاهلية – دائما – تظلم المرأة وتقسو عليها وتهينها وتعيرها، ولا ينقذها من ذلك شيء إلا شرع الله ومنهجه المنزل لإصلاح البشرية وإقامة العدل في الأرض".
وفي كتابه شبهات حول الإسلام، يرد الأستاذ محمد قطب على جميع الشبهات التي آثارها أعداء الإسلام حول الإسلام، ومنها قضية حقوق المرأة في الإسلام، حيث يتناول مسألة هل هناك مبرر لوجود قضية للمرأة تطالب بها بحقوقها من خلالها حيث يقول: "كانت المرأة في أوروبا وفي العالم كله هملاً لا يحسب له حساب. كان "العلماء" والفلاسفة يتجادلون في أمرها. هل لها روح أم ليس لها روح؟ وإذا كان لها روح، فهل هي روح إنسانية أم حيوانية! وعلى فرض أنها ذات روح إنسانية، فهل وضعها الاجتماعي و"الإنساني" بالنسبة للرجل هو وضع الرقيق، أم هو شيء أرفع قليلاً من الرقيق! وحتى في الفترات القليلة التي استمتعت فيها المرأة بمركز "اجتماعي" مرموق، سواء في اليونان أو في الإمبراطورية الرومانية، فلم يكن ذلك مزية للمرأة كجنس، وإنما كان لنساء معدودات، بصفتهن الشخصية، أو لنساء العاصمة بوصفهن زينة للمجالس، وأدوات من أدوات الترف التي يحرص الأغنياء والمترفون على إبرازها زهواً وعجباً، ولكنها لم تكن قط موضع الاحترام الحقيقي كمخلوق إنساني جدير بذاته أن يكون له كرامة بصرف النظر عن الشهوات التي تحببه لنفس الرجل. وظل الوضع كذلك في عهود الرق والإقطاع في أوروبا، والمرأة في جهالتها، تدلل حيناً تدليل الترف والشهوة، وتهمل حيناً كالحيوانات التي تأكل وتشرب وتحمل وتلد وتعمل في الليل والنهار، حتى جاءت الثورة الصناعية، فكانت الكارثة التي لم تصب المرأة بشر منها في تاريخها الطويل.
ونعود إلى وضع المرأة في الإسلام، لنعرف إن كانت ظروفنا التاريخية والجغرافية والاقتصادية والعقدية والتشريعية، تجعل للمرأة "قضية" تكافح من أجلها، كما كان للمرأة الغربية قضية، أم إنها شهوة التقليد الخالصة، والعبودية الخفية للغرب - التي تجعلنا لا نبصر الأشياء بعيوننا، ولا نراها في حقيقتها - هي التي تملأ الجو بهذا الضجيج الزائف في مؤتمرات النساء؟!
من البديهيات الإسلامية التي لا تحتاج إلى ذكر ولا إعادة، أن المرأة في عرف الإسلام كائن إنساني، له روح إنسانية من "النوع" نفسه الذي منه روح الرجل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" سورة النساء 1. فهي إذن الوحدة الكاملة في الأصل والمنشأ والمصير، والمساواة الكاملة في الكيان البشري. وتحقيق الكيان البشري في الأرض متاح للجنسين: الأهلية للملك والتصرف فيه بجميع أنواع التصرف من رهن وإجارة ووقف وبيع وشراء واستغلال.. إلخ "لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا" سورة النساء 7. ولكن الإسلام بعد هذا - بعد تقرير المساواة الكاملة في الإنسانية، والمساواة في جميع الحقوق التي تتصل مباشرة بالكيان البشري المشترك بين الجميع - يفرق بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق وبعض الواجبات. وهنا الضجة الكبرى التي تثيرها نساء المؤتمرات، ويثيرها معهن كتاب و "مصلحون" وشباب، يعلم الله كم يريدون بدعوتهم وجه الإصلاح، وكم يريدون بها أن يجدوا المرأة سهلة التناول في المجتمع وفي الطريق." بعد هذا يبدأ قطب في الرد على الشبهات التي تثار في هذا الشأن.
ومن أهم ما كتب في هذا الشأن ما سطره في كتابه: واقعنا المعاصر، حيث أفرد فصلا كاملا من كتابه عن حركة تحرير المرأة في المجتمعات الإسلامية نشأتها وتطورها ومستقبلها، وقد صدر هذا الفصل في مؤلف مستقل فيما بعد بعنوان: قضية تحرير المرأة، والكتاب من أهم الكتابات في موضوعه.
تكلم الأستاذ محمد قطب في هذا الكتاب عن دعاة تحرير المرأة بداية من قاسم أمين ومرورا بهدى شعراوي، ونبوية موسى وغيرها من الأسماء التي برزت خلال القرن الماضي في هذا المجال، ويؤكد قطب أن بعد الاضطهاد أو المهانة التي قد تلاقيها المرأة من البعض في المجتمعات الإسلامية هو نتيجة البعد عن الإسلام، وليس كما يحاول أن يصور دعاة التغريب أنها نتاج تطبيق الإسلام.
يقول قطب: "وما تحقير المرأة وإهانتها وعدم إعطائها وضعها الإنساني الكريم إلا مجال من المجالات التي وقع فيها التخلف عن الصورة الحقيقية للإسلام. وعلاجها- كعلاج غيرها من الحالات جميعا- هو العودة إلى تلك الصورة الحقيقية، والتخلي عن ذلك التخلف المعيب... تلك هي [القضية].. وهي ليست [قضية المرأة] ولا [قضية الرجل]، إنما قضية الأمة الإسلامية كلها، بجميع رجالها ونسائها وأطفالها وحكامها وعلمائها وكل فرد فيها. وتخصيصها بأنها [قضية المرأة] فضلا عن مجانبته للنظرة [العلمية] الفاحصة، فإنه لا يعالج القضية. لأنه يأخذ عرضا من أعراض المرض فيجعله مرضا قائما بذاته، ويحاول علاجه. فلا يقدر لهذا العلاج أن ينجح؛ لأنه يتعامى عن الأسباب الحقيقية من ناحية، ويفتقر إلى الشمول من ناحية أخرى".
كما تناول العالم والمفكر محمد قطب قضايا المرأة في كتاباته الأخرى نحو كتابه: "الإنسان بين المادية والإسلام"، وكتابه "في النفس والمجتمع"، وكتابه "معركة التقاليد" وفي جميعها يؤكد على سمو نظرة الإسلام للمرأة، وارتفاع مكانتها في ظل الدين الإسلامي، في مقابل انحطاط هذه المكانة في ظل المناهج الأخرى في الماضي أو في عصرنا.
لقد فقدت الأمة الإسلامية بموت الأستاذ "محمد قطب" علما من أعلامها، وأحد أهم رموزها الفكرية في الخمسين عاما الماضية، وقامة من القامات الكبيرة التي يصعب تكرارها. رحم الله الفقيد وتغمده بواسع رحمته.