الرئيسة   متابعات   الصوم سباق وأخلاق وأرزاق

الصوم سباق وأخلاق وأرزاق

 سباق.jpg
بعد ساعات قليلة تبدأ جامعات الأخلاق في فتح قاعاتها ومدارس الإيمان في فتح أبوابها، ومراتع الذكر في استقبال زوارها، فيدخل العباد الزهاد، الصائمون القائمون، المنفقون القانتون، والركع السجود، ليجمعوا أمرهم ويغسلوا ذنوبهم ويطيعوا ربهم ويسعدوا بدينهم في موسم الطاعات ومنهل الخيرات ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].

ها هي الأيام تتوالى والليالي تتسارع، الزمن يدور والحياة تسير، من عام إلى عام تنقل الإنسان و تحمل لنا البشرى بقدوم شهر رمضان، تزيد الصائم من الإيمان وتدفعه إلى البر والاحسان و تأخذه إلى الرحمة والغفران وترشده إلى العتق من النيران..


يقول الحسن البصري رحمه الله: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا! فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون! ويخسر فيه المبطلون!!

ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: اتاكم شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء ويري تنافسكم في الخير فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل...

نعم فالجنة مفتحة والنيران مغلقة والشياطين مصفدة والحسنات مضاعفة ، نفحات يجب أن نستعد لها ورحمات يجب أن نتاهب لها، ليس هناك حدث يقبل على الإنسان - وهو يعلم به - إلا ويستعد له فالطالب حين يقترب الامتحان تراه يستعد.. والمقبل على زواج تراه يستعد.. والمريد سفراً تراه يستعد. فالاستعداد أمر فطري، وجميع المسلمين يستعدون لرمضان من عام إلى عام!

كيف؟
إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر اللهم بلغنا رمضان، فإذا جاء رمضان دعوا الله تعالى اللهم بلغنا ليلة القدر، فإذا جاءت ليلة القدر سألوا النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءت ليلة القدر ماذا نقول فيها، عن عائشة قالت قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها قال قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني قال الترمذي: حديث حسن صحيح

!!.كيف لا وهو شهر العفو، والعفو من الأعمال التي أجرها على الله ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَح َفَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ الشوري.

لم يحدد الاجر، وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم.

والعفو شيمة الأبرياء الأصفياء الذين كانوا يصلون من قطعهم، ويعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه. الترغيب والترهيب، والله يقول ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين ﴾ [الأعراف: 199].

(..إنه صفة من صفات عباد الرحمن ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾ [الفرقان: 63 ] (... اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، مع أنهم يقدروا أن يردوا الصاع صاعين واللطمة لطمتين، وانما يعفوا ويصفحوا، لا ينطقون الا حقا ولا يفعلون الا حقا ولا يقولون الا سلاما ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾).

عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة منتصرًا، جلس صلى الله عليه وسلم في المسجد، والمشركون ينظرون إليه، وقلوبهم مرتجفة خشية أن ينتقم منهم، أو يأخذ بالثأر قصاصًا عما صنعوا به وبأصحابه. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم.. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء...) سيرة ابن هشام.

طلب أحد الصالحين من خادم له أن يحضر له الماء ليتوضأ، فجاء الخادم بماء، وكان الماء ساخنًا جدًّا، فوقع من يد الخادم على الرجل، فقال له الرجل وهو غاضب: أحرقْتَني، وأراد أن يعاقبه، فقال الخادم: يا مُعَلِّم الخير ومؤدب الناس، ارجع إلى ما قال الله - تعالى -. قال الرجل الصالح: وماذا قال تعالى؟! قال الخادم: لقد قال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ قال الرجل: كظمتُ غيظي قال الخادم: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ قال الرجل: عفوتُ عنك، قال الخادم: ﴿ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال الرجل: أنت حر لوجه الله...!

والصوم نصف الصبر والصبر نصف الإيمان والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، والصبر من الأعمال التي أجرها بلا حساب كيف؟ ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10] قال العلماء يغرف لهم من الحسنات غرفا ، الصائم يصبر على الجوع والعطش وحقه من زوجته في نهار رمضان، يصبر على الطاعة فيصلي ويزكي ويقرأ القرآن ويصل الرحم، يصبر على المعصية فلا يرتكبها، والصيام نفسه من الأعمال التي أجرها على الله وحده، كيف؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به رواه الشيخان لم يحدد الأجر، و ينادي مُنادٍ يوم البعث اين الذين أجرهم على الله؟ فيقبل الصابرون والصائمون والعافون عن الناس...الصوم إذن عفو وصبر، وفوق كل ذلك فالصوم سعة في الأرزاق حيث قال المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم عن شهر رمضان: وفيه يزاد رزق المؤمن ، إذن الصوم مضمار سباق ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة: 183] وجامعة أخلاق (لا رفث ولا سباب ولا فسوق: فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرئ صائم).

وسعة في الأرزاق...الخصلة من الخير في رمضان كالفريضة في غيره والفريضة فيه كسبعين فريضة فيما سواه.

والصائم في ديار المسلمين حاليا في حاجة ماسة لهذه الأخلاق خاصة بعد انتشار الظلم والقمع وازدياد الفقر والأذى، وأن يكون العفو في موضعه الصحيح لا يجرح كرامة مظلوم ولا يسوغ لظالم ولا يمهد لطاغية ولا يمرر لمستبد وان يكون الصبر صبر الاستعلاء لا صبر الاستسلام، صبر النهوض لا صبر القعود، صبر العمل والأمل لا صبر الخمول والكسل، فصوموا واصبروا واصفحوا وتسامحوا وتصالحوا تجبروا وتُنصروا وتفلحوا.