الرئيسة   مسائل علمية   مسألة موت المكفول

مسألة موت المكفول

 المكفول.jpg
أطراف الكفالة ثلاثة: كفيل ومكفول ومكفول له، فالكفيل: هو الذي تحمل إحضار الشخص المكفول عند الطلب، والمكفول: هو الذي عليه حق مالي أو غيره ويريد صاحب الحق من الكفيل أن يحضره عند الطلب، والمكفول له: هو صاحب الحق الذي أراد توثيق حقه بالكفالة.
وفي الأطراف الثلاثة يتصور موت كل منهم، ومحل البحث هنا هو موت المكفول الذي عليه الحق.
اختيار ابن تيمية:
اختار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن المكفول إذا مات فلا يبرأ الكفيل خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة [1].
أقوال العلماء في المسألة:

القول الأول:
أن الكفيل يبرأ بموت المكفول.
وهذا مذهب الحنفية [2]، ومشهور مذهب المالكية [3]، والشافعية [4]، والحنابلة [5]، وقول بعض التابعين [6].

القول الثاني:
أنه لا يبرأ، بل يلزمه الضمان المالي، ويرجع به هو على ورثته.
وهذا صريح قول مالك [7]، وقول الليث [8]، وهو وجه عند الشافعية [9]، وقول بعض الحنابلة [10]، وهو اختيار ابن تيمية.

أدلة القول الأول:
1- أنه ثبت عجزه عن إحضاره بسبب موته فبطلت الكفالة [11].
ونوقش:
أن العجز عن الإحضار في الحياة يؤدي إلى التزامه بأداء الحق المالي فكذلك بعد الموت.

2- أن الحضور سقط عن الأصيل فسقط عن الفرع وهو الكفيل [12].
ونوقش:
أن الحضور وإن سقط عن الأصيل فلم يسقط عنه الحق المالي الثابت عليه، فيتحمله الكفيل كحال الحياة إذا لم يتمكن من إحضاره [13].

أدلة القول الثاني:
1- أن العقود مبنية على التراضي، والبائع لم يرض بالعقد إلا في حال توثيقه بكفالة تحفظ حقه، فإذا بريء الكفيل كان ذلك منافياً لمفهوم الرضى في العقد، منافياً لمقصود الشارع من مشروعية الكفالة.
2- القياس على ما لو عجز الكفيل في الحياة عن إحضار بدن المكفول، فإنه يلزمه الضمان المالي، والموت تسبب في عجز الكفيل عن إحضار بدن الميت من ناحية الحكم [14].

الترجيح:
والراجح - والله أعلم - هو القول الثاني:
1- لقوة أدلته ووجاهتها.
2- ضعف أدلة المخالفين ومناقشتها.
3- موافقته لمقصود الشارع في الحكمة من مشروعية الكفالة.
4- موافقته للقواعد المرعية في أبواب المعاملات كقاعدة: أن الأصل في المعاملات التراضي بين الطرفين، والعاقد لم يرض بإجراء العقد إلا بكفالة تحفظ له حقه، ولو علم أن الكفالة لا تنفعه بعد موته لم يعقد العقد معه، والكفيل قد تحمل المسئولية، فلو شاء لجعل الكفالة مقيدة بحال الحياة.

ولعل من أسباب الخلاف في المسألة: الخلاف فيما إذا عجز الكفيل عن إحضار البدن هل يغرم أولا؟ قولان للعلماء [15]، والله أعلم.

[2] انظر: المبسوط: (15/117)، (19/163)، تبيين الحقائق: (4/148، 170)، شرح العناية: (7/170)، الجوهرة النيرة: (1/311)، شرح فتح القدير: (7/170)، البحر الرائق: (6/265)، مجمع الضمانات: (266)، مجمع الأنهر: (2/127)، حاشية ابن عابدين: (5/307).
[3] انظر: الكافي: (2/794)، التاج والإكليل: (7/60)، منح الجليل: (6/242)، حاشية الصاوي: (3/452)، حاشية الدسوقي: (3/245، 278)، حاشية الخرشي: (6/35)، الفواكه الدواني: (2/240).
[4] انظر: روضة الطالبين: (4/258)،أسنى المطالب: (2/242، 244)، شرح البهجة: (3/159)، تحفة المحتاج: (3/ 212)، نهاية المحتاج: (4/453)، تحفة الحبيب: (3/117-118).
[5] انظر: المغني: (7/105)، شرح الزركشي: (4/123)، الفروع: (4/251)، الإنصاف: (5/215)، تصحيح الفروع: (4/251)، المبدع: (4/266)، الروض المربع: (5/112)، كشاف القناع: (3/378)، مطالب أولي النهى: (3/319).
[6] انظر: المغني: (7/105).
[7] انظر: المدونة: (4/100)، المغني: (7/105).
[8] انظر: المغني: (7/105).
[9] انظر: روضة الطالبين: (4/258)، نهاية المحتاج: (4/453، 437).
[10] انظر: الجامع الصغير لأبي يعلى: (310)، الإنصاف: (5/215)، حاشية ابن قاسم: (5/112).
[11] انظر: تبيين الحقائق: (4/148، 170)، شرح العناية: (7/170)، شرح فتح القدير: (7/170)، الجوهرة النيرة: (1/311)، كشاف القناع: (3/378)، مطالب أولي النهى: (3/319).
[12] انظر: المغني: (7/105)، تبيين الحقائق: (4/170)، شرح فتح القدير: (7/170)، التاج والإكليل: (7/60)، الوفاة وأثرها في الأحكام الشرعية: (2/655).
[13] انظر: مجموع الفتاوى: (29/556).
[14] انظر: مجموع الفتاوى: (29/556)، الوفاة وأثرها في الأحكام الشرعية: (2/655)، حاشية الروض المربع: (5/113).
[15] انظر: المغني: (7/97)، درر الحكام: (1/806).