الرئيسة   مسائل علمية   ضمان التالف في الفقه

ضمان التالف في الفقه

 التالف في الفقه.jpg
قوله: (ومن أتلف لغيره مالاً محترمًا أو فتح بابًا أو حلَّ وِكاءً أو رباطًا، فذهب ما فيه ضمنه...) إلى آخره[1].

قال في ((الإفصاح)): ((واختلفوا فيما إذا فتح القفص عن الطائر فطار، أو حلَّ عقال البعير فشرد:
فقال أبو حنيفة[2]: لا ضمان عليه على كل وجه.

وقال مالك[3] وأحمد[4]: عليه الضمان سواء خرج عقيبه أو متراخيًا.

وعن الشافعي قولان: في القديم[5]: لا ضمان عليه مطلقًا، وفي الجديد[6]: إن طار عقيب الفتح وجب الضمان، وإن وقف ثم طار لم يضمن))[7].

وقال ابن رشد: ((واختلف العلماء في القضاء فيما أفسدته المواشي والدواب على أربعة أقوال:
أحدها: أن كل دابة مرسلة فصاحبها ضامن لما أفسدته.

والثاني: أن لا ضمان عليه.

والثالث: أن الضمان على أرباب البهائم بالليل ولا ضمان عليهم فيما أفسدت بالنهار.

والرابع: وجوب الضمان في غير المنفلت ولا ضمان في المنفلت.

وممن قال: يضمن بالليل ولا يضمن بالنهار، مالك[8] والشافعي[9]، وبأن لا ضمان عليهم أصلاً قال أبو حنيفة[10] وأصحابه، وبالضمان بإطلاق قال الليث، إلا أن الليث قال: لا يضمن أكثر من قيمة الماشية، والقول الرابع مروي عن عُمر رضي الله عنه.

فعُمدة مالك والشافعي في هذا الباب شيئان:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ﴾ [الأنبياء: 78]، والنفش عند أهل اللغة لا يكون إلا بالليل، وهذا الاحتجاج على مذهب من يرى أنَّا مخاطبون بشرع من قبلنا.

والثاني: مرسلة عن ابن شهاب: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ على أهل الحوائط بالنهار حفظها، وأن ما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها، أي: مضمون[11].

وعُمدة أبي حنيفة: قوله عليه الصلاة والسلام: (العَجْماء جَرْحُها جبارٌ)[12]، وقال الطحاوي: وتحقيق مذهب أبي حنيفة[13] أنه لا يضمن إذا أرسلها محفوظة، فأما إذا لم يرسلها محفوظة فيضمن، والمالكية[14] تقول: من شرط قولنا أن تكون الغنم في المسرح، وأما إذا كانت في أرض مزرعة لا مسرح فيها فهم يضمنون ليلاً ونهارًا.

وعُمدة مَن رأى الضمان فيما أفسدت ليلاً ونهارًا: شهادة الأصول له، وذلك أنه تعدّ من المرسل، والأصول على أن على المتعدي الضمان.

ووجه من فرق بين المنفلت وغير المنفلت بيِّن، فإن المنفلت لا يملك، فسبب الخلاف في هذا الباب: مُعارضة الأصل للسمع ومعارضة السماع بعضه لبعض، أعني أن الأصل يعارض (جرح العَجْماء جُبَار) ويعارض أيضًا التفرقة التي في حديث البراء، وكذلك التفرقة التي في حديث البراء تعارض أيضًا قوله: (جَرح العَجْماء جُبار)[15].

ومن مسائل هذا الباب المشهورة: اختلافهم في الجمل الصؤول وما أشبهه يخاف الرجل على نفسه فيقتله هل يجب عليه غرمه أم لا؟ فقال مالك[16] والشافعي[17]: لا غرم عليه إذا بان بأنه خافه على نفسه، وقال أبو حنيفة[18] والثوري: يضمن قيمته على كل حال.

وعمدة من لم يَرَ الضمان: القياس على مَن قَصَدَ رجلاً فأراد قتله، فدافع المقصود عن نفسه فقتل في المدافعة القاصد المتعدي أنه ليس عليه قود، وإذا كان ذلك في النفس كان في المال أحرى؛ لأن النفس أعظم حرمة من المال، وقياسًا أيضًا على إهدار دم الصيد الحَرمي إذا صال، وبه تمسك حذاق أصحاب الشافعي.

وعُمدة أبي حنيفة: أن الأموال تضمن بالضرورة إليها أصله المضطر إلى طعام الغير، ولا حرمة للبعير من جهة ما هو ذو نفس.

ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب: من غصب أسطوانة فبنى عليها بناءً يساوي قائمًا أضعاف قيمة الأسطوانة، فقال مالك[19] والشافعي[20]: يحكم على الغاصب بالهدم ويأخذ المغصوب منه أسطوانته.

وقال أبو حنيفة[21]: تفوت بالقيمة كقول مالك[22] في من غيَّر المغصوب بصناعة لها قيمة كثيرة. وعند الشافعي[23]: لا يفوت المغصوب شيء من الزيادة))[24].

وقال الشيخ ابن سعدي:
((سؤال: ما هي الأشياء التي تضمن فيها النفوس والأموال؟
الجواب: الأسباب التي تضمن بها النفوس والأموال ثلاثة: يد متعدية، ومباشرة إتلاف بغير حق، وتسبب لذلك عدوانًا، أما اليد المتعدية فضابطها: كل من وضع يده على مال غيره ظلمًا ابتداء أو كان عنده أمانة فانتهت ووجب عليه الرد، فذهب الشافعي[25] وحده إلى أنه إذا تلفت ضمنها صاحب اليد، ويدخل في هذا الغاصب على اختلاف أنواعه، ومن كانت عنده أمانة فيطلبها صاحبها فامتنع من غير عذر أو انتقلت إلى غيره وسلكت عليها فهذه الصور تضمن فيها العين وتضمن إجارتها بالتفويت سواء استوفاها الظالم أو تركها من غير استيفاء.

وأما المباشرة: فمن أتلف نفسًا محترمة أو مالاً بغير حق عمدًا أو سهوًا أو جهلاً فإنه ضامن بخلاف الإتلاف بحق.

وأما السبب: فمن فعل ما ليس له فعله في ملك غيره أو في الطريق أو تسبب للإتلاف بفعل غير مأذون فيه فتلف بسبب فعله شيءٌ نفسٌ أو مالٌ ضمنه، لكن لو اجتمع المباشر والمتسبب كان الضمان على المباشر، فإن تعذر تضمينه ضمن المتسبب.

ويدخل في السبب ما استثناه الفقهاء - يرحمهم الله - من إتلافات البهائم؛ فإن الأصل في إتلاف البهائم أنه لا شيء فيه، كما نص النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأصل في قوله: (والعَجْمَاءُ جُبَارٌ)، أي هدر.

واستثنوا من هذا العموم مسائل ترجع إلى تفريط صاحبها وعدوانه كالإتلافات الواقعة في الليل كما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل، وكما إذا كان معها متصرف قادر عليها من راكب وسائر وقائد، وكمن أخرج البهيمة الصائلة أو كان يُرسلها نهارًا بقرب ما تتلفه، والله أعلم))[26].

وقال البخاري: ((باب: المعدن جُبَار والبئر جُبَار، وذكر حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العَجْماء جرحها جُبَار، والبئر جُبَار، والمعدن جُبَار، وفي الركاز الخمس)))[27].

قال الحافظ: ((قوله: (جُبَار) هو الهدر الذي لا شيء فيه، كذا أسنده ابن وهب، عن ابن شهاب، وعن مالك: (ما لا دية فيه)[28]، أخرجه الترمذي[29] وقال: فسَّر بعضُ أهل العلم: قالوا: العَجْماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها.

وقال أبو داود بعد تخريجه: العجماء التي تكون منفلتة لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنهار ولا تكون بالليل[30].

قوله: (والبئر جُبار)، قال أبو عُبيد: المراد بالبئر هنا: العاديَّة القديمة التي لا يُعلم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، وكذلك لو حفر بئرًا في ملكه أو في موات فوقع فيها إنسان أو غيره فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبُّبٌ إلى ذلك ولا تغرير، وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان، وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفَّارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور.

قوله: (والمعدن جُبار)، والحكم فيه ما تقدم في البئر فلو حفر معدنًا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدَمُه هَدر، وكذا لو استأجر أجيرًا يعمل له فانهار عليه فمات، ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل كمَن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات))[31] انتهى مُلخَّصًا.

وقال البخاري أيضًا: ((باب: العَجْمَاءُ جُبَار.

وقال ابن سيرين: كانوا لا يُضَمِّنُون من النفحة، ويُضَمِّنُون من رَدِّ العِنَانِ، وقال حَمَّادٌ: لا تُضْمَنُ النَّفحَة إلا أن يَنخُس إنسان الدَّابَّة.

وقال شُرَيحٌ: لا تُضْمَنُ ما عاقبتْ أن يَضرِبَها فَتَضرِب برجلها.

وقال الحَكَم وحَمَّاد: إذا ساق المُكَارِي حمارًا عليه امرأة فتَخِرُّ، لا شيء عليه.

وقال الشَّعبيُّ: إذا ساق دابَّة فأَتْعَبَها فهو ضامن لما أصابتْ، وإن كان خلفها مُتَرَسِّلاً لم يَضمن.

وذكر البخاري حديث أبي هريرة بلفظ: (العجماء عَقلُهَا جُبَار)[32])).

قال الحافظ: ((قوله: (باب العجماءُ جُبارٌ)، أفردها بترجمة لما فيها من التفاريع الزائدة.

قوله: (وقال ابن سيرين: كانوا لا يضمِّنون من النفحة)، أي: الضربة بالرِّجل (ويضمنون من ردّ العنان)، والمعنى: أن الدابة إذا كانت مركوبة، فلفت الراكب عنانها، فأصابت برجلها شيئًا ضمنه الراكب وإذا ضربت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبب لم يضمن.

قال ابن بطَّال: فرق الحنفية[33] فيما أصابت الدابة بيدها أو رجلها فقالوا: لا يضمن ما أصابت برجلها وذنبها ولو كانت بسبب ويضمن ما أصابت بيدها وفمها، فأشار البخاري إلى الرد بما نقله عن أئمة أهل الكوفة مما يخالف ذلك.

قال الحافظ: واستدل بالحديث على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع وغيرها في الليل والنهار، وهو قول الحنفية[34] والظاهرية[35].

وقال الجمهور[36]: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارًا وأما بالليل فإن عليه حفظها، فإذا انفلتت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت، ودليل هذا التخصيص حديث البراء[37]))[38] انتهى مُلخصًا.

[1] الروض المربع ص318.
[2] بدائع الصنائع 7/ 166، وحاشية ابن عابدين 6/ 226.
[3] المدونة 6/ 179، والشرح الصغير 2/ 211.
[4] شرح منتهى الإرادات 4/ 172، وكشاف القناع 9/ 303.
[5] تحفة المحتاج 6/ 12- 13، ونهاية المحتاج 5/ 154- 155.
[6] تحفة المحتاج 6/ 12- 13، ونهاية المحتاج 5/ 154- 155.
[7] الإفصاح 2/ 265- 266.
[8] الشرح الصغير 2/ 441، وحاشية الدسوقي 4/ 357- 358.
[9] تحفة المحتاج 9/ 206- 207، ونهاية المحتاج 8/ 42.
[10] فتح القدير 8/ 351، وحاشية ابن عابدين 6/ 648.
[11] أخرجه مالك 2/ 747- 748، ومن طريقه الشافعي في مسنده ترتيبه 2/ 107، وأحمد 5/ 435، والطحاوي 3/ 203، والدارقطني 3/ 156، والبيهقي 8/ 279 و341، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، به، مرسلاً.
وأخرجه أبو داود 3569، والنسائي في الكبرى 3/ 411 5784، وأحمد 5/ 436، وابن حبان 13/ 354 6008، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه، به.
قال الشافعي في اختلاف الحديث 8/ 566: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله.
انظر: التلخيص الحبير 4/ 86- 87.
[12] أخرجه البخاري 6912، ومسلم 1710، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[13] فتح القدير 8/ 351، وحاشية ابن عابدين 6/ 648.
[14] الشرح الصغير 2/ 441، وحاشية الدسوقي 4/ 357- 358.
[15] أخرجه البخاري 6912، ومسلم 1710، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[16] شرح منح الجليل 4/ 561، وحاشية الدسوقي 4/ 357.
[17] الأم 6/ 191.
[18] فتح القدير 2/ 270- 271، وحاشية ابن عابدين 2/ 607.
[19] الشرح الصغير 2/ 214، وحاشية الدسوقي 3/ 448.
[20] تحفة المحتاج 6/ 48، ونهاية المحتاج 5/ 189.
[21] فتح القدير 7/ 375، وحاشية ابن عابدين 6/ 202- 203.
[22] الشرح الصغير 2/ 212- 213، وحاشية الدسوقي 3/ 446.
[23] تحفة المحتاج 6/ 41- 42، ونهاية المحتاج 5/ 182- 183.
[24] بداية المجتهد 2/ 298- 299 بتصرف.
[25] تحفة المحتاج 5/ 436، ونهاية المحتاج 5/ 142.
[26] الإرشاد ص516- 517.
[27] البخاري 6912، ومسلم 1710.
[28] أخرجه مالك 2/ 869.
[29] 1377.
[30] أبو داود 4593.
[31] فتح الباري 12/ 255- 256.
[32] البخاري 6913.
[33] فتح القدير 8/ 344 و345، وحاشية ابن عابدين 6/ 643.
[34] فتح القدير 8/ 351، وحاشية ابن عابدين 6/ 648.
[35] المحلى 8/ 146.
[36] الشرح الصغير 2/ 441، وحاشية الدسوقي 4/ 357- 358، وتحفة المحتاج 9/ 206- 207، ونهاية المحتاج 8/ 42، وشرح منتهى الإرادات 4/ 184، وكشاف القناع 9/ 325- 328.
[37] تقدم تخريجه 5/ 183.
[38] فتح الباري 12/ 256- 258.