الرئيسة   مسائل علمية   مقاصد الأوقاف الشرعية

مقاصد الأوقاف الشرعية

 الأوقاف الشرعية.jpg
للوقف مقاصد شرعية مقررة ومعلومة وثابتة بنصوص الشرع أو استنباط العلماء واستقراء المجتهدين، وبيان هذه المقاصد مفيد جداً من جهة تحقيق المعرفة الدقيقة بأحكام الوقف ومدلولاتها وأغراضها التي أراد الشارع من التشريع الوقفي، كما أن بيان هذه المقاصد الشرعية المعتبرة الصحيحة يعين كثيراً في عملية الاجتهاد الفقهي المعاصر في قضايا الوقف[1].

وهنا بيان مختصر للمقاصد:
تنقسم المقاصد الكلية الشرعية باعتبار أهميتها وآثارها في قوام أمر أمة الإسلامي وتنميتها إلى ثلاثة مراتب:
المرتبة الأولى: الضروريات:
وهي ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد، وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين"[2].

ولتحديد هذه الضروريات نجد قول الغزالي: "ومقصود الشرع من الخلق هو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم... وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضروريات، فهو أقوى المراتب في المصالح"[3]

المرتبة الثانية: الحاجيات:
هي المصالح التي يحتاج إليها الناس للتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم[4].

المرتبة الثالثة: التحسينيات:
هي "ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات"[5]

وهذه المراتب مترابطة فهي تحفظ المصالح العليا وتحقق المقاصد الشرعية في جميع نواحي الحياة، وجاءت الأحكام الشرعية لحفظها بدءاً بحفظ الضروريات، ويراد بحفظ الضروريات: إيجادها وصيانتها في حدها الأدنى الذي لا تقوم ولا تدوم إلا به، أما التوسع بما يزيد على الحد الأدنى الضروري، فذلك يدخل فيما سماه العلماء بالحاجيات والتحسينيات[6]

وتحقق من خلال الوقف للمجتمع الإسلامي المقاصد الشرعية الكلية الثلاثة: الضرورية، والحاجية، والتحسينية في مختلف الأزمنة والأمكنة على مستوى العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ولجميع طبقات أفراد المجتمع، وهذا الشمول في المقاصد قد لا يتوافر في قربة أخرى[7].

ويجب أولاً تحقيق الضروريات في حدها الأدنى لتستقيم للناس أمورهم الدينية والدنيوية، فإذا تحققت الضروريات انتقلت أولويّة العمل إلى تحقيق الحاجيات، ففقد الناس للحاجيات ينشأ عنه ضيق وحرج ونكد، ومن شأن الاستمرار في فقدها واختلالها إلحاق الضرر بالضروريات نفسها، ومن هنا كان حفظ الضروريات مقتضياً حفظ الحاجيات، ثم يأتي بعد تحقيق الضروريات والحاجيات كل مصلحة وكل منفعة لا تصل إلى حد الضرورة أو الحاجة، ولكن فيها نوع إفادة للناس في أي جانب من جوانب حياتهم الدينية والدنيوية، وتحصيلها يضفي على الحياة كمالاً وجمالاً وسمواً[8]

ويكون حفظ الضروريات بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها من جانب الوجود.
ثانيهما: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك من جانب العدم[9]

وهذا بيان مختصر عن كل ضرورة من الضرورات من جهتي الوجود والعدم.
أولاً: حفظ الدين:
ويعد من أكبر الكليات الخمس وأرقاها وقد شرع الله ما يحقق حفظ الدين من جانب الوجود، وما يحقق حفظ الدين من جانب العدم[10].

الأدلة الشرعية في حفظ الدين من جهة الوجود:
فأول ما يجب حفظه من الدين الإيمان بالله، وأسمائه وصفاته، والتصديق بنبيه محمد، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً ﴾ [النساء:136]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: من الآية36]، وبعد أن يستقر الإيمان بالله ورسوله في القلب يتوجب حفظ شعائر الإسلام وعباداته المفروضة، وأن تكون أفعال المكلف جميعها عبادة الله تعالى، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام:162، 163]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان"[11]

ومما يحفظ به الدين التمسك الحقيقي به والدعوة إليه، قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ [النحل: من الآية125]، وقال تعالى في بيان أهمية الدعوة إليه سبحانه: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت:33]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصحية، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"[12]، قال الخطابي في شرح الحديث: "معنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتابه: الإيمان به، والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به، ونهى عنه، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم"[13].

الأدلة الشرعية في حفظ الدين من جهة العدم:
الترهيب والتحذير مما يسلب الإنسان دينه من أقوال وأفعال تناقض أصل الإيمان بالله ورسوله، فمما ورد في ذلك لحفظ الدين التحذير من الشرك بالله الذي يؤدي إلى سلب الإيمان من الإنسان كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾ [النساء:48]، وقال سبحانه: ﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ﴾ [الإسراء:22]، ومما ورد ذلك من الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: "أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خَلَقَك"[14].

ومن أجل حفظ الدين شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة:190]، وقال سبحانه: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ [الحج: من الآية78]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله"[15].

وما حثت عليه الشريعة لحفظ الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: من الآية110]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"[16]

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم من الحقوق الواجبة لمن رغب في الجلوس في الطرقات: "والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر"[17]، وكل هذا من أجل التواصي على حفظ الدين.

ومما حثت عليه الشريعة لحفظ الدين هو الترهيب الشديد من البدع؛ لأن في ذلك مضادة لأمر الله باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم وتحريفاً للدين القويم الذي جاء به، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران:132]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ [الأحزاب:21]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رَدٌّ"[18]، قال ابن رجب: "إن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جارياً تحت أحكام الشرع موافقاً لها، فهو مقبول، ومن كان خارجاً عن ذلك، فهو مردود"[19].

ومن أجل تمام المحافظة على الدين واستقامة أمره جاء النهي الصريح عن التعامل مع كل من يكون فعله مضاداً للتوحيد كالسحرة، قال تعالى في التحذير من شرورهم: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: من الآية102]، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الموبقات – المهلكات – التي تهلك دين الإنسان فجعل أولاها الشرك بالله وثانيها السحر[20].

ثانياً: حفظ النفس:
المقصود به: حفظ الأرواح من التلف أفراداً وعموماً؛ لأن العالم مركب من أفراد الإنسان، وفي كل نفس خصائصها التي بها بعض قوام العالم[21].

الأدلة الشرعية في حفظ النفس من جهة الوجود:
وحفظ النفس يكون من جهتين:
الصحة البدنية:
جعل من واجب الزوج الإنفاق على زوجه الحامل ولو كانت طالقاً لما في ذلك من حفظ نفسها وحفظ نفس جنينها، وبعد الطلاق يرشد الله سبحانه الأبوين بإرضاع الولد والإنفاق عليه حتى لا يكون الخلاف بينهما سبباً في تلف نفس المولود، حتى إذا اضطروا إلى استئجار من يرضع له، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾ [الطلاق: من الآية6].

ونهى من يصوم الدهر فقال صلى الله عليه وسلم: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"[22]، وجعل ذلك مما يخالف سنته صلى الله عليه وسلم، وهديه القويم، ومقابل ذلك أن على الإنسان أن يعتني بطعامه وشرابه لتقوى نفسه للقيام بما أوجب الله عليه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن الله طيِّبٌ لا قبل إلا طيِّباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون:51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: من الآية172][23]

والصحة النفسية:
فجعل سبحانه من فوائد الزواج حصول سكون المرء بزوجه وتحصيل حاجته النفسية من الزواج بحصول المودة والرحمة بين الزوجين، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم:21].

ومن أجل صحة نفسية أفضل علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الإكثار من الاستعاذة بالله مما يقلق الإنسان من ماضيه ومستقبله، ومن كل ما يعكر عليه صفو حياته، قال أنس بن مالك: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل، والجُبْن، وضلْع الدَّيْن، وغَلَبَة الرجال"[24].

وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا طِيَرَة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة"[25].

الأدلة الشرعية في حفظ النفس من جهة العدم:
النهي عن قتل النفس، قال تعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [النساء: من الآية29]، قال القرطبي: "وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال أن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناول النهي"[26].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن قتلَ نفسه بشيء، عذَّبه الله به في نار جهنم"[27].

وكذلك تحريم الاعتداء بالقتل على نفوس الآخرين، قال تعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: من الآية151]، وجعل سبحانه وتعالى شديد العقاب على من أقدم على قتل النفس بغير حق، فقال سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ [النساء:93].

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات المهلكات لدين الإنسان: قتل النفس المعصومة بغير حق، فقال صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسِّحْر، وقَتْل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق"[28]

ومن أجل الحفاظ على نفس من التلف في حال المخمصة والجوع أباح الله للمضطر أن يأكل مما حرم عليه ليحفظ به نفسه من الهلاك، قال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الأنعام: من الآية119]، قال ابن كثير: "أي: إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم"[29]، قال ابن عاشور: "أي إلا الذي اضطُررتم إليه، فإن المحرّمات أنواع استثني منها ما يضطّر إليه من أفرادها فيصير حلالاً"[30].

وفي حديث جابر عن سرية الخبط: "قال أبو عبيدة مَيْتَةٌ ثم قال لا بل نحن رُسُل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكُلُوا"[31]، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وفي الحديث دليل على استباحة المحظورات لحفظ الضرورات، فعندما كاد أن يهلك الصحابة من الجوع أرسل الله لهم هذه الدابة، واجتهد أبو عبيدة ومن معه من الصحابة للأكل منها للحفاظ على أنفسهم من الهلاك.

ثالثاً: حفظ العقل:
بالمحافظة عليه عما يضره في مادته وجوهره، وما يذهب بوظيفته جزئياً أو كلياً، وتنميته لاستخدامه فيما ينفع الإنسان في دينه ودنياه.

قال ابن عاشور: "إن معنى حفظ العقل حفظ عقول الناس من أن يدخل عليها خلل؛ لأن دخول الخلل على العقل مؤد إلى فساد عظيم من عدم انضباط التصرف"[32].

وقد ميز الله الإنسان بالعقل وجعله مدار التكليف، ودليلاً تابعاً لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

الأدلة الشرعية في حفظ العقل من جهة الوجود:
فقد جعل الله لمن حفظ عقله وزكاه بالعلم منزلة فوق منزلة من لم يرفع نفسه بالعلم، قال الله تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: من الآية11]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: من الآية9]، ولأن مادة العقل وغذاه إنما يكون بالعلم وخاصة العلم الشرعي الذي يقرب الإنسان من ربه لذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم على الإنسان هو التفقه في الدين فقال صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"[33]، قال ابن بطال: "فيه فضل العلماء على سائر الناس، وفيه فضل الفقه في الدين على سائر العلوم، وإنما ثبت فضله؛ لأنه يقود إلى خشية الله، والتزام طاعته، وتجنب معاصيه"[34]

الأدلة الشرعية في حفظ العقل من جهة العدم:
فقد حرمت الشريعة كل ما يكون سبباً في تعطيل العقل عن قيامه بما خلق له لتحقيق ذكر الله وطاعته وحسن عبادته، قال تعالى عن تحريم الخمر الذي يعد من أسباب إفساد العقل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة:90]، قال السعدي: "فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، خصوصاً إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل لهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضاً بقوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: من الآية91]؛ لأن العاقل – إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد – انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ"[35].

قال الزحيلي: "فالعقل الذي يهبه الله تعالى للإنسان، أباح الله سبحانه كل ما يكفل سلامته وتنميته بالعلم والمعرفة، وحرم كل ما يفسده ويضعف قوته كشرب المسكرات وتناول المخدرات وأوجب العقوبة الزاجرة على من يتناول شيئاً منا فيضمن بذلك حفظ العقل مناط التكليف"[36].

رابعاً: حفظ النسل:
الحفاظ على التناسل والتوالد الذي هو أساس استمرار الحياة، وبقاء النوع الإنساني[37].

الأدلة الشرعية في حفظ النسل من جهة الوجود:
لأن الزواج هو السبيل الشرعي السليم للمحافظة على النسل والتكاثر بين أفراد المجتمع المسلم فقد حث الشارع الحكيم على الزواج والتعداد فيه في مثل قوله تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: من الآية3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج"[38]، وإن كان الحديث قد حث على الزواج من أجل حفظ البصر وإحصان الفرج وهي من المقاصد التبعية فتحقيق المقصد الأصلي وهو المحافظة على النسل من باب أولى.

وكذلك أوجبت الشريعة النفقة على الوالد من أجل المحافظة على النسل، قال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: من الآية233]، قال القرطبي: "وهذه الآية دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لعجزه وضعفه، كما أجمع العلماء أن على المرء نفقة ولده الذي لا مال له"[39].

الأدلة الشرعية في حفظ النسل من جهة العدم:
فقد حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كل السبل المفضية إلى ضياع النسل، وإلى كل ما فيه استخدام لتلك الفطرة في غير المكان الذي خلق من أجله.

قال تعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾ [الإسراء:32]، قال ابن عاشور: "عطف هذا النهي على النهي عن وأد البنات إيماءً إلى أنهم كانوا يعدون من أعذارهم في وأد البنات الخشية من العار الذي قد يلحق من جراء إهمال البناء الناشئ عن الفقر الرامي بهن في مهاوي العهر، ولأن في الزنى إضاعة نسب النسل بحيث لا يعرف للنسل مرجع يأوي إليه وهو يشبه الوأد في الإضاعة"[40]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذَّاب، وعائل مستكبِر"[41].

قال ابن القيم: "لما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاف الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا هلاك الحرث والنسل فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة"[42]

وحرمت الشريعة اللواط، والقذف، لما فيهما من جناية عظيمة على النسل.

خامساً: حفظ المال:
بالمحافظة عليه من الإتلاف[43]، ومنع استخدامه فيما يضر، وتنميته بالطرق الشرعية.

ينظر الإسلام إلى المال على أنه وسيلة لتحقيق مقاصد شرعية ودنيوية وأخروية، فردية واجتماعية، فلا يستطيع المرء أن يحافظ على حياته المادية إلا بالمال، فبه يأكل وبه يشرب، وبه يلبس، وبه يبني مسكنه، وبه يصنع سلاحه الذي يدافع به عن نفسه وحرماته، وبه يطور نفسه ويرقيها[44].

الأدلة الشرعية في حفظ المال من جهة الوجود:
فأباح الله تداول المال بالسبل المشروعة حين أباح البيع ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾ [البقرة: من الآية275]، ومدح الشارع الحكيم الضرب في الأرض للتجارة وسماه ابتغاء مرضاة الله، فقال سبحانه: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: من الآية10].

وحثت الشريعة الكريمة على العمل وتحصيل المال من الطرق المشروعة ومنها كسب اليد، قال صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعاماً قط، خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"[45].

الأدلة الشرعية في حفظ المال من جهة العدم:
في تحريم الربا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة:278]، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤْكله، وكاتبه، وشاهديه"[46]

كذلك حرم الشارع الحكيم أكل أموال الناس بالباطل كقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: من الآية188]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"[47].

وشرع الإسلام قطع يد السارق لحماية أموال من أن يعتدي عليها المجرمون.

ولأهمية المحافظة على المال جاء الأمر بالتوسط في التعامل معه كما قال تعالى: ﴿ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء: من الآية29]، كما قال: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ [الفرقان:67]، ففيهما الأمر بالكف عن الإمساك المذموم، والإسراف والتبذير كل ذلك من أجل المحافظة على المال من الضياع أو حبسه عن أن يقوم بدوره في تحقيق مقاصد الشريعة منه.

[1] الوقف العالمي، د. نور الدين الخادمي ص 12.
[2] الموافقات للشاطبي 2/ 4.
[3] المستصفى 1/ 287.
[4] مباحث في المقاصد والاجتهاد والتعارض والترجيح ص 34.
[5] المستصفى 1/ 390.
[6] مدخل إلى مقاصد الشريعة ص 66.
[7] مفهوم الوقف ومقاصده ص679، د. عبد الوهاب أبو سليمان، ضمن بحوث ندوة المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية، وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض 421هـ.
[8] مدخل إلى مقاصد الشريعة 67 – 72 (بتصرف).
[9] الموافقات ص 1/ 7.
[10] مباحث في المقاصد والاجتهاد والتعارض والترجيح ص43.
[11] أخرجه البخاري فلي صحيحه ح (8)، ومسلم في صحيحه ح (19).
[12] أخرجه مسلم في صحيحه ح (95).
[13] معالم السنن 4/ 125.
[14] أخرجه البخاري في صحيحه ح (4477)، ومسلم في صحيحه ح (141).
[15] أخرجه البخاري في صحيحه ح (25)، ومسلم في صحيحه ح (36).
[16] أخرجه مسلم في صحيحه ح (78).
[17] أخرجه البخاري في صحيحه ح (2465)، ومسلم في صحيحه ح (2121).
[18] أخرجه البخاري في صحيحه ح (2697)، ومسلم في صحيحه ح (1718).
[19] جامع العلوم والحكم.
[20] أخرجه البخاري في صحيحه ح (2766)، ومسلم في صحيحه ح (145).
[21] أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية ص 225.
[22] أخرجه البخاري في صحيحه ح (5063).
[23] أخرجه مسلم في صحيحه ح (1015).
[24] أخرجه البخاري في صحيحه ح (6363).
[25] أخرجه مسلم في صحيحه ح (5765)، ومسلم في صحيحه ح (2224).
[26] الجامع لأحكام القرآن 5/ 328.
[27] أخرجه البخاري في صحيحه ح (6653)، ومسلم في صحيحه ح (177).
[28] أخرجه البخاري في صحيحه ح (2766)، ومسلم في صحيحه ح (593).
[29] تفسير القرآن العظيم 2/ 145).
[30] التحرير والتنوير 8/ 33.
[31] أخرجه مسلم في صحيحه ح (4998).
[32] مقاصد الشريعة ص 80.
[33] شرح صحيح البخاري 1/ 154.
[34] أخرجه البخاري في صحيحه ح (71)، ومسلم في صحيحه ح (1037).
[35] تيسير الكريم المنان ص 243.
[36] أصول الفقه الإسلامي 2/ 1021.
[37] مباحث في المقاصد والاجتهاد والتعارض والترجيح ص 45.
[38] أخرجه البخاري في صحيحه ح (5065)، ومسلم في صحيحه ح (1400).
[39] الجامع لأحكام القرآن 3/ 163.
[40] مباحث في المقاصد والاجتهاد والتعارض والترجيح ص 45.
[41] أخرجه مسلم في صحيحه ح (107).
[42] إعلام الموقعين 2/ 82.
[43] مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 80.
[44] مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال ص 10.
[45] أخرجه البخاري في صحيحه ح (2072).
[46] أخرجه مسلم في صحيحه ح (1597).
[47] أخرجه البخاري في صحيحه ح (67)، ومسلم في صحيحه ح (1218).