الرئيسة   مسائل علمية   اشتراط ضمان رأس المال على المدير

اشتراط ضمان رأس المال على المدير

 ضمان رأس المال على المدير.jpg
الفرع الأول: صورة المسألة:

من المعلوم أن الأصل في عقد الاستثمار سواء أكان مضاربة أم وكالة بأجر أن خسارة المال أو نقصانه على رب المال، وأن العامل لا يضمن إلا في حال تعديه أو تفريطه، ولكن هل يجوز تضمين العامل ذلك بالشرط؟، أي إذا تضمن عقد المضاربة أو الوكالة بأجر شرطاً بأن يكون ضمان العامل لرأس المال ضماناً مطلقاً غير مقيد بحال التعدي أو التفريط، فهل هذا شرط صحيح أم باطل؟.

الفرع الثاني: حكمها الشرعي:

لا أعلم خلافاً بين الفقهاء المتقدمين على أن اشتراط الضمان على العامل في عقد المضاربة أو الوكالة بأجر شرط باطل[1].

وقد نص على ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة في دورته الرابعة، وفيه: " لا يجوز أن تشمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمناً بطل شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل"[2].

ومن الأدلة على ذلك:

1 أن اشتراط ضمان رأس المال على المضارب يفَرّغ عقد القراض من مضمونه ويحوله إلى قرض؛ ذلك أن الفرق بين القرض والقراض أن المال في الأول مضمون وفي الثاني غير مضمون، فإذا كان رب المال شريكاً في الربح فهو قرض جر نفعاً فيكون ربا[3].

2 ولأن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد فيحكم ببطلانه. قال ابن قدامة: " القسم الثالث –أي من الشروط الفاسدة-: اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه، مثل أن يشترط على المضارب ضمان المال أو سهماً من الوضيعة"[4]. وقال القاضي عبد الوهاب البغدادي: " لأن أصل القراض موضوع على الأمانة، فإذا شرط فيه الضمان فذلك خلاف موجب أصله، والعقد إذا ضامه شرط يخالف موجب أصله وجب بطلانه"[5].

وذهب بعض العلماء المعاصرين[6] إلى صحة تضمين العامل بالشرط معللاً ذلك: " بأنه ليس في الأدلة الشرعية ما يمنع من جواز هذا الاشتراط وأن القول بصحته لا يقتضي مخالفة لقاعدة من قواعد الشرع المتفق عليها، ولا وقوعاً في محظور من ربا أو قمار أو بيع غرر، ولا جلباً لمفسدة راجحة"[7].

وهذا القول –في نظري- وجيه وله قوة، لولا ما فيه من مخالفة ما عليه عامة الفقهاء بل يكاد يكون إجماعاً منهم، وما فيه من شبهة الربا، فإنا إذا قلنا بأن المال في المضاربة يمكن أن يكون مضموناً على العامل وقد أذن له باستعماله لم يعد ثمة فرق بين القرض والمضاربة بشرط الضمان إلا في الاسم، وهذا خلاف القاعدة الشرعية المقررة من أن العبرة في العقود بمقاصدها وحقائقها لا بألفاظها ومبانيها.

وقد أجاب –حفظه الله- عن هذين الأمرين بما يلي:

1 أما مخالفة ما ذكره الفقهاء فقد نقل عن بعض فقهاء المالكية والشوكاني من المتأخرين القول بجواز تضمين المضارب بالشرط إذا رضي بذلك؛ لأن التراضي هو المناط في تحليل أموال العباد، كما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: "وإذا شرط صاحب البذر – أي في المزارعة- أن يأخذ مثل بذره ويقتسما الباقي، جاز، كالمضاربة"[8].

2 وأما ما فيه من شبهة القرض الربوي، فأجاب عنها بأن بينهما فرقاًَ جوهرياً من حيث كون الزيادة على رأس المال في القرض الربوي محققة مضمونة في ذمة المقترض.. بينما القراض مع تضمين المضارب رأس المال بالشرط لا يترتب عليه زيادة محققة مضمونة على رأس المال في ذمة المضارب بحال، بل قد يترتب عليه زيادة محتملة في الربح لا في ذمة المضارب إذ الأمر لا يخلو إما أن يخسر المضارب في استثماره لرأس المال، أو أن لا يحقق ربحاً ولا خسارة، وفي كلتا الحالتين لا يستحق رب المال أي زيادة على رأس المال، وإما أن يربح المضارب ففي هذه الحال فقط يستجق رب المال نصيبه في الربح الحاصل لا في ذمة المضارب[9].

ويمكن أن يجاب عن هذين الأمرين بما يلي:

1- أما ما ذكره الشوكاني وبعض فقهاء المالكية فهو محتمل؛ إذ من المحتمل أن يكون التزام المضارب بالضمان على سبيل التبرع منه عند التصفية، أو في أصل العقد من غير أن يكون ذلك شرطاً، بحيث إذا أخل بهذا الالتزام لا يتمكن رب المال من مقاضاته؛ لأنهم علقوا القول به بعدم مخالفته للشرع، وإلزام المضارب بالضمان يترتب عليه محظور شرعي كما سبق.

وأما ما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية فليس فيه ما يدل على جواز أن يضمن العامل البذر لصاحب البذر ولا أن يضمن رأس المال لرب المال، وإنما مراده أنه يجوز في المزارعة أن يتفق صاحب البذر مع العامل على ألا يقتسما الثمرة حتى يرجع لصاحب البذر أصل ماله وهو مثل البذر التي دفعها، فلو لم يرجع له مثل بذره بسبب تلف المحصول فلا يضمنه العامل. وما ذكره –رحمه الله- خلاف المعهود في المزارعة من أن صاحب البذر والعامل يتقاسمان الغلة حين ظهورها ولو لم يسلم لصاحب البذر قيمة بذره، فبين رحمه الله جواز ذلك قياساً على المضاربة التي لا يحكم بظهور الربح فيها إلا بعد سلامة رأس المال.

2- وأما الجواب عن شبهة القرض الربوي فمحل نظر؛ لأن رب المال سيستفيد هد العامل وعمله على كل الحالات، فإذا كان المال مضموناً على العامل فهو قرض جر نفعاً لرب المال وهو عمل العامل سواء حصل ربح أم لم يحصل.

وقد ذكر أهل العلم من صور المنفعة في القرض أن يشترط المقرض على المقترض عملاً أو منفعة، قال ابن عبد البر: " وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلف فهي ربا"[10]. وقال البهوتي: " وشرط ما يجر نفعاً نحو أن يسكنه المقترض داره مجاناً أو رخيصاً .. أو أن يعمل له عملاً أو ينتفع بالرهن أو يساقيه على نخل أو يزارعه على ضيعة"[11].

المراجع

[1] المبسوط 15/84 البهجة شرح التحفة 2/217 الحاوي الكبير 9/113المغني 7/179

[2] مجلة مجمع الفقه الإسلامي 4/3/2163

[3] المنتقى شرح الموطا 7/72

[4] المغني 5/41.

[5] المعونة 2/1122

[6] د. نزيه حماد في بحثه (ضمان الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية بالشرط) ضمن كتاب في فقه المعاملات المالية والمصرفية ص284

[7] ضمان الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية بالشرط ص 285

[8] الأخبار العلميةص219 ونقله عنه كذلك ابن مفلح في الفروع 7/129

[9] ضمان الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية بالشرط ص 279

[10] الكافي في فقه أهل المدينة2/359

[11] كشاف القناع 8/142

[12] - الزرقاني 6 / 150 وما بعدها ، ومغني المحتاج 2 / 291 ، وكشاف القناع 4 / 82 .