الرئيسة   الموجز الفقهي   حكم شهود الجمعة والجماعة للمسافر إذا كان نازلا في بلد

حكم شهود الجمعة والجماعة للمسافر إذا كان نازلا في بلد

فالمسافر هو من أراد قطع المسافة الطويلة التي تعد سفرا عرفا ؛ كثمانين كيل ، وشرع في ذلك بتجاوزه بنيان بلده ، ويبقى مسافرا حتى يرجع إلى بلده ما لم يقطع هذا السفر بإقامة عرفية ، يتحقق فيها سكن المثل ومدته ؛ كأكثر الموظفين والطلبة الذي ينزلون غير بلدهم للعمل والدراسة. ومن عدا ذلك كالحجاج والمعتمرين والسياح والزائرين والمنتدبين فهم مسافرون حتى يعودوا إلى بلدانهم ، وعلى ذلك ظاهر هدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة أصحابه رضي الله عنهم وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم وغيرهما ، وتفصيل ذلك في رسالة على هذا الموقع. وأما شهود المسافر للجمعة ولا الجماعة فغير واجب عليه سواء كان سائرا شاخصا ، أو نازلا في بلد يسمع النداء . وذلك لما روى الطبراني في "المعجم االأوسط" (1/249) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: "ليس على مسافر جمعة" . وقال به جمع من الصحابة ولم يُعرف لهم مخالف ؛ فكان حجة على من بعدهم. ويقال من حيث المعنى : إن الوصف الذي ترخص بسببه المسافر بترك الجمعة هو السفر ؛ فعليه يقال : من بقي في حقه هذا الوصف كان مستحقا للرخصة ؛ إذْ لا فرق في الشريعة بين حال النزول وحال السير في ثبوت ذلك الوصف ، ومن ادعى الفرق فعليه البيان. وهذا الحكم يشمل إنشاءها من جماعة المسافرين ؛ فلا جمعة عليهم ؛ بل لا يُشرع لهم إنشاؤها وحدهم ؛ لترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامتها في سفره ؛ رغم وجود المقتضي وانتفاء المانع ، وكونها قربة تعبدية محضة ، كما يشمل سقوط وجوبها عن المسافر مع جماعة المقيمين في أي مكان وجد . وقد صح عن عمر بن عبد العزيز أنه ترك شهود الجمعة في سفره مع الناس ، وكان في البلد ؛ ففي "المصنف" لابن أبي شيبة (2/14) عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك ، قال : خرج عمر بن عبد العزيز من دبق ، وهو يومئذ أمير المؤمنين ؛ فمر بحلب يوم الجمعة فقال لأميرها : جمِّع فإنا سفر . وهذا قول الجماهير من السلف والخلف ، ولم يُحْكَ خلاف في ذلك عن المتقدمين إلا عن الزهري والنخعي ، ويرى بعض العلماء كابن حجر في "فتح الباري" (2/391) أن ما جاء عن الزهري محتمل للاستحباب . وقال ابن قدامة في "المغني" (4/180) : ( .. وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه كذلك . قاله مالك في أهل المدينة ، والثوري في أهل العراق ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور وروي ذلك عن عطاء ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن ، والشعبي .) .. .. ( وحكي عن الزهري ، والنخعي ، أنها تجب عليه ؛ لأن الجماعة تجب عليه ، فالجمعة أولى ، ولنا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره ، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم جمعة ، فصلى الظهر والعصر ، وجمع بينهما ، ولم يصل جمعة ، والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ، كانوا يسافرون في الحج وغيره ، فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره ، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ) أهـ . وقال الأمير الصنعاني في "سبل السلام" (2/58) : ( .. وقيل: لا تجب عليه ؛ لأنه داخل في لفظ المسافر ، وإليه ذهب جماعة من الآل أيضاً، وهو الأقرب ؛ لأن أحكام السفر باقية له من القصر ونحوه ، ولذا لم ينقل أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع ؛ لأنه كان مسافراً) أهـ . ومما يدل على عدم وجوب شهود الجماعة في المسجد للمسافرين حديث يزيد بن الأسود العامري قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: «علي بهما» ، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا» ، فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» رواه الترمذي في "السنن" (1/424) والنسائي في "السنن" (2/112) وهو صحيح، وقد دل على إقراره لهما على ترك الجماعة في السفر ؛ كما أن فيه جوابا عمن استدل به على إسقاط الجماعة في الحضر ؛ حيث كانا مسافرين. وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود في "السنن" عن عبدالله بن عمرو مرفوعا : "الجمعة على من سمع النداء" وغيره مما يدل على وجوب الجمعة أو الجماعة فهي عامة، وما ورد هنا فهو خاص بالمسافر ، وهو يَرِدُ على قول المخالفين فيمن عبر في سفره قرب بلد يسمع فيه النداء ؛ حيث لا يوجبون عليه شهود الجماعة ؛ فلا يجوز أن يحتجوا به على من قال بالرخصة للنازل ما دام متصفا بوصف السفر ؛ لعدم الفرق بين الحالين ؛ فمن قال بوجوب شهودها للنازل بسبب السفر لزمه القول بوجوبها على العابر . وأما ما استدل به بعض أهل العلم من مشروعية صلاة الخوف جماعة ، وأن ذلك دليلٌ على وجوبها على المسافر في المسجد فالجواب عنه من وجهين : الأول : أن محل النزاع هو شهودها في المسجد ، وأدلة صلاة الخوف لا توصل إلى هذا المطلوب ؛ فغاية ما تدل عليه : وجوبها على المسافر في موضعه ؛ فبطل الاستدلال به على وجوبها في المسجد . الثاني : أن غاية ما يدل عليه شَرْعُ صلاة الخوف هو فضل الجماعة ، وليس فيها ما يدل على وجوبها ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مع قصره لأركان الصلاة في سفره ، وأدائه لها في غير وقتها عند الجمع بين الصلاتين : لم يكن يدع الوتر ، ولا سنة الفجر، ومع ذلك لم تكونا واجبتين ؛ فغاية ما يدل مشروعية صلاة الخوف هو مطلق استحباب الجماعة وتأكيد فضلها ، ولا نزاع في هذا . ولا يختلف أهل العلم على أن شهود المسافر للجمعة والجماعة ـ مع عدم المشقة والحاجة ـ أفضل من تركها. والله أعلم .