الرئيسة   مسائل علمية   معنى الاعتكاف.. حكمه وحكمة مشروعيته في الإسلام

معنى الاعتكاف.. حكمه وحكمة مشروعيته في الإسلام

 الاعتكاف حكمه وحكمة مشروعيته في الإسلام.jpg
في رمضان، يشرع الدين الإسلامي الحنيف القيام بالاعتكاف، والذي يكثر في الحرمين الشريفين، وبقية مساجد المسلمين في كل مكان في العالم، خاصة خلال العشر الأواخر من كل رمضان.
وهو من العبادات التي يتقرّب بها العبد إلى ربه، طلباً لرحمته، وأملاً برضاه وجنّته، وخوفاً من ناره.. إلا أن الكثيرين منّا لا يعرفون حقيقة الاعتكاف، ومعناه وحكمه وحكمة شرعيته، ولعلنا في هذه الأسطر القليلة، نجول في هذه العبادة الراقية السامية، لعلّنا نقترب أكثر منها، ونعدّ العدّة لها.
1- معنى الاعتكاف:
الاعتكاف في اللغة، ملازمة الشيء وحبس النفس عليه، وسمي كذلك لأنه حبس النفس عن التصرفات العادية.
وعن الشافعي رحمه الله أنه قال: هو لزوم المرء شيئاً وحبس نفسه عليه براً كان أو إثماً، ومن ذلك قوله تعالى: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) (الأنبياء: من الآية52)، وقوله تعالى: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) (الأعراف: من الآية138).
وأما في الشرع فهو: المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة.
ويسمى الاعتكاف جواراً بدليل حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصغي إليّ رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجّله".

2 – حكم الاعتكاف:
أجمع الفقهاء على استحباب الاعتكاف وأنه ليس واجباً بأصل الشرع.
والدليل على استحبابه وكونه سنة مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليه قربة إلى الله تعالى وأن زوجاته قد اعتكفن من بعده اقتداء به.
وأما عدم وجوبه فيدل له عدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه به بل روي عنه قوله: "من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر" فقد ترك الأمر إلى اختيارهم ولو كان واجباً لما علقه على إرادتهم.
وقد حكي عن مالك القول بكراهته لمن خشي أن يدخل فيه فلا يوفي بشرطه.
ومع أن الاعتكاف سنة مستحبة في جميع أيام السنة إلا أن استحبابه يتأكد في العشر الأواخر من رمضان لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل".
وروي مثل ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وعن أنس رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاماً، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين.
ورغم أن الاعتكاف ليس واجباً بأصل الشرع، إلا أنه إذا أوجبه الإنسان على نفسه بالنذر وجب والدليل عليه:
1) ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه".
2) ما روي عن عمر أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال عليه الصلاة والسلام: أوف بنذرك".
والأمر في الحديثين يفيد الوجوب.
وقد أجمع الفقهاء على أن الاعتكاف لا يلزم بمجرد النية، فمن نوى أن يعتكف مدة لم تلزمه وأما إن دخل فيما نواه فعلاً فقد ذهب الشافعية والحنابلة والصاحبان إلى أن لا يلزمه الإتمام وله أن يخرج متى شاء.
وقال مالك وأبو حنيفة: يلزمه بالشروع، فإن قطعه لزمه قضاؤه.
دليل أبي حنيفة ومالك:
1 – ما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، وأنه أمر بخباء فضرب له لما أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فأمرت زينب بخبائها فضرب وأمرت غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائها فضرب فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية فقال: البرّ يردن؟ فأمر بخبائه فقوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأواخر من شوال".

ووجه الدلالة لهؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى اعتكافه الذي قطعه بعد الدخول فيه فلو لم يكن واجباً لما قضاه.
2 – لأنها عبادة تتعلق بالمسجد، فلزمت بالدخول فيها كالحج.
وأما الشافعية والحنابلة فدليلهم:
1 – استدلوا بالحديث المروي عن عائشة ووجهوه كما يلي:
أ – أنه يدل على جواز ترك العبادة إذا لم يحصل إلا مجرد النية نظراً لفعل النبي له.
ب – أن النبي ترك اعتكافه فلو كان واجباً لما تركه، وأزواجه تركن الاعتكاف بعد أن نوينه وضربن له الأبنية مع عدم العذر، ولم يؤمرن بالقضاء.
جـ - أن قضاء النبي صلى الله عليه وسلم للاعتكاف لم يكن على سبيل الوجوب بل التطوع لأنه قدوة، وكان يحب إذا عمل عملاً أن يمضيه.
د – أما القياس على الحج فلا يصح لأن إبطاله يؤدي إلى إضاعة المال الذي أنفق لأجله، وإلى تضييع العمل والمشقة التي عاناها لأجله، وليس كذلك الاعتكاف.

3 – حكمة مشروعية الاعتكاف:
لقد عني الإسلام بصلاح حياة الإنسان، وقد حدد لنا رسولنا الكريم طريقاً مختصراً لذلك يتمثل بصلاح القلب "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".

"ولما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جميعته على الله، ولمّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى... لذا شرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجميعته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم به كله، والخطرات كلها بذكره، والفكرة في تحصيل مراضيه، وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق فيعدّه بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه.