الرئيسة   مسائل علمية   إذا اشتد الحر فأبردوا

إذا اشتد الحر فأبردوا

 اشتد الحر فأبردوا.jpg

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الخلاصة :
الإبراد بالظهر وقت قصير يقدر بحوالي ثنتي عشرة دقيقة بعد الزوال .
وعلته أن لا توقع الصلاة قرب شدة تسعير نار جهنم ، وليست علته تأذي الناس بالحر .
وذلك لأنه قد ثبت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في الهاجرة أي شدة الحر في وسط النهار ، كما أنه لم يجب الصحابة إلى شكواهم من الحر .
ولأنه بالخبرة وواقع الحال فإن حرارة وجه الأرض تستمر في الارتفاع بعد الزوال حتى تصل ذروتها الساعة الثانية ظهرا ؛ فلو كان المقصود دفع أذى الحر عن الناس لاقتضي الأمر الصلاة بعد الزوال مباشرة ، لا تأخيرها إلى وقت تزيد فيه الحرارة ؛ مما يدل على أن المقصود هو الإبراد من حر آخر .
ولأن أمره صلى الله عليه وسلم بالإبراد كان في سفر ؛ فالطريق ومحل الصلاة كانا تحت أشعة الشمس ؛ مما ينتفي معه إرادة الانتفاع بظل الحيطان ؛ فلم يظهر بهذا أن المصلي هو المقصود ؛ وإنما هو الصلاة ؛ فانتفى بذلك معنى تأذي الناس بالحر ؛ فلم يبق إلا الأمر التعبدي الغيبي .
وحد الإبراد أن يكون الظل ظاهرا للجميع ؛ لقول أبي ذر في الحديث المذكور: أَبْرَدَ في الظهر حتى رأينا فيء التلول ، ثم أقام فصلى .
ولأن بلالا حين أذن في سفر في شدة الحر مع أول وقت الظهر فقال له صلى الله عليه وسلم : أبرد فمن الظاهر أنه لم يترك الرواحل مرتحلة ، والمسافرين وقوفا ينتظرون بدء انكسار الحر في الأجواء السفلى أكثر من ساعتين، مما يكون معه أعظم المشقة ، كل ذلك يدل على أنه إنما حبسهم وقتا قصيرا جدا .
وقال بعض السلف بأن قدره أربعون آية ، وقد حُرزت بثنتي عشرة دقيقة .

التفصيل :
ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم" .
وثبت فيهما عن أبي ذر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبرد"، ثم أراد أن يؤذن؛ فقال له: "أبرِد"، حتى رأينا فيء التلول . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" .
وقد اختلف العلماء في الإبراد على أقوال :
الأول : أنه لأجل تأذي المصلين من الحر في الطريق إلى المسجد ، أو أثناء الصلاة ، وقالوا في حكمة ذلك أنه الرفق بالناس ، أو المحافظة على الخشوع في الصلاة .
واستدلوا لقولهم بما دلت عليه كلمة "الإبراد" ؛ فحملوه على حقيقته .
الثاني : أنه تعبد لا يعقل معناه ، والمقصود منه أن لا تؤدى الصلاة قرب شدة حر جهنم ؛ بل تؤخر قليلا عن ذلك حتى يكون ظل الأشياء ظاهرا .
واستدلوا لذلك بحديث جابر بن عبدالله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة . رواه الشيخان .
وأصحهما هو القول الثاني ؛ لما يلي :
1. ثبوت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الظهر في شدة الحر في جمع من الأحاديث منها:
حديث جابر المذكور.
ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا نصلي مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّنَ جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه . أخرجه البخاري ومسلم .
وفي رواية النسائي قال: كنا إذا صلينا خلف النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالظَّهائِرِ ، سجدنا على ثيابنا اتِّقاءَ الحرِّ .
قال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" (1/94) : الهاجرة : هي شدة الحر بعد الزوال ، وقال في "المصباح" : الهاجرة نصف النهار ، في القيظ خاصة .
ولو كان المقصود ما يصيب الناس من الحر لما صلى في الهاجرة .
ومنها ما ثبت في حديث خباب بن الأرتِّ رضي الله عنه قال : شكونا إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يُشْكِنا . قال زهير : قلت لأبي إسحاق : أفي الظهر؟ قال : نعم ، قلت : أفي تعجيلها؟ قال: نعم . رواه مسلم في "صحيحه" :(1/433) .
فكأنهم طلبوا الصلاة في آخر وقتها حتى ينكسر الحر فلم يجبهم إلى طلبهم .
قال ابن رجب في "فتح الباري" (3/81) ( .. وفيه دليل على أن صلاة الظهر كانت تصلى في حال شدة حر الحصى الذي يسجد عليه ) أهـ .
وما أجاب به بعض أصحاب القول الأول عن هذه الأحاديث من القول بنسخها بأحاديث الإبراد ففيه نظر ؛ لأن الجمع ممكن ؛ فكيف يُصار إلى النسخ الذي هو إهمال أحد النصين دون ضرورة ؟
ففي هذه الأحاديث دليل على أنه لم يكن يبرد بالصلاة إبرادا تذهب معه شدة الحر؛ وحيث لم تثبت معقولية المعنى فلم يبق إلا التعبد .
2. ما عُديت به كلمة الإبراد من حرف الجر (عن) في قوله عليه السلام : "فأبردوا عن الصلاة" حيث يدل ذلك على أن مقصود الإبراد المنع من الصلاة؛ لا معنى منع تأذي المصلين بالحر .
ولا يرد على هذا ما جاء الرواية الثانية التي عُديت فيها كلمة الإبراد بالباء في قوله صلى الله عليه وسلم : "فأبردوا بالصلاة" ؛ وذلك لأنها بمعنى عن ؛ كقوله تعالى : "فاسأل به خبيرا"، أي : اسأل عنه .
3. من حيث المعنى وواقع الحال : فإنه من المعلوم عند أهل الخبرة: أن الحر في الأرض يشتد بعد الزوال ؛ لا أنه يخف ؛ حتى كان المعتمد عند المتخصصين في الرصود الجوية ـ كما أفادنيه أحدهم ـ أن أعلى درجة للحرارة في النهار تُسجل رسميا تكون في الساعة الثانية ، ثم تبدأ بعد ذلك بالتناقص .
ويقرر الخبراء أن الحرارة الواردة إلى الأرض تبلغ ذروتها مع الزوال ، وأما الحرارة المختزنة في الأرض فإنها تظل في الارتفاع إلى ما بعد الساعة الثانية بقليل ، ثم تبدأ الحرارة المختزنة بعد ذلك بالانخفاض .
وهذا ملموس حتى من غير المتخصصين .
فلو كان المعنى تأذي الناس بالحر ؛ لكان المناسب العقلي أن يُعجل بالصلاة بعد الزوال مباشرة وقبل اشتداد الحر الذي يتزايد ؛ حتى تصل ذروتُه الساعة الثانية ظهرا .
فهنا ثبت أن المقصود أمر غيبي تعبدي وهو تسعير نار جهنم ؛ لا تأذي الناس بالحر .
قال ابن تيمية في "شرح العمدة" (1/198) : (فلما قال: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" ، وعلل بعلة تعلم بالوحي عُلِم أنه قصد معنى يخفى على أكثر الناس ؛ وهو كراهة إيقاع الصلاة حال تسعير النار ؛ كما كره إيقاعها وقت مقارنة الشيطان لها) .
4. أنه قد جاء في حديث أبي ذر المذكور الأمر بالإبراد وكان ذلك في سفر؛ فالطريق ومحل الصلاة كانا تحت أشعة الشمس ؛ فلم يظهر بهذا أن المصلي هو المقصود ؛ وإنما هو الصلاة ؛ فانتفى بذلك معنى تأذي الناس بالحر ؛ أو إرادة الانتفاع بظل الحيطان ؛ فلم يبق إلا التعبد .
5. قوله صلى الله عليه وسلم : "فإن شدة الحر من فيح جهنم" فقد كان في سياق التعليل ، وليس وصفا كاشفا للحال ؛ فإن شدة الحر معلومة للناس ، والأصل إرادة التعليل .
وقد ثبت عند النسائي من حديث أبي موسى مرفوعا : "أبردوا بالظهر فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم" ، وهذه الرواية أظهر في أن السبب هو تسعير النار ، لا حرارة وجه الأرض .
وكذلك حديث أبي هريرة عند مسلم في "صحيحه" مرفوعا : "إذا كان اليوم الحار فأبردوا بالصلاة . فإن شدة الحر من فيح جهنم" .
وقد جاء في نحو هذا المعنى حديث عمرو بن عبسة: "فإذا اعتدل النهار فأقصر يعني عن الصلاة، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم" رواه مسلم .
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (23/207) : ( .. فأخبر أن شدة الحر من فيح جهنم ، وهذا موافق لقوله : "فإنه حينئذ تسجر جهنم" ) .
فيكون النهي عن صلاة الظهر في وقتين :
الأول : وقت قائم الظهيرة ، وهو تعامد الشمس في كبد السماء ، قبل وجود أي ظل، وهو على التحريم .
والثاني : بعد الزوال ، وقبل أن تكون الأفياء ظاهرة ، وهو على الكراهة ؛ فتكون السنة في الإبراد هي في تأخيرها بعد الزوال قليلا .
قال العراقي في "طرح التثريب" (2/201) عن أحاديث الإبراد : ( .. ويمكن أن تكون العلة في ذلك أنه وقت يفوح فيه حر جهنم ولهيبها ، وهو ظاهر قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" . وكونها ساعة يفوح فيها لهب جهنم وحرها يقتضي الكف عن الصلاة ) أهـ .
ومما يؤكد هذا المعنى أن سنته الدائمة في الظهر هو تعجيلها بعد الزوال مباشرة؛ فكان يخالف هذه السنة في الحر بتأخيرها عن التعجيل قليلا ؛ رعاية لهذا المعنى ، وقد صح التعجيل في جملة من الأحاديث منها :
ما ثبت في الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت أحدا كان أشد تعجيلا للظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أبي بكر ولا من عمر .
وعن أبي مسعود أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر حين تزيغ الشمس , وربما أخرها في شدة الحر .
وهذا ما جرى عليه فهم الصحابة ففي حديث أنس بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يعني الجمعة ، رواه البخاري .
وبوب عليه بقوله : (باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة ) .
وقد استشكله بعض أصحاب القول الأول ؛ وسبب الإشكال أن الناس يأتون الجمعة مبكرين؛ ففي تأخيرها زيادة في المشقة بتعرضهم للحر أثناء انتظار الصلاة ، وهذا ينافي ما اختاروه من اعتبار معقولية المعنى بتخفيف تأذي المصلين بالحر .
أما مع القول بأن الأمر تعبدي فلا إشكال ، ويكون الإبراد مشروعا حتى في الجمعة ؛ لأنه وقت قصير جدا ؛ فعليه لا ينبو حديث أنس عن سمت بقية الأحاديث ؛ فلا نحتاج إلى تكلف الإجابة عنه .
وكان مما أوردوه : أن قوله : (يعني الجمعة) متردد أن يكون من كلام خالد بن دينار الراوي عن أنس ، أو ممن بعده ، ومقصود إيرادهم أنه قياس من أنس للجمعة على الظهر ورأي منه ، لا أنه أَخْبَر أن الرسول أبرد يوم الجمعة .
يقال : سواء كان ذلك من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الجمعة ، أو قياسا من أنس فإن أقل الأحوال أن يكون فهما من بعض السلف وقع في موضع الشهرة، ولم يُعرف له مخالف ؛ فيكون حجة في فهم أحاديث الإبراد .
حد الإبراد :
حده أن يكون الظل ظاهرا للجميع ؛ لقول أبي ذر في الحديث المذكور: أَبْرَدَ في الظهر حتى رأينا فيء التلول ثم أقام فصلى .
فقوله : "حتى رأينا فيء التلول" دليل على أن ذلك في أول رؤيته ، وحتى تُلحظ الأفياء بعد الزوال فإن الوقت قصير جدا قد لا يتجاوز ثنتي عشرة دقيقة .
وقد كان أداؤه عليه السلام صلاة الظهر على أول وقتها بعد الزوال مباشرة كما تقدم، وحين أمر في سفره بالإبراد في شدة الحر في حديث أبي ذر وغيره فمن الظاهر أنه لم يترك الرواحل مرتحلة ، والمسافرين وقوفا ينتظرون بدء انكسار حر الأجواء السفلى أكثر من ساعتين ، مما يكون معه أعظم المشقة على المسافرين في الوقت الحاضر ؛ فكيف بوقته صلى الله عليه وسلم ؟ كل ذلك يدل على أنه حبسهم وقتا قصيرا حتى تبدو الأفياء؛ كما دل عليها ظاهر حديث أبي ذر .
قال ابن رجب في "فتح الباري" (3/72): ( .. قوله "حتى رأينا فيء التلول" يعني : حتى مالت الشمس ، وبعدت عن وسط السماء ، حتى ظهر للتلول فيء ) .
وقال فيه (3/81) : (.. كان يبرد بالظهر إبراداً يسيراً حتى تنكسر شدة الحر ، ولم يكن يؤخرها إلى آخر وقتها حتى يبرد الحصى ) أهـ كلامه .
وذكر عن سفيان الثوري في صلاة الظهر قوله : (كان يستحب أن يُمهل المؤذن بين أذانه وإقامته في الصيف مقدار أربعين آية ، وفي الشتاء على النصف منها ) .
ومقدار الأربعين آية لا يتجاوز كثيرا ثنتي عشرة دقيقة .
كما ثبت في "الموطأ" (1/6) عن عمر أنه كتب إلى عماله : إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ثم كتب أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا .
فتلخص من هذا، ويُبنى عليه ما يلي:
1. أن الإبراد تعبد محض لا يُعقل معناه، وهو تأخير الصلاة وقتا يسيرا حتى لا توافق أشد حالات حر نار جهنم، وإنما كان تعبدا غير معقول المعنى لأجل أن المناسب العقلي هو المبادرة إلى الصلاة خوفاً من حر جهنم؛ فلهذا كان تعبداً.
2. أن وقت الإبراد قصير جداً، وما عليه الناس اليوم من تأخير إقامة الظهر عن الزوال بـ خمس عشرة دقيقة كاف في تحقق الإبراد الشرعي .
3. مشروعية الإبراد بالظهر حتى في المباني المغلقة التي يكون الطريق فيها إلى المسجد، وفي محل الصلاة بارداً، وكذلك في المنازل للنساء والمعذورين؛ كما يُشرع في البلدان الباردة، إذا كان الفصل يُسمى في منطقتها صيفاً؛ كبلاد السراة ، ونحوها .
وذلك لأن المعنى بقاء شدة تسعير نار جهنم ، وليس لمعنى التأذي من الحر.
قال ابن رجب في "فتح الباري" (3/66) : ( .. وقد بوب البخاري على هذه الأحاديث : "الإبراد بالظهر في شدة الحر" ؛ فدل ذلك على أنه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال ، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها ، وسواء كان يصلي جماعة أو وحده ) .
وقال العراقي في "طرح التثريب" (2/198) : ( .. وقال الشيخ أبو محمد الجويني وغيره : يستحب في البلاد المعتدلة ، والباردة أيضا إذا اشتد الحر ) .
4. أن الإبراد يشمل صلاة الجمعة في أيام شدة الحر.
وما جاء في بعض الأحاديث أن النار تسجر كل يوم وسط النهار إلا يوم الجمعة فلم يثبت منها شيء .
وما عليه بعض خطباء الجوامع هذه الأيام من جعل بداية الخطبة قبل الزوال، وربما جعل الصلاة بعد الزوال مباشرة مخالف للأمر الشرعي بالإبراد؛ فالمشروع أن تكون الصلاة بعد الزوال بحوالي ثنتي عشرة دقيقة على الأقل .
والقول بمشروعية الإبراد في الجمعة هو قول أنس ، ومذهب البخاري ، وغيرهما .
5. إذا اختلفت الفصول بين البلدان بأن كان الفصل هنا شتاء، ويكون صيفاً في البلد الآخر في نفس الوقت؛ كأقصى الجنوب في أفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية نسبة إلى بلدان الشمال ؛ فلكل بلد إبراده .
والله أعلم .