الرئيسة   كلمة الموقع   الإنــــــــــصـــاف

الإنــــــــــصـــاف

ensaf2.jpg

كثيرا ما يردد عبارة "الإنصاف عزيز" و "العدل فضيلة" لكنه يفشل في امتحان العدل عند أدنى مساس بذاته أو من يحب :

فهو لا يعرف قدسية العدل إلا إذا مسّه الظلم..

وتراه يزين قوله بأضعف الحجج ، ويُعْرضُ في كلام غيره عن أقوى البراهين ..

ويرى أن معصية الناس لله كانت عن خبث طوية وفساد نفس ؛ فإذا ابتلى أو قريبه بمثلها فهي هفوة غير مقصودة ، أو أن ظروفها مختلفة..

ويُظهر للناس أن اختياراته العلمية تحقيق ونبوغ ، واختيارات غيره شذوذ وغرائب .




ويحكم على منتجات الناس العلمية والفكرية بأنها "مسبوقة" ويقول هو نفسه عن قول آخر بأنه باطل لأنه "لم يسبق إليه أحد" ثم ينسى فيثني على منتجه هو "أنه غير مسبوق".




ويرى أن تغير قوله يقظةٌ ومراجعة وتجرد ، وأن تغير قول غيره تذبذب وفتنه.




ويعتبر تيسيره الفقهي وتيسير حبيبه رخصة من ثقة، وأما تيسير غيره فتساهل وتمييع.

ويراه الناس يتحرى بأعلى درجات التثبت فيما يُتَّهم به قريبه وحبيبه ومن على منهجه؛ فإذا كانت التهمة لغيرهم كانت وحدها برهانا قاطعا..

ويجد لنفسه عشرات المخارج لتسويغ خطئه، وإن أخطأ غيره لم يجد له ثقب إبرة مخرجا لخطأه.




ويقطع حديث غيره ويرى أن تأخير التعليق سيفسد فكرته في النقاش ، ثم يغضب إن قاطعوه..

ويعادي رئيسه إذا قام بمهامه في متابعة موظفيه ؛ فإذا عُيِّن هو رئيساً صار يرى أن موظفيه لا يرعون حقوق الوظيفة ولا مقام الرئيس ..

ويرى أن الأصل في أذية ابنه للناس أنها دفاع ورد بالمثل ، وأن أذيتهم لابنه ظلمٌ وعدوان..

ويطالب زوجته بحقوقه وحقوق أهله الواجبة والمستحبة كاملة ، ويبخسها وأهلها في أوضح الحقوق ..

وترى المرأة ترهق زوجات أبنائها بجملة من التبعات المادية والمعنوية ، ثم تلقن بناتها كيف يتنصلن من ذات هذه التبعات مع أزواجهن.




لعل من قرأ هذه الأحرف يقول : نعم رأيت هذا كله أو بعضه في الناس رأي العين.. كم هو واقع مرير في الناس .. نعم ملاحظة حسنة للخطأ ، ولكن لنحذر أن يكون هذا هو منتهى انتفاعنا مما نسمع أو نقرأ .




والذي علينا هو أن نحذر من أن نكون على مثل هذه السجية في الظلم وغمط الحقوق ، وتجاهل المشاعر ؛ لأننا سنسأل عن عدلنا وإنصافنا؛ لا عن مخالفات غيرنا في ذلك ؛ فإن المرء كلما كان مشغولا بعيوب غيره نسي عيوب نفسه ؛ فيرتكب بذلك خطأ مزدوجا .




فكيف نحقق العدل والإنصاف ونسلم من الظلم والإجحاف؟

يكون ذلك بتحقيق مقامات منها :

1. الخوف من الله:

فمن خاف الله تعالى خاف عاقبة الظلم والإجحاف .




2. تحقيق محبة الله ؛ فمن أحب الله سعى لمرضاة محبوبه ، وأحب ما يحبه ، وأعظم محبوبات الله تعالى العدل والانصاف .




3. صحبة المنصفين:

فصحبة الغوغاء والسوقة سبب لسلوك طرائقهم التي لا ترعى حرمة ، ولا تقدس أدبا ولا تُذكِّر بمعروف .

أما الشرفاء الأدباء العقلاء فإنهم يربون بسلوكهم ويؤثرون بأخلاقهم قبل نصحهم وتوجيههم.

وقد قال صلى الله عليه وسلم : "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" رواه أبو داود في "السنن" (4/259) من حديث أبي هريرة.




4. الاعتبار بأحوال الظلمة:

وهم الذين يدورون على ذواتهم ؛ فلا يعرفون عدلا ولا إنصافا ؛ فإذا رأيت دوافعهم في مواقفهم وجدت كم يكون الظلم قبيحا ، وكم يكون الإنصاف وضاح الجبين ، جميل المحيا ؛ محمود العاقبة.

وأعظم الاعتبار في ذلك ما تراه من كره الناس لمن تنكب طريق الإنصاف، ومقتهم إياهم .

وهذا الاعتبار في أحوال الظلمة المجحفين هو في الحقيقة دورة تدريبية مكثفة لنا نتمكن فيها من تربية النفس وتعويدها على خلق الإنصاف ؛ ونحن في حال مجردة من أي تأثير ؛ وذلك بخلاف من أراد امتحان نفسه فيما يعرض له من قضايا الإنصاف ؛ فإنه قد يفشل في الامتحان ؛ بل قد يظن أنه على عدل وإنصاف فلا ينتفع أبدا.

ولهذا قيل : السعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه.

وفي "الرسائل" (2/29) للجاحظ: ( كفاك أدباً لنفسك ما كرهت من غيرك) .

ويقول الحارث بن حلزة وهو في "أدب الدنيا والدين" للماوردي (356):

إن السعيد له من غيره عظة ... وفي التجارب تحكيمٌ ومعتبرُ




5. أن تضع نفسك مكان من تتهمه وتحكم عليه:

فإن هذا من أعظم ما يدعو إلى الإنصاف ، وأقوى ما يحمل المرء على العدل حتى مع أعتى الخصوم ، وهو لجام متين لنفس متوثبة شرود.

يقول أبو محمد ابن حزم في رسالته "الأخلاق والسير" (ص8) : (مِن أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه؛ فإنه يلوح له وجه تعسفه) .




6. زيادة الحذر في مواقع الفتن:

فإن موقع الفتنة ومحل البلوى أعظم أسباب الزلل وترك الإنصاف .

ومن ذلك إذا عظمت محبتك لشيء أو شخص ، أو عظمت كراهيتك لأحد؛ فإن هذه المواضع من أظهر أسباب الحيف والزلل على الناس.

ولهذا ذكَّر الله تعالى بالعدل عند الخلاف مع المبغضين ؛ لما لذلك من أثر على النفس في سرعة الوقوع في الظلم ؛ فقال جل شأنه : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" [المائدة:8] .

قال تعالى في شأن المحبوبين : "وإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى" [الأنعام 152].

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم حالي الحب والكره وضرورة تحقيق العدل عندهما لضبط توازن النفس المتشنجة كما في حديث أنس مرفوعا: "وثلاثٌ مُنجِياتٌ: العَدْلُ في الرِّضا والغَضَبِ والقَصْدُ في الغِنى والفاقةِ ومخافةُ اللهِ في السِّرِّ والعَلانيةِ" رواه الطبراني في "الأوسط" (5/328) .

والجامع لحالي الحب والكره هو حالٌ من العشى الشديد المانع من رؤية الأشياء على حقيقتها بسبب نفس مشبوبة متوترة بفيض الحب أو رهق الكُرْه.




7. معرفة أنه سبب لمحبة الناس:

فإن الناس يحبون المنصف من نفسه وممن يحب ؛ بل لا يُنال الشرف والسؤدد إلا به؛ فإن الناس لا يقدمون من يدور على ذاته ، ويعبد نفسه ؛ لأنه سيتسلط عليهم بشهواته ، ولهذا لم ينل الشرف إلا من كان من نفسه انتصف.

وقال علي رضي الله عنه : (من تحلى بالإنصاف بلغ مراتب الأشراف).




8. الدعاء:

في الدعاء عبودية لله وافتقار ، وهي المستجلبة لمدد العزيز الغفار، وهي سبب فتح أبواب السماء واستمداد العون من الباري حين تبور الحيل:

إذا لم يكن عون من الله للفتى**فأول ما يجني عليه اجتهادُه

ولهذا كان صلى الله عليه وسلم مع خوفه من الله ويقظته كان يدعو فيقول: "وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا"رواه الدارمي في "الرد على الجهمية" (ص 115).

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.