الرئيسة   متابعات   المواظبة على فعل الطاعات بعد رمضان

المواظبة على فعل الطاعات بعد رمضان

 على فعل الطاعات بعد رمضان.jpg

قد يتألم المؤمن من عدم الإقبال على الطاعات بهمة عالية مثل التي كان يشعر بها في شهر رمضان، فبعد الاجتهاد في الطاعات، والتنافس في الخيرات، والانقطاع للعبادة، والحرص على مغفرة الذنوب وتحصيل الأجور وزيادة الحسنات، يبدأ المسلم في الانشغال بكثير من الأمور التي تبعده عن الإكثار من الطاعات، وأولها المشاركة في الاحتفال بالعيد، ومشاركة الأهل والأقارب في فرحهم، والسعي لإدخال السرور عليهم، وعدم الحرمان من فرحة العيد، بعد الاجتهاد في شهر الخيرات.

وشعرنا أن رمضان قد غيرنا، فقد نجح في تحسين أخلاقنا، وضبط انفعالاتنا، وتهذيب سلوكنا، وتعلمنا منه الإخلاص، والمواظبة على الطاعات، فلا بد أن نتعلم كيف نواظب عليها بعد رمضان.

ولكن ما المانع أن نجتهد في استعادة الأوقات الإيمانية الطيبة التي عشناها في شهر رمضان، والتي شعرنا فيها بلذة العبادة، وذقنا حلاوة الإيمان، ولذة المواظبة على الطاعة، وأحسسنا بسمو أرواحنا، وعلو همتنا، وارتفاع درجة إيماننا.

فالمانع ليس كثرة الانشغالات، فقد كانت كثيرة أيضا في رمضان، ولكن يمكن أن يكون المانع من عدم القدرة على السير بمنهج ثابت، أو ضعف الإرادة في الانتصار على النفس، والنجاح في مجاهدتها، ومحاولة إلزامها تقوى الله تعالى، والثبات في طريق الاستقامة.

فإذا قويت إرادتنا في رمضان، ونجحنا في جهاد أنفسنا، وقد امتنعنا بإرادتنا عن الطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان، فهذا يدفعنا لكي نمتنع عن المحرمات إذا أفطرنا، وقد قويت إرادتنا، وحاولنا الوصول للهدف من الصيام، وذلك بتقوية الإرادة لنصل لثمرة الصيام، وهي التقوى، فلا بد من الحرص على مجاهدة أنفسنا لتقوى إرادتنا، ونجعل أنفسنا تصبر على فعل الأعمال الصالحة، وتبتعد عن المعاصي، وتصبر على أقدار الله المؤلمة، مع استمرار الاجتهاد في الطاعات والمداومة على أعمال البر والخير، ونحاول تنفيذ وصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"متفق عليه.

وفي رمضان يتدرب المسلم على قوة الإرادة، وإذا طبقنا هذا الحديث في رمضان: "فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، وإن سابه أحد فليقل إني صائم إني صائم"متفق عليه، سنجد أننا نجحنا في جهاد النفس، وتعويدها على الانضباط وعدم الغضب، والالتزام بالسلوك القويم، والتخلق بالأخلاق الفاضلة.


وإذا حاول المسلم مجاهدة نفسه، وحرص أن يتعلم كيف يجاهد نفسه، ويربيها على قوة الإرادة وصدق العزيمة، مع الحرص على إرضاء الله تعالى، ويجعل من الصوم وسيلة لتحسن الأخلاق، وتهذيب السلوك، فهذه هي التربية الحقيقية في مدرسة الصوم مع نيل الثواب والأجر، فالصوم مدرسة متكاملة نتعلم فيها ونتدرب على تقوية الإدارة، والسمو بالروح، والصيام الذي يقوي الإرادة يمكن أن يتحقق، سواء في صوم التطوع أو صيام الفريضة.


وإذا نجحنا في جهاد أنفسنا، واستطعنا تغيير سلوكنا للأفضل في رمضان، فلنحاول أن نستمر على جهاد أنفسنا دائما. وإذا ضعفت إرادتنا، أو لم ننجح في تهذيب نفوسنا، أو تغلبت علينا الشياطين ووقعنا في شيء من المعاصي، فعلينا التوبة و الندم مرة أخرى، ونحاول أن نستمر في مجاهدة أنفسنا، فهذه المجاهدة عملية مستمرة، للوصول للتقوى، والسير في طريق الاستقامة والبعد عن طريق الغواية.


قد يكون المانع من استمرار العمل الصالح بعد رمضان هو الشعور بالفتور في أداء العبادات بعد قوة الاجتهاد، أو حب التكاسل والاسترخاء في حضور الصلوات بعد المحافظة عليها، مع زيادة التعلق بالإنترنت، والعودة لقضاء أوقات طويلة أمام الفضائيات، ونترك قراءة كتاب الله تعالى أو نهجر تدبره، ولا نتعلم كيف نحيا في ظلاله، أو نترك قراءة كتب التفسير.

وقد يكون المانع ضعف الحماس لعدم وجود دوافع كثيرة تُحمس لأداء العبادات، ولكن رمضان فيه تدريب وتهذيب، ونأخذ منه الزاد الذي ينفعنا للمداومة على الطاعة فيما بعده، وعلينا أن نبحث عن الوسائل التي تدفعنا للتحمس لأداء الطاعات كما كنا في رمضان.


فإذا كانت الأوقات في رمضان ـ كما يقولون ـ قليلة، ومع ذلك كنا نكثر من تلاوة القرآن الكريم، ونتعلم الإخلاص لله تعالى في الصيام، ومراقبته في السر والعلن، وكنا نواظب على صلاة الجماعة، والتسابق لحضور صلاة التراويح مع الإمام، مع المحافظة على السنن والنوافل، والتنافس في تقديم الصدقات، والحرص على الانقطاع للعبادة بالاعتكاف أو الاجتهاد في التهجد في العشر الأواخر من رمضان لتحري ليلة القدر.

وإذا نجحنا في رمضان في الاستفادة بالأوقات، وعدم هدرها فيما لا يفيد، وذلك بالتقليل من الجلوس على الإنترنت، وتقليل ساعات مشاهدة التلفاز، أو لو كنا تعلمنا كيف نستفيد من أوقاتنا ونحافظ عليها في رمضان، فالأفضل هو أن نستمر على ذلك خاصة أن رمضان شعر التغيير للأفضل.


فالنفس بحاجة لمجاهدة مستمرة، وإيقاظ متواصل، وتذكرة دائمة، ومواعظ متصلة، والهمة بحاجة للشحذ للوصول للجنة، وذلك بأساليب وطرائق عديدة، تجعلنا ننجح في إيجاد حل لهذه المشكلة؟ وذلك بأن نتدرب على المداومة على الطاعات بعد رمضان، وهذا بفعل بعض الأمور والوسائل التي تمنحنا الثبات على الأعمال الصالحة، وتجعلنا نداوم على فعل الخيرات، ونحافظ على التنافس في الطاعات بعد رمضان، ومنها:

أولا: وجود الثواب الجزيل والأجر العظيم المترتب على الصيام والقيام وتقديم الصدقات وقراءة القرآن فيما بعد رمضان، فإذا كان معرفة الثواب دافعا للاجتهاد في الطاعات، فالثواب والأجر لم ينقطع بعد رمضان؟ فصيام التطوع مشروع بعد رمضان، ويترتب عليه الثواب الجزيل والأجر الكبير ففي الحديث: "من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله" رواه الجماعة بنحوه إلا البخاري.


وكذلك من جاهد نفسه، وتدرب على قيام الليل في رمضان، رغبة في الثواب الكبير المترتب على قيام الليل، فالثواب مستمر بعد رمضان، ومن يبحث عن حل للمشكلات التي لا تنتهي، وللمصائب المستمرة فلا يجد أفضل من التقرب إلى الله تعالى بقيام الليل.

ومن حرص على قراءة القرآن في رمضان حتى يحصل على الأجر العظيم والثواب الجزيل، فهذا مستمر أيضا بعد شهر رمضان، وكذلك الصدقات وسائر الطاعات.


ثانيا: من أراد التوفيق للطاعات بعد رمضان، والمواظبة على فعل الخيرات دائما، فليتوجه إلى الله تعالى بالدعاء ويلح عليه، ويطلب منه العون، ويستلهم منه التوفيق، ويسأله بصدق وإخلاص أن يصل للتقوى، ويسير في طريق الاستقامة، ويطلب منه بخشوع وخضوع الثبات على الهداية، والاستمرار في الطاعة "رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ"سورة آل عمران.


ثالثا: البحث عن الأمور المثبتة على طريق الهداية، والتي تكون سببا في زيادة الإيمان، وذلك بالإكثار من مُجالسة العلماء والصالحين، ومواصلة المحافظة على الأذكار، والحرص على حضور أو الاستماع إلى المحاضرات النافعة، والحرص على مصاحبة الأخيار وزيارة الصالحين، والاستماع لتجاربهم في كيفية المواظبة على العمل الصالح بعد رمضان.


رابعا: الاهتمام بتعلم كيفية الوصول لعلو الهمة، وذلك بالقراءة المستمرة لأصحاب الهمم العالية في كتب السيرة والسير والتراجم، والاستماع إلى أو قراءة قصص الأنبياء، أو الاستماع للأشرطة عن تراجم العلماء والمصلحين، مع الاهتمام بسير الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ومعرفة سير الفاتحين فهي تبعث في النفس علو الهمة، وتقوي العزيمة.


خامسا: الحرص على المداومة على الأعمال الصالحة ولو بالعمل القليل المستمر، وخصوصا المُحببة للنفس، فلا نترك تلاوة القرآن ولا قيام الليل، ولا الصدقات ولا الأذكار، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"متفق عليه.


سادسا: نتذكر أن المسلمين حققوا انتصارات كثيرة في رمضان؛ بسبب ارتفاع درجة إيمانهم، إضافة للأخذ بالأسباب المادية، ومن يؤدى العبادات، ويجاهد الشهوات، ويأخذ بأسباب النصر فلا شك أنه سينتصر على الأعداء، فالمسلمون في رمضان مهيئون أكثر من غيره لأن يتنزل عليهم نصر الله تعالى؛ لأنهم نجحوا في مجاهدة أنفسهم، وكبح جماح شهواتهم، مع الحرص على الطاعات، والتي تجعلنا نجاهد أنفسنا وننتصر عليها، حتى نستحق أن يتنزل علينا نصر الله تعالى، فهذه الأعمال الصالحة، والنجاح في مجاهدة النفس هي من أهم أسباب حصول النصر كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"سورة محمد.


سابعا: وفي رمضان كان المسلم يتدرب على قوة الإرادة ويحاول أن يدرب نفسه لتسمو روحه وتهذب أخلاقه، وتقوى إرادته، وذلك بضبط انفعالات النفس، وامتلاكها والسيطرة عليها عند الغضب حتى لو سابه أحد فمنهج المسلم الذي يتمسك به في رمضان ويستمر عليه بعده: إني صائم إني صائم"، سيجد المسلم شعورا بلذة الطاعة، ويشعر بحلاوة مجاهدة النفس والانتصار عليها، وإذا نجح في جهاده لنفسه، وتعويدها على الانضباط وعدم الغضب، والالتزام بالسلوك القويم في رمضان، فما المانع من الاستمرار عليه بعد ذلك.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفعل الطاعات دائما.