الرئيسة   متابعات   حج المرأة جهاد وتربية

حج المرأة جهاد وتربية

 المرأة جهاد وتربية.jpg
إنّ من محاسن شريعتنا الغرّاء أنها تضمنت عوامل التربية الذاتية للفرد المسلم، إذ يؤدي ما عليه من الفرائض والسنن. وتضمنت كذلك أسباب النهوض والارتقاء بالمجتمع، من خلال التربية الجماعية البديعة فيما يؤديه المسلمون من فرائض جماعية، مثل: صلاة الجماعة، والعيدين، وصيام شهر رمضان من كل عام، وفريضة الحج الأكبر.
وقد فرض الله الحج على الرجال والنساء مرة في العمر، لمن استطاع إليه سبيلاً، وجعله في حق النساء عوضاً عن الجهاد في سبيل الله، فما زالت نفوس النساء تتوق إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، وبذل المهج والأرواح رخيصة لإعلاء كلمته ونصرة دينه، فنراهن يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرة بعد المرة عن ذلك؛ فيجيبهن بأن اللطيف خبير قد وضع عنهن جهـاد القـتال؛ رحمةً بهنّ، وقَبِل منهنّ عوضاً عن ذلك الحج والعمرة. جهاد بالنفس والمال، لكن لا قتال فيه.
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «عليكن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة»، وعنها أيضاً رضي الله عنهـا أنها قـالت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (رواه أحمد، وابن ماجه وصححه الألباني).
وإن الله تعالى قد أودع في عبادة الحج ومناسكه طاقة إيمانية هائلة، ودروساً تربوية عظيمة المغزى والأثر، ولئن افترضه الله على الإنسان مرة في العمر، فلقد جعل فيه من الزاد ما يكفي المؤمن عمره كله.
الإخلاص سبيل الفوز والقبول
وأول ما تتربى عليه المرأة المسلمة وهي تتأهب للحج، أهمية تحقيق الإخلاص في الحج، فالحج من الأعمال الظاهرة البادية للعيان، والتي يظهر للجميع ما يبذله الحاج فيها من جهد ومال؛ لذلك لا بد من الانتباه لدقائق الرياء فيه، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: ٥]، وفي الحديث القدسي الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»(رواه مسلم).
والإخلاص لله في العبادة معناه: ألا يكون هناك دافع يحمل العبد على أداء العبادة إلا ابتغاء وجه الله تعالى، ومحبته وتعظيمه ورجاء ثوابه ورضوانه.
يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى: (ولا تقبل العبادة إذا كان الحامل عليها رؤية الأماكن، أو رؤية الناس، أو ما أشبه ذلك مما ينافي الإخلاص، ولهذا يجب على الحجاج الذين يؤمون البيت الحرام أن يخلصوا نيتهم لله - عز وجل -، وألا يكون غرضهم أن يشاهدوا العالم الإسلامي، أو أن يتجروا، أو أن يقال: فلان يحج كل سنة وما أشبه ذلك).
فالحج – أختاه – نسك وعبادة لا يقبله الله تعالى حتى يكون خالصاً لوجهه، ليس لأحد نصيب فيه، قال تعالى: {قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْـمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163].
التربية على الاتباع
فالاتباع هو الشرط الثاني لقبول العمل بعد الإخلاص فيه لله تعالى، قال تعالى: {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:31 -32]، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(رواه مُسْلِم). يقول فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله - معلقاً على هذا الحديث: (هذا كلام جامع استدل به أهل العلم على مشروعية جميع ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وما قاله في حجه، وجوباً في الواجبات، ومستحباً في المستحبات، وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (رواه البخاري)، فكما أن ذلك يشمل جزئيات الصلاة كلها، فهذا يشمل جزئيات المناسك كلها)(شرح جوامع الأخبار: عبد الرحمن بن سعدي، حديث رقم: 86).
وقد كان السلف رضي الله عنهم تشتد عليهم مخالفة هديه صلى الله عليه وسلم في المناسك، فقد ذكر ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد؟ فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال الإمام مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقتَ إلى فضيلة قَصُرَ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إني سمعت الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، ونتعلم من هذا درس الاستسلام لأوامر الله تعالى.
وفي التلبية: روائع التربية
ففيها تحقيق توحيد القصد، وإجابة أمر الله، والمعاهدة على الطاعة إثر الطاعة، ولتستحضري – أختي المسلمة الحاجة إلى بيت الله – أنك إذ ترددين التلبية تشاركين الكون كله في نداء الاستسلام التام والطاعة المطلقة لرب العالمين، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِن مُلَبٍّ يُلَبِّي إلَّا لبَّى ما عن يمينِه وشِمالِه مِن حجَرٍ وشجَرٍ أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا»(رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
ويتأكد كذلك لمن حج بيت الله الحرام الانشغال جُل وقته بالذكر، والإعراض عن اللغو، كما قال تعالى: «وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ»البقرة302، يعني التكبيرات أدبار الصلاة، وعند الجمرات يكبر مع كل حصاة، وغيرها من الأوقات. والأيام المعدودات هي أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي الجمار، وسميت معدودات لقلتهن، وعن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب»(رواه مسلم).
وقد حافظ الصحابة رضوان الله عليهم على هذا الأداب محافظة تامة، حيث أورد ابن سعد في الطبقات الكبرى: «أَحْرَمَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، قَالَ: فَمَا سَمِعْنَاهُ مُتَكَلِّمًا إِلا بِذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى حَلَّ»(الطبقات الكبرى لابن سعد: ح/8323).
وعن أبي اسحاق: حجَّ مسروق فما نام إلا ساجداً (الزهد والرقائق لابن المبارك ح/961).
وعن إبراهيم النخعي ـ رحمه الله ـ يحكي حال السلف في الحج قال: "كان يعجبهم إذا قدموا مكة ألا يخرجوا منها حتى يختموا القرآن".
أختاه: إنها أيام معدودات ذات فضل عظيم؛ فالعاقل لا يضيع منها لحظة واحدة بغير زاد، فاجعليها أياماً معمورة بذكره تسبيحاً وتهليلاً وتكبيراً.
وفي الحج تربية على حسن الخلق وضبط النفس
مثل: العفة، وكظم الغيظ، وترك الجدال، كما في قوله عز وجل: {الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْـحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْـحَجِّ} [البقرة: 197]، فالرفث هو الجماع ودواعيه من قول أو فعل، والجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك.
ومنها: اللين والرفق والسكينة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم حين سمع جلبة وصخباً في الدفع لمزدلفة: «أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع»(رواه البخاري) والإيضاع، هو: الإسراع.
ومنها: إنكار الذات وتجاوز أغلالها، والاندماج في الجماعة التي توحدت في اللباس والهتاف وفي التنقل والعمل.
ومنها: التربية على التواضع حين لا يمتاز أحد عن أحد، وليس لحاج خاصية أو ميزة عن غيره من الحجاج في الأمور الدينية، فالأركان والواجبات والمسنونات متماثلة في حق الجميع.
ومنها: التربية على الصبر بأنواعه؛ صبر على مشقة الطاعة، وصبر عن المعصية خاصة مع التزاحم وكثرة الناس، وصبر على قضاء الله الذي يعرض للحاج.
ومنها: التربية على البذل والسخاء، فالحج عبادة بدنية مالية، وفي المشاعر تتسامى المشاعر، فيبذل الموسر من ماله لسقيا الحجاج أو تفريج كربهم وسد حاجتهم.
ومنها: تحقيق معاني الأخوة وحصول المحبة والتآلف والتضحية، خاصة حين يكون الحج مع رفقة وصحبة.
ومن آكدها في حق المؤمنات: التمسك بالستر والصيانة، وعدم التهاون في الحجاب أثناء أداء المناسك، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» (رواه أبو داود وغيره وحسنه الألباني).
وعن هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر بن الزبير، أنها قالت: «كنا نخمر نغطي وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق - جدتها وجدة زوجها - فلا تنكره علينا»، قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلاً خفيفاً تستر به عن نظر الرجال" (رواه الحاكم، وصححه، وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل).
وأخيراً: أختاه يا من أسعدك الله تعالى بحج بيته الحرام، لا تنتهي من أعمال الحج لتنغمسي في لهو الدنيا، بل توجهي إلى خالقك بدعاء خاشع أن يتقبل حجك ويخرجك منه كيوم ولدتك أمك، ويصلح لك شأنه كله، ويهبك من أمرك رشداً، ولنستغفر الله من كل ما مس حجنا من عثرات اللسان، وغفلات الجنان، وألا يجعله آخر العهد بعرفات، وأن يحفظنا ويحفظ المسلمين من كل مكروه، فهو المستعان، وهو حسبنا الله ونعم الوكيل.