الرئيسة   متابعات   المؤثر القوي في التربية

المؤثر القوي في التربية

 القوي في التربية.jpg
إنها القدوة، أيها المربون.
تلك القوة المؤثرة التي تجعل الطفل ذا العامين يربط بين سماع الأذان وأداء الصلاة، فيسحب سجادة الصلاة ويقف في اتجاه القبلة ويصلي، لماذا؟!
لأنه درج على رؤية والديه يفعلون ذلك خمس مرات كل يوم.
وتلك بكل سهولة: هي التربية!
عزيزي المربي:
إنّ قدرة الطفل على الالتقاط - الواعي وغير الواعي - كبيرة جدًا. أكبر مما نظن عادة، ونحن ننظر إليه على أنه كائن صغير لا يدرك ولا يعي. نعم ولكن حتى وهو لا يدرك كل ما يراه، فإنه يتأثر به كله! فهناك جهازان شديدا الحساسية في نفسه، هما جهازا الالتقاط والمحاكاة. وقد يتأخر الوعي قليلًا أو كثيرًا، وهذا لا يغير شيئًا من الأمر؛ فهو يلتقط بغير وعي، أو بغير وعي كامل، كل ما يراه حوله أو يسمعه، يقول د. مصطفى السباعي: «الولد مفطور على حب التقليد، وأحب شيء إليه أن يقلد أباه ثم أمه، فانظر كيف يراك في البيت معه ومع أمه، وكيف يراك في المعاملة معه ومع الناس».
والأخطر: أن العادة السيئة التي يلتقطها الطفل من أحد والديه، حتى وإن لم يفعلاها أمامه سوى مرة واحدة، كافية لأن تزرع فيه معنىً سيئًا لا يتناساه بسهولة. (كريم الشاذلي: «الآن أنت أب»، ص:74).
كما أن هذه المحاكاة تتأثر بكل سلوكيات المربي الذي يشغل موقع القدوة بالنسبة للطفل، بأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، وإلى ذلك أشارت إحدى الدراسات أنه خلال أي اتصال بين الناس فإن 55% من الاتصال يكون بلغة الجسم، و38% من لحن الخطاب و7% من الكلمات المُستخدمة! فيلزم من ذلك التركيز على كل الأفعال والأقوال الصادرة عنه، حتى نغمات صوته ارتفاعًا وانخفاضًا وتناسبًا مع المواقف المختلفة؛ نظرًا لما تؤديه نغمات الصوت من رسائل يعيها الأبناء جيدًا مهما كانوا صغارًا؛ ولذلك تُعد التربية بالقدوة من أهم طرائق التربية؛ لأنها تحقق للمتربين إشباع خلَّة التقليد والمحاكاة الفطرية في نفوسهم، حيث يشعرون بكمال آبائهم، ومن يقومون عليهم بالتربية فيقلدونهم ويتشبَّهون بهم، إلى جانب أنها وسيلة لدفع المتربين نحو الفضائل والمحاسن من خلال تمثُّلها في القدوة، فما أن يجد الأبناء المثل الأعلى في المربي إلا أحبُّوه حبًّا عظيمًا، فينتقل من خلال التقليد، بدافع هذا الحب كل سلوك عظيم من القدوة إليهم. (د. عدنان با حارث، ملف التربية الأسرية للفتاة، موقع د. عدنان با حارث على شبكة الإنترنت).
وانتبه لكاميرات المراقبة!
فالأطفال يتعلمون بالقدوة ومحاكاة المثل العملي أكثر بكثير مما يظن ويتصور الوالدان؛ فالطفل يتأثر بنا ويقلد طريقتنا في التعامل، وعلاقتنا بالأقارب والجيران، وحديثنا عن زملائنا في العمل، دون أن نشعر نحن غالبًا بهذا الأمر، فاتجاهاتنا النفسية تصبح كلها هي اتجاهاته النفسية ذاتها، وعندما يبلغ السنة السادسة من عمره تقريبًا، يمكنه أن يحدد مدى التزام أهله بالتوجيهات التي يأمرونه بها، فإذا كان هناك تناقض، فالتلقين لن يثمر مع الولد، وإن استعملت معه جميع أنواع ووسائل التربية، إن لم توجد القدوة الصالحة التي تكون بمثابة ترجمة عملية للمعاني المجردة؛ لأنهم مهما سمعوا من المربين، فإنهم لن يحملوا في داخل أنفسهم سوى الصورة التي يرونها أمامهم من أنواع وأنماط السلوك، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وصدق الشاعر حيث يقول:
مَشَـى الطـاووسُ يومـًا باعْـوجاجٍ فـقـلدَ شكـلَ مَشيتـهِ بنـوهُ
فقـالَ: عـلامَ تختـالونَ؟ فقالـوا: بـدأْتَ بـه، ونحـنُ مقلـِـدوهُ
فخـالِفْ سـيركَ المعـوجَّ واعـدلْ فـإنـا إن عـدلـْتَ معـدلــوه
أمـَا تـدري أبـانـا كـلُّ فـرعٍ يجـاري بالخـُطـى مـن أدبـوه؟!
وينشَــأُ ناشـئُ الفتيــانِ منـا علـى ما كـان عـوَّدَه أبــــــوه
فمهما كانت المعارف شريفة، والمعلومات صحيحة، فإنها تفقد قيمتها الحقيقية بدون العمل والتطبيق، يقول الغزالي: «لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها، ولم يعمل بها، لا تفيده إلا بالعمل»، وفي ديننا الإسلامي يعتبر العلم بلا عمل مسلكًا من مسالك المنافقين؛ فإن من المتعذِّر على المتلبِّس بالنفاق أن يجمع بين العلم والعمل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان لا تجتمعان في منافق، حسن سمت، وفقه في الدين»(رواه الترمذي وصححه الألباني) (د. عدنان حسن باحارث: ملف التربية العلمية: موقع د. باحارث على شبكة الإنترنت).
القدوة إنما تؤثر، وتُحدث نتائجها؛ لأنها أفعال وصفات تعقب الأقوال والمبادئ التي ينادي بها المربي، فهو عندما يبادر إلى الصلاة والزكاة والصيام وأنواع العبادات، وإلى البر والصلة والإحسان، وإلى النظام والنظافة والتعاون، ويمتنع عن الزنا والربا والخمر والتدخين والفجور، والأم عندما تبادر إلى الحجاب والستر والطاعة، وتبادر إلى حسن المشي وغضّ البصر وتجنب الغيبة والنميمة، فإن الأبناء والمتربين الملاحظين سيحذون حذوهم؛ لأنهم يجدون في تلك الشخصيات سمات ثابتة، وصفات لاحقة تتلو أقوالهم ونصائحهم، والأمر يكون أشدّ تأثيرًا إذا كان التطبيق صعبًا ومع ذلك يتم، أو كان الوسط مخذّلًا ومع ذلك يُلتزم بالمبدأ، فإن النشء يكون أكثر قناعةً واتباعًا للمربين. (د. عبدالعزيز النغيمشي: علم النفس الدعوي: 221).
فالأطفال لا يدركون المعاني المجردة بسهولة، ولا يقتنعون بها بمجرد سماعها من المربي، بل لابد من المثال الواقعي المشاهد؛ لأنّ الموعظة إن لم تؤدَّ في أسلوبها الحي كانت بالباطل أشبه، وأنه لا يغير النفس إلا النفس التي فيها قوة التحويل والتغيير، كنفوس الأنبياء ومن سار في طريقهم، يُروى عن عبدالواحد بن زياد أنه قال: «ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه»(محمد أحمد الراشد: المنطلق، ص258، نقلًا عن: مصطفى صادق الرافعي: من وحي القلم 2/201).
ولكن عن أي قدوة نتكلم؟
لا شك في أن القدوة الحسنة في التربية هي القدوة التي لا تعاني ازدواجية في المعايير، أو انفصامًا وتناقضًا بين القول والعمل، فالتناقض هنا يكون خطره عظيمًا على المتربي؛ يقول الأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله تعالى ـ: «والدعوة إلى البرّ والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم، لكن في الدعوات ذاتها، وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم؛ لأنهم يسمعون قولًا جميلًا ويشهدون فعلًا قبيحًا؛ فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل، وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة، وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه الإيمان، ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم في علماء الدين...».(سيد قطب: في ظلال القرآن، ج/1ص254).
لماذا نؤكد على أهمية القدوة في تربية الطفل؟ لأن الطفل أمانة عند والديه وهما مسؤولان عنه أمام الله تعالى يوم القيامة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، حَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» (رواه النسائي وابن حبان، وصححه الألباني).
حاجة المتربي إلى النموذج العملي التطبيقي، وهذا الأمر لا يقتصر على الأطفال الصغار، بل يمتد إلى العنصر البشري عمومًا، لذلك جعل الله تعالى رسله إلى خلقه بشرًا أمثالهم؛ حتى يتمكنوا من الأخذ عنهم ومحاكاتهم، وجعلهم الله تعالى في درجة الكمال البشري، حتى يمثلوا القدوة والأسوة والنموذج والمثال الذي يحاكيه الناس، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلَّا رِجَالًا نُّوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: ٧].
لأن وعي المربي بدقة مركزه إذ يمثل القدوة لأبنائه أو تلاميذه سوف ينفعه أولًا؛ فمن عظمة التربية أنها تنفع المربي والمتربي معًا، إذ تفرض علينا التربية حدًّا أدنى من الانضباط لا يصح أن يقلّ المربي (القدوة) عنه، وذلك حتى يتهيأ للمتربي أن يأخذ عنه ويتعلم منه ويراه مثلًا أعلى. وبذلك يظل المربي متيقظًا لكل حركاته وسكناته وألفاظه، وهيئته، جدًّا وهزلًا، وفي حالة من المراجعة والتصحيح الدائم.
لأن التناقض والانفصام بين القول والفعل قبيح ترفضه النفوس السليمة، فقد ذم الله تعالى ومقت الذين تخالف أعمالهم أقوالهم بأقوى وأوضح العبارات، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: ٢، ٣]، وقال عليه الصلاة والسلام: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقي في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه»متفق عليه.
وأخيرًا عزيزي المربي:
تذكر كلمات الرافعي - رحمه الله - التي صاغ بها هذا القانون التربوي: «إنَّ رؤية الكبار شجعان هي وحدها التي تخرج الصغار شجعان، ولا طريقة غيرها في تربية شجاعة الأمة».
قد يكون من السهل أن تؤلف كتابًا في التربية، أو أن تضع منهجًا نظريًّا للتربية. ولكن كل النظريات والكتب ستظل حبرًا على ورق، ما لم تتحول إلى واقع عملي يمشي على الأرض. ما لم تتحول إلى بشر، وإلى قدوات صالحين منضبطين، يترجمون بسلوكهم وتصرفاتهم ومشاعرهم ذلك المنهج إلى حقيقة لا شك فيها.