الرئيسة   متابعات   ربة البيت هل وظيفتها مهمشة؟!

ربة البيت هل وظيفتها مهمشة؟!

 البيت هل وظيفتها مهمشة؟!.jpg
منذ أن خلق الله تعالى الأرض ومن عليها، وهناك سنن مادية واجتماعية وسلوكية تحكم سير هذا الكون وساكنيه. ومن آيات الله تعالى أنه خلق من كل شيء زوجين اثنين، حيث قال تعالى في محكم كتابه: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)سورة الذاريات49. كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)سورة النساء آية 1. والآيات والأحاديث عديدة في هذا الباب.
من حكمة الله تعالى أن جعل لكل من الزوجين مهام ووظائف، بعضها يشترك فيه الزوجان، وبعضها الآخر يختص به أحدهما دون الآخر. فعلى سبيل المثال، كلف الله تعالى الرجال بالنفقة على نسائهم، وجعلها حقا لهن واجبة عليهم، مهما كان الوضع الاقتصادي لهما. وفي المقابل، جعل الله تعالى مهام رعاية الأبناء، من رضاعة واهتمام وعناية مسؤولية الأم.
لا شك أن الله تعالى حينما جعل هذه الأحكام ضابطة للعلاقة بين الرجال والنساء، أنه خلق كل منهما بطباع فطرية متوافقة مع الدور المنوط به. فالرجال أعطاهم الله تعالى القوة البدنية، والقدرة على تحمل مشاق العمل؛ لأجل كسب العيش لأسرته. ولكن مهاما مثل رعاية الأبناء قد تكون من أشق الأعمال على الرجل، مهما بلغ من القوة والصبر والتحمل؛ لأن الطباع الفطرية التي تحتاجها تربية الأبناء تتوافر لدى النساء، وخاصة الأمهات، بقدر يفوق الرجال مرات عديدة.
ولعل الدور الأهم المنوط بالمرأة حينما تكون أُمَّا هو رعاية الأبناء، وتربيتهم. ومع أن للأب دورا مساندا ومهما في ذلك، إلا أن الدور الأكبر يبقى عليها، وهي القادرة نفسيا وجسديا على القيام به على الوجه المناسب. ونظرا لانشغال الأب خارج المنزل لكسب المعيشة، فإن الأم تقوم بأعمال المنزل، بحيث يكون هناك تكامل في الأدوار بينهما. وتقسيم الأدوار هذا عرفته البشرية منذ القديم، وطبقته المجتمعات البشرية على اختلاف أديانها وثقافاتها، انطلاقا من ملاءمة الدور الوظيفي لكل من الجنسين.
مع التطورات الصناعية في الدول الغربية، رأت تلك المجتمعات أنها بحاجة إلى مشاركة النساء العمل خارج المنزل مع الرجال. وصار نتيجة لذلك كسب العيش مسؤولية الزوجين، بدلا من الاعتماد على الزوج فقط لتحصيله. وبالتالي زادت الاعتمادية على مقدمي الخدمات المنزلية التعويضية (مثل رعاية الأطفال وحضانتهم، المطاعم، مغاسل الملابس).
كان الدافع بالطبع وراء هذا الأمر اقتصاديا بحتا في البدايات، لأن تلك الدول أرادت الحصول على أيد عاملة رخيصة، كانت النساء الخيار الأمثل لذلك. بل إن الفجوة في الأجور والرواتب بقيت بشكل ملحوظ حتى اليوم بين الرجال والنساء، الذين يشغلون الوظائف نفسها لصالح الرجال، رغم الدعاوى للمساواة، ومزاعم إلغاء الفروقات والتمييز بين الرجال والنساء!
صارت الإحصائيات الاقتصادية والاجتماعية تقيس إنتاجية الفرد ومشاركته في العمل بالانخراط في وظيفة تدر عليه دخلا ماديا. وبالتالي، فقد أخرجت "ربات المنازل" من حساب الأفراد المنتجين، والسبب ببساطة أنهن لا يتقاضين أجورا مادية مقابل عملهن هذا.
ومما زاد الطين بلة في تلك المجتمعات: أن الحركات النسوية المعاصرة كانت ومازالت تطالب النساء بالتساوي مع الرجال، وبالتحرر من الأدوار التقليدية للمرأة ومزاحمة الرجال في أعمالهم! حتى إن وظائف شاقة (مثل البناء ورصف الطرق وإطفاء الحريق) صارت تشارك فيها النساء إلى جوار الرجال.
للأسف، تأثرت كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية بتلك النظرة، فصار عمل المرأة خارج منزلها هدفا بذاته، وفي أي عمل، لدرجة أن بعض وسائل الإعلام تتفاخر بعمل النساء في وظائف لم يسبق لهن العمل فيها، مضيفة التعليق التالي: (وأصبحت المرأة قادرة على العمل جنبا إلى جنب مع الرجل في مجال كذا وكذا، بل وتستطيع التفوق عليه)! كل هذه الهالة التي تثار فقط لمنافسة مفتعلة بين الرجل والمرأة! وليس استجابة لحاجة المرأة للعمل أو لحاجة المجتمع لعملها. فضلا عن مدى مناسبة العمل لطبيعة المرأة.
ينبغي أن نهتم بدقة توصيف الأعمال، وألا ننساق خلف الرؤية المادية الغربية التي ترى إنتاجية المرأة مرتبطة بالدخل المادي الذي تحصل عليه فقط. ربة المنزل تقوم بأسمى عمل نوعي، فهي تربي الجيل القادم، والذي يحمل المسؤولية كاملة فالنظرة الاقتصادية المجردة تستبعد كثيرا من الرؤى القيمية والأخلاقية، وبالتالي فإن المقياس ينبغي أن يكون أكثر وعيا، وقياس الفائدة أكثر شمولا. فما يستفيده المجتمع من التربية النوعية المتميزة لا يقدر بالمال، ويصعب أن يقاس وفقا لرؤية تجعل الدخل معيارا للإنتاجية. ولعل أول خطوة يجب القيام بها في هذا المقام، هي استبعاد وصف "عاطلة" عن كل امرأة أو فتاة تعمل "ربة منزل"؛ لأنها منتجة، وبامتياز!