الرئيسة   مسائل علمية   البدعة والمصلحة

البدعة والمصلحة

 والمصلحة.jpg
من الأمور التي يرى الشَّاطبي وجوب توافرها في المجتهد: القدرةُ على التفريق بين المصالح والبدع، ولما أن كانت "الشريعة معناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها"[1]، كانت مجالًا خصبًا لأنظار المجتهدين وأذهان المتشربين بأحكام الشريعة وحكمها وغاياتها.

ولما أن كانت المصالح مفهومًا واسعًا لا حد له، بل تراه يرتبط بالأنظار ويختلف باختلاف الاجتهادات والآراء، ناسَب أن يعقد هذا المبحث ليضبط المصالح بضابط الشرع، وليحكم الأنظار بحكم الله؛ حتى لا تتشعب الآراء وتتهاوى إلى زلل الأقدام[2].

والمصلحة: أصلها في اللغة من صلح، وهو أصل يدل على خلاف الفساد، يقال: صلح بالضم وبالفتح، والمصلحة واحدة المصالح، واستصلح: نقيض استفسد[3].

والمصلحة عرفت في الاصطلاح: بأنها المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخَلق[4]، وعرفها الطوفي بأنها: جلب نفع، أو دفع ضر[5].

والبدع أصلها من بدع، ولها في اللغة أصلان:
أولهما: ابتداء الشيء وصُنعه لا عن مثال سابق.
وثانيهما: الانقطاع والكلال.
ومن الأول: يقال: ابتدعت كذا؛ أي: صنعته لا عن مثال سابق، ومن الثاني: يقال: أَبْدَعَتِ الراحلة إذا كلَّت وعطِبَت.
والبِدعة بالكسر هي الحدَث في الدين بعد الإكمال، وجمعها بِدَع كعِنَب[6].
والبدعة مأخوذة من كلا المعنيين؛ لأنها محدَثة لا عن مثال سابق، ولأنها طريق إلى الزيادة في التكليف، وقطع الظهر بالأحمال، فهي سبب للملل والتعب والمشقة.

وفي الاصطلاح ذكر لها الشَّاطبي تعريفين:
الأول: على رأي مَن لا يدخل العادات في معنى البدعة، وتعريفها على هذا الرأي أنها: عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.

الثاني: على رأي من يدخل العادات في معنى البدعة، وهي على هذا الرأي: عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية[7].
ولم يرجح الشَّاطبي أحد الرأيين، إلا أنه في موضع آخر رأى أن الأمور العادية لا بد أن يكون فيها من شائبة التعبد.

قال الشَّاطبي: "ثبت في الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد؛ لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به، أو المنهي عنه، فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته، أو مفسدته، فهو المراد بالعادي؛ فالطهارات، والصلوات، والصيام، والحج: كلها تعبدية، والبيع، والنكاح، والشراء، والطلاق، والإجارات، والجنايات: كلها عادي؛ لأن أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد؛ إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خِيرة للمكلف فيها..."، ثم قال: "وإذا كان كذلك، فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية في ذلك الوجه، صح دخولُه في العاديات كالعباديات، وإلا فلا"[8].
فيلاحظ مِن هذا أن الشَّاطبي يختار التعريف الثاني، وإن كان لا يطلق القول فيه، بل يقيِّده[9].

رأي الشَّاطبي:
أبان الشَّاطبي عن أهمية هذا المبحث؛ وذلك لما بين البابين من تشابه أدى بكثير من الناس إلى استحسان البدع، بل ونسبتها للشرع، فضلًا عن الصحابة والتابعين[10].

ولأجل هذا التشابه، ولما أن كان الموضع مزلة قدم وموضع وهم، ومستندًا لأهل البدع، ولما أن كان ذلك من اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة[11]، ولما أن كان الخلط قد يقع من المجتهد فيفتح بابًا في الشرع لا سبيل لإغلاقه - كان من الواجب عليه معرفة الفرق بينهما؛ حتى لا ينسب للشرع ما ليس منه، وحتى يحذر من مخالفة السلف الصالح؛ فإن مخالفتَهم ضلالةٌ في الدِّين.

قال الشَّاطبي ضمن كلام بديع في الرد على مَن تعلق ببعض الحوادث التي لا تعلق لها بالبدع: "وهو كله[12] خطأ في الدين، واتباع لسبيل الملحدين؛ فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك وعبروا على هذه المسالك، إما أن يكونوا أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون، أو حادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب؛ إذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدَثات لم تكُنْ منهم ولا عملوا بها، فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال"[13].

وقد أوضح الشَّاطبي عن وجه الفرق بين المصالح والبدع، وقدم ذلك بمقدمة ذكر فيها أن المناسب على أقسام[14]:
القسم الأول: أن يشهد الشرع بقبوله؛ فهو مقبول باتفاق[15]؛ وذلك كالقِصاص حفظًا للنفوس والأطراف.

القسم الثاني: أن يشهد الشرع برده؛ فهو مردود باتفاق[16]؛ وذلك كمن أفتى السلطانَ الذي واقع في نهار رمضان بصيام شهرين متتابعين، وعلل بأن المقصود بالكفارة الزجرُ، وهو قادر على العتق فلا ينزجر به[17]، فهذا مناسب من تلك الجهة، ولكنه مخالف للأدلة الشرعية.

القسم الثالث: أن يكون مما لم يرد بخصوصه دليل معين يشهد بقبوله أو رده، فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون غير ملائم لتصرفات الشرع، وذلك كما لو لم يرد دليل معين على منع القاتل من الميراث[18]، فعومل القاتل بنقيض قصده، فمنع من الميراث، فمنعه لا يلائم تصرفات الشرع[19].

الحالة الثانية: أن يكون ملائمًا لتصرفات الشرع، وهو ما شهدت له عمومات الأدلة، وهو ما يسمى بالمصالح المرسلة[20]، ومن هذا ما فعله الصحابة من جمع المصحف، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، ونحو ذلك[21].

إذا عُرف هذا، فضوابط العمل بالمصالح المرسلة تتضح ببيان الفروق بين المصالح المرسلة والبدع، وهي كما يلي:
الفرق الأول: أن المصالح تكون ملائمة لمقاصد الشرع، أما البدع فإنها لا تكون ملائمة لمقاصد الشرع، وغاية أمرها أحد وجهين:
الأول: أن تكون مما شهد الشرعُ برده.
الثاني: أن تكون مما سكت عنه الشرع فلم يرد فيه دليل معين، ولكن إذا عرضت على أدلة الشرع الإجمالية، علم عدم ملاءمتها لمقصود الشرع.
وهذان القسمان غير معتبرين بالإجماع.

ولا يمكن إلحاق القسم الثاني بالمأذون فيه باعتباره مسكوتًا عنه؛ لأنه لا يلائم تصرفات الشارع، وإلحاق هذا بالمأذون فيه مخالفة للإجماع على رده وعدم اعتباره وقبوله.

كما أن ما كان مبناه على التعبد ليس كالحكم إذا عقل معناه، فما عقل معناه يمكن أن يحمل على الإذن بخلاف ما لا يعقل معناه؛ لأن ما لا يعقل معناه لا يمكن أن يهتدي العقل له ولا لوجه القربة فيه، بخلاف ما عقل معناه؛ فإنه يمكن التوصل إلى وجه القربة فيه[22].

الوجه الثاني: أن البدع مخالفة للمصالح المرسلة في الموضوع؛ فالمصالح المرسلة لا تكون إلا فيما يعقل معناه على جهة التفصيل، فلا تدخل في العبادات المحضة، بخلاف البدع؛ فإنها تدخل في العبادات، ولا تدخل فيما يعقل معناه، كالمعاملات وسائر العادات على جهة الأصالة، ولو دخلته فإنها تدخل فيه من جهة ما فيه من التعبد، لا مطلقًا[23].

وعلة كون المصالح لا تدخل التعبدات واضحة لمن تأمل الأحكام التعبدية؛ فإن من تأملها رأى أنها وضعت لمعانٍ تخفى على العقول؛ كالوضوء، والصلاة، والصيام، والحج، ونحو ذلك.

فانظر - مثلًا - إلى أحكام الطهارة، ترى الاختلاف والتنوع في الأحكام، الذي لا يمكن للعقل أن يتدخَّل فيه؛ فالبول والغائط نجسان، ويجب بهما إذا خرجا الوضوءُ في الأعضاء المعروفة، بخلاف المني ودم الحيض، فيجب من خروجهما غسل جميع الجسد، ثم الوضوء واجب إذا أحدث الإنسان ولو كان نظيفًا، ولا يجب إذا لم يُحدِث، ولو لم يكن نظيفًا، والتراب يقوم مقام الماء مع أن شأنه التلويث بخلاف الماء.

وهذه أوقات الصلوات حددت بوقت معين لا يجوز تجاوزه، وشرع لها أذكار مخصوصة لا يزاد فيها ولا ينقص، وهذه أعداد الركعات، والركوعات، والسجدات، ونحو ذلك.

وهكذا عامة التعبدات؛ ولذا فالاستقراء في التعبدات أثبت قطعًا أن للشارع فيها قصدًا وحكمة، ولكن الشارع قصد للمكلف أن يقف عندها، ويعزل عنها نظره الاجتهادي، وأن يسلم الأمر للشارع، إلا في بعض المواضع التي عقل لها معنى يعتبر به، وأما إن أشكل الأمر فعلى المجتهد الرجوع إلى الأصل؛ فهو العروة الوثقى من الزيغ والبدع[24].

أما العادات، فإنها معقولة المعنى، فيمكن للمجتهد فهمُ المعاني المصلحية مع مراعاة المقاصد الشرعية، وذكر الشَّاطبي أن هذا التفريق متفق عليه بين الأمة إلا الظاهرية؛ فإنهم لا يفرقون بين العادات والمعاملات، بل الكل عندهم من باب التعبد؛ فهم أولى من غيرهم بأصل المصالح، فضلًا أن يعتقدوا المصالح المرسلة[25].

الفرق الثالث: أن المصالح المرسلة ترجع إلى أحد أمرين:
إما إلى حفظ أمر ضروري، أو إلى رفع حرج لازم في الدين.
فإن رجعت إلى حفظ أمر ضروري، فهي من باب: ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهي من باب الوسائل لا المقاصد، وإن رجعت إلى رفع الحرج، فهي من باب التخفيف لا التشديد.

أما البدع فليست كذلك؛ إذ هي من باب الوسائل؛ لأنها عبادة عند مَن رآها، ولا تكون حفظًا لضروري، ولأنها زيادة في التكليف، وذلك مضاد للتخفيف[26].
وبهذا افترقتا في معناهما، ومآلهما، وموضوعهما، فلا وجه للخلط بينهما، ولا للجمع بينهما[27].

أما عن موقف الأصوليين من رأي الشَّاطبي، فلم أقف - بعد البحث - على أحد وافق الشَّاطبي في رأيه، أو خالفه، ولكن يمكن أن نقول: إن من لم يرَ العمل بالمصالح المرسلة لا يرى رأي الشَّاطبي، ومن يرى العمل بها فيلزم على قوله معرفة حدودها على المجتهد؛ لأنها عنده مستند للحكم الشرعي، وواجب على المجتهد معرفة أدلة الأحكام، وعلى القول بأن الجميع قائلون بالمصالح، وآخذون بها، فيكون هذا من لازم قول الجميع، فيلزَم - على قولهم - معرفة حدود المصالح المرسلة، وشرائطها، وضوابطها، وفي ذلك كفاية لمعرفة الفرق بين المصالح المرسلة والبدع؛ لأن الفرق بينهما ما هو في حقيقته إلا ضوابط العمل بالمصالح.

ولكن يمكن أن يقال: إن من قسم البدع إلى حسنة وقبيحة لم يرَ فرقًا بين المصالح والبدع؛ ولذا سوَّى بينهما في الحكم، وبالتالي لا يلزم المجتهد على قوله أن يعرف الفرق بينهما[28].

وتقسيم البدع إلى حسن وقبيح أو إلى الأحكام التكليفية هو رأي العز بن عبدالسلام[29]، وتبعه تلميذه القرافي[30]، وابن جزي[31]، والزركشي[32]، وابن حجر[33]، وابن حجر الهيتمي[34]، والسخاوي[35]، والسيوطي[36]، ونقله عن العز النووي[37]، وابن السبكي[38]، ولم ينكرا عليه، وذكر بعضهم أنه رأي للشافعي؛ لقوله: "البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو المحمود، وما خالف السنة فهو مذموم"، واحتج بقول عمر: (نعم البدعة هذه)[39]، وذكر أنه رأي للخطابي؛ لقوله: "أما ما كان منها مبنيًّا على قواعد الأصول ومردودًا إليها، فليس ببدعة ولا ضلالة"[40].

ولا ريب أن ما كان موافقًا لشرطي الشافعي، والخطابي، لا ينبغي أن يطلق عليه بدعة شرعًا؛ ولذا فلا يكون كلامهما مضمومًا مع من يريد استحسان البدع التي لا تكون مبنية على أصول الشرع، ولا موافقة للسنَّة بحال، وإنما صح لهما إطلاق لفظ البدعة على ما ذكرا من باب اللغة لا الشرع.

وقد ذكر الشَّاطبي أن العز بن عبدالسلام سمى المصالح بدعًا، وهذا بناءً على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع، فهو إذًا يقسم المصالح هذا التقسيم ويسميها بدعًا[41]، أما القرافيُّ حينما نقل هذا التقسيم على أنه للبدعة بالمعنى الشرعي، فإنه نقله دون تأمل ودون فهم لمراد العز بن عبدالسلام، وقد خالف بذلك إجماعَ الأمة[42].

وما قاله الشَّاطبي عن القرافي يمكن أن يعمم على كل من نقل التقسيم، ما لم يكن مراده بذلك تقسيم المصالح عمومًا، وهذا قد يفيده كلام بعضهم؛ كقول ابن حجر: "فالبدع في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة؛ فإن كل شيء أحدث على غير قياس يسمى بدعة، سواء كان محمودًا أو مذمومًا"[43]، ثم بعد قوله هذا ذكر تقسيم البدعة نقلًا عن العز، وهذا يفيد أن هذا التقسيم أشبه باللغة منه بالشرع.

وإذا اتضح ما سبق، تبين أن القول بالتقسيم قول لا مستند له، وأن السلف، وأكثر الأمة، لا يقسمون البدع، بل هي كلها عندهم مذمومة، ومن حسَّن بدعة فمراده بالبدعة البدعة اللغوية، أو أن مراده بالبدع المصالح.
وإذا ثبت هذا ثبت أن من اللازم على المجتهد التفريق بين المصالح والبدع، وهو ما قرره الشَّاطبي، والله أعلم.

أدلة الشَّاطبي ومن وافقه:
ناقش الشَّاطبي أدلة من لا يرى التفريق بين المصالح والبدع، ومن خلال مناقشته تتضح لنا أدلة الشَّاطبي على التفريق بين المصالح والبدع، وهي أيضًا أدلته على وجوب معرفة الفرق بينهما على المجتهد، وهي كما يلي:
الدليل الأول: أن المصالح ليست من باب البدع، وبيان ذلك أن ما لم يرد بخصوصه دليل معين يشهد بقبوله أو برده، فهذا على وجهين؛ الأول: أن يكون غير ملائم لتصرفات الشرع، وهذا مردود بالاتفاق، والثاني: أن يكون ملائمًا لتصرفات الشرع، وهو ما شهدت له عمومات الأدلة الشرعية، ومن هذا المصالح المرسلة؛ فهي من باب الملائم لتصرفات الشرع، وأما البدع فهي بخلاف ذلك؛ إذ ليست من باب الملائم، وإنما من باب ما شهد الشرع برده فحصل الفرق[44].

الدليل الثاني: أن من استدل بالمصالح على بدعة، فلا يخلو من حالين:
أن يكون ما ادعاه موجودًا في عمل الأقدمين، أو لا يكون كذلك، فإن كان موجودًا فليس محل الفرض، وإن لم يكن موجودًا، فلا يخلو: أن يكون ما توصل إليه قد توصل إليه السلف، وعرَفوه من مأخذ الأدلة أو لا؟، فإن كان غير موجود عندهم كما يزعم، فلا يخلو: أن يكون السلف قد غفلوا عنه، وأهملوه، وجهلوا به أو لا.

فإن زعم جهلهم به وغفلتهم عنه، كان ذلك فضحًا له، وإشارة لجهله؛ لأنه ادعى علم ما جهلوه، وإن زعم عدم غفلتهم فهو قد خرق الإجماع؛ لأن السلف قد أجمعوا على تركه، فخالفهم، وإن زعم أنهم لم يتوصلوا إليه فهو كمن زعم جهلهم.

وإن زعم توصُّلهم إليه فلم يعملوا به، فتركُهم له لا شك أنه من باب الخطأ، ولا يصح أن يجمعوا على خطأ، ثم كيف يتتابع السلف على تركه حتى يبينه هذا الزاعم، هذا ما لا يصح ولا يمكن أبدًا[45].

الدليل الثالث: أن هذا المعنى الذي اخترعه المخترع، وتركه السلف الصالح وأهملوه، لا يخلو من حالتين:
أولًا: أن يكون تركهم له لمعنى.
ثانيًا: أن يكون تركهم له لغير معنى.
والثاني باطل؛ لأنه لا يمكن إهمالهم لفعل فيه قربة للشرع، أو إصلاح للخَلق، وهم أهل العلم والفقه، فلم يبقَ إلا أن يكون إهمالهم له لمعنى، وحينئذ فالعمل على ما أهملوه مخالفةٌ لهم، ولا خير في مخالفة السلف، بل هو الضلال بعينه[46].

الدليل الرابع: أن ما سكت عنه السلف على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون مسكوتًا عنه في زمن النبوة مع وجود مظنة العمل ولم يشرع له أمر خاص، فهذا النوع لا سبيل إلى مخالفة أمر الشرع فيه؛ لأن سكوته عنه لا بد وأن يكون لمعنى، وحينئذ يلزمنا إهماله، ومن عمل به كان مخالفًا للشرع، ومبتدعًا فيه ما ليس منه.

الوجه الثاني: أن يكون مسكوتًا عنه، ولا مظنة للعمل به في زمن الرسالة، بل توجد المظنة بعد ذلك، فيشرع له أمر زائد ملائم لتصرفات الشرع، فهذا هو ما يسمى بالمصالح المرسلة، والعمل بها حق، وهي من أصول الشريعة الراجعة إلى الأدلة الشرعية[47].

أدلة مَن لا يرى وجوب التفريق بين المصالح والبدع من منظور الشَّاطبي، ورده عليها:
لما أن كان يلزم من القول بتقسيم البدع والاستدلال بالمصالح المرسلة عليها عدم التفريق بين البدع والمصالح الشرعية، وعدم وجوب معرفة هذا الفرق بالنسبة للمجتهد، تعرض الشَّاطبي لأدلة من يتمسك بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه من تحسين البدع، أو أن منها ما هو حسن وما هو قبيح، ثم ناقشها وبيَّن موضع الحق في المسألة، وفيما يلي عرض الأدلة:
الدليل الأول: أن السلف الصالح اخترعوا أشياء لم تكن في زمن النبوة؛ كجمع المصحف، وتصنيف الكتب، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، فدل ذلك على جواز إحداث ما لم يكن، وإذا كان هذا من باب المصالح المرسلة، فإن المصالح والبدع من باب واحد، فهما ينبعان من معين واحد، ومعناهما راجع إلى أصل واحد، فهما يرجعان إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين في الشرع، وليس هو من باب ما يمكن فيه القياس.

وإذا كان الأمر كذلك، فمن اعتبر المصالح لزمه اعتبار البدع المستحسنة، ومن رد البدع المستحسنة لزمه رد المصالح المرسلة[48].

مناقشته:
ناقش الشَّاطبي ذلك: بأن المصالح ليست من باب البدع، وبيان ذلك يتضح ببيان أقسام المناسب، وهي باختصار:
أولًا: أن يكون قد شهد الشرع بقبوله، فهذا محل وفاق في إعماله.

ثانيًا: أن يكون قد شهد الشرع برده، فهذا محل وفاق في رده.

ثالثًا: ما لم يرد بخصوصه دليل معين يشهد بقبوله أو برده، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون غير ملائم لتصرفات الشرع، وهذا مردود بالاتفاق، والثاني: أن يكون ملائمًا لتصرفات الشرع، وهو ما شهدت له عمومات الأدلة الشرعية، وهذا هو ما يسمى بالاستدلال المرسل، أو بالمصالح المرسلة، وعلى هذا القسم تتنزل الأمثلة المذكورة عن الصحابة؛ كجمع الصحابة للمصحف، وتصنيف الكتب، وتدوين الدواوين، وغير ذلك، فظهر بهذا أن المصالح من باب الملائم لتصرفات الشرع، والبدع بخلاف ذلك؛ فليست من باب الملائم، وإنما من باب ما شهد الشرع برده، فحصل الفرق[49].

الدليل الثاني: أن البدع من باب المسكوت عنه شرعًا وعند السلف الأولين، وإذا كان مسكوتًا عنه فلا يقتضي مخالفة ولا موافقة، وعلى هذا فإذا وجدنا له مساغًا في الشرع، فلا مخالفة فيه، بل عملنا به لما فيه من المصلحة، وإن لم يكن فيه مصلحة ولم نجد له مساغًا في الشرع أهملناه، وإن لم نجد لا هذا ولا هذا، فهو كسائر المباحات إعمالًا للمصالح المرسلة[50].

مناقشته: ناقش الشَّاطبي هذا الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن من استدل بالمصالح على بدعة، فلا يخلو من حالين:
أن يكون ما ادعاه موجودًا في عمل الأقدمين، أو لا يكون كذلك، فإن كان موجودًا فليس محل الفرض، وإن لم يكن موجودًا، فلا يخلو:
أن يكون ما توصل إليه قد توصل إليه السلف، وعرفوه من مأخذ الأدلة، أو لا، فإن كان غير موجود عندهم كما يزعم، فلا يخلو: أن يكون السلف قد غفلوا عنه، وأهملوه، وجهلوا به، أو لا، فإن زعم جهلهم به وغفلتهم عنه كان ذلك فضحًا له وإشارة لجهله؛ إذ كيف يدعي علم ما جهلوه، وإن زعم عدم غفلتهم فهو قد شهد على نفسه بخرق الإجماع؛ إذ هم قد أجمعوا على تركه فخالفهم، وإن زعم أنهم لم يتوصلوا إليه، فهو كمن زعم جهلهم.

وإن زعم توصُّلهم إليه فلم يعملوا به فتركهم له خطأ، ولا يصح أن يجمعوا على خطأ، وكيف يتتابعون على تركه حتى يبينه هذا الزاعم، هذا ما لا يصح، ولا يمكن أبدًا[51].

الوجه الثاني: أن هذا المعنى الذي اخترعه المخترع وتركه السلف الصالح وأهملوه لا يخلو من حالتين:
أولًا: أن يكون تركهم له لمعنى.
ثانيًا: أن يكون تركهم له لغير معنى.
والثاني باطل؛ لأنه لا يمكن إهمالهم لفعل فيه قربة للشرع، أو إصلاح للخَلق، وهم أهل العلم والفقه، فلم يبقَ إلا أن يكون إهمالهم له لمعنى، وحينئذ فالعمل على ما أهملوه مخالفة لهم، ولا خير في مخالفة السلف، بل هو الضلال بعينه[52].

الوجه الثالث: أن المسكوت عنه على وجهين:
الأول: أن يسكت عنه في زمن النبوة مع وجود مظنة العمل ولم يشرع له أمر خاص، فهذا النوع لا سبيل إلى مخالفة أمر الشرع فيه؛ لأن سكوته عنه لا بد وأن يكون لمعنى، وحينئذ يلزمنا إهماله، ومن عمل به كان مخالفًا للشرع، ومبتدعًا فيه ما ليس منه.

الثاني: أن يسكت عنه ولا مظنة للعمل به في زمن الرسالة، بل توجد المظنة بعد ذلك، فيشرع له أمر زائد ملائم لتصرفات الشرع، فهذا هو ما يسمى بالمصالح المرسلة، والعمل بها حق، وهي من أصول الشريعة الراجعة إلى الأدلة الشرعية[53].

الدليل الثالث: أن الأدلة إذا جاءت بالإذن فإنها مطلقة، وإذا كانت كذلك جاز لنا أن ندرج فيها ما نرى أنه حسن، ولم يكن واجبًا تقييد ذلك بالنظر في عمل السلف، لأن المطلق قابل لكل تقييد[54].

مناقشته: ناقش الشَّاطبي هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أن من المقرر في أصول الفقه أن المطلق إذا وقع العمل به، وتقيد على وجه، لم يكن حجة في غيره، وبما أن المطلق قد تقيد مطلقه بالعمل فلا مزيد عليه[55].
جوابه: يمكن أن يجاب بأن بعض الأصوليين ذكر أن في المسألة قولين[56].

الوجه الثاني: أن المطلق إذا لُحظ أن السلف قد أعملوه في جانب واستمر عملهم عليه، دل على أنهم أهملوا جانبه الآخر لمعنى، فلم يجز مخالفتهم فيما أعملوه فيه، إلا بدليل يفيد ذلك[57].

[1] إعلام الموقعين (3/ 11).
[2] لاحظ مجموع الفتاوى (11/ 342) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 598).
[3] انظر: معجم مقاييس اللغة (3/ 303) القاموس المحيط (293) كلاهما مادة: "صلح".
[4] البحر المحيط (6/ 76).
[5] شرح مختصر الروضة (3/ 204).
[6] انظر: معجم مقاييس اللغة (1/ 209) القاموس المحيط (906) كلاهما مادة: "بدع".
[7] انظر: الاعتصام (1/ 28 وما بعدها شرح للتعريفين)، وانظر لتعريف البدعة: الباعث على إنكار البدع والحوادث (24) تهذيب الأسماء واللغات (3/ 22) قواعد الأحكام (2/ 172) مجموع الفتاوى (4/ 107 - 108) التعريفات (43) جامع العلوم والحكم (289) الفتاوى الحديثية (281) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (81) الإبداع في مضار الابتداع (26) شرح لمعة الاعتقاد (23) حقيقة البدعة وأحكامها (1/ 252 وما بعدها 352 وما بعدها).
[8] الاعتصام (2/ 329، 368).
[9] انظر: حقيقة البدعة وأحكامها (1/ 254 وما بعدها) ففيه شرح لتعريف الشاطبي، ومناقشة لمن ناقش تعريف الشاطبي.
[10] انظر: الاعتصام (1/ 129، 2/ 359) الموافقات (3/ 41، 283).
[11] انظر: الاعتصام (2/ 351) الموافقات (3/ 283 - 284).
[12] أي: الاستدلال بالمصالح المرسلة على البدع.
[13] الموافقات (3/ 284).
[14] انظر: تقسيم المصالح والمناسب في: المحصول (5/ 166، 6/ 162) نفائس الأصول (7/ 3269) شرح تنقيح الفصول (446) السراج الوهاج (2/ 996) مختصر المنتهى مع بيان المختصر (3/ 122، 125 - 127) نهاية الوصول (8/ 3997) شرح مختصر الروضة (3/ 205) نهاية السول (4/ 91) الإبهاج (3/ 62) تقريب الوصول (405) تشنيف المسامع (3/ 296) شرح الكوكب المنير (4/ 180) إرشاد الفحول (368).
[15] نقل الاتفاق في المحصول (5/ 166) نهاية الوصول لابن الساعاتي (2/ 632) نهاية الوصول (8/ 3996) شرح الكوكب المنير (3/ 205).
[16] نقل الاتفاق في المحصول (5/ 167) الإحكام (3/ 285) مختصر المنتهى مع بيان المختصر (3/ 123) السراج الوهاج (2/ 997) نهاية الوصول (3/ 3997) الكاشف (6/ 349) الإبهاج (3/ 63) شرح العضد (2/ 242) تشنيف المسامع (3/ 298) تقريب الوصول (408).
[17] نقلت هذه الفتوى عن يحيى بن يحيى الليثي المالكي، أفتى بها عبدالرحمن بن الحكم الأموي، وقد دافع عن هذه الفتوى القرافي، ووجهها المطيعي، فانظر لها: الاعتصام (2/ 352 - 353) الموافقات (3/ 186) ترتيب المدارك (1/ 314) شفاء الغليل (219) المحصول (6/ 162) الإحكام (3/ 285) نفائس الأصول (7/ 3275، 9/ 4086) نهاية السول ومعه سلم الوصول (4/ 93) الإبهاج (3/ 64) شرح العضد (2/ 244) غاية الوصول (124) شرح الكوكب المنير (4/ 180).
[18] ومما ورد في ذلك ما رواه أبو داود في سننه كتاب الديات باب ديات الأعضاء (4/ 691/ 4564) والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الفرائض باب لا يرث القاتل (6/ 220) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: ((ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثُه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتلُ شيئًا))، ورواه النسائي في السنن الكبرى كتاب الفرائض باب توريث القاتل (4/ 79/ 6367) والدارقطني في سننه كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك (4/ 237) والبيهقي في الموضع السابق بلفظ: ((ليس للقاتل من الميراث شيء))، وصححه الألباني بمجموع طرقه في إرواء الغليل (6/ 117).
[19] وهو مردود بالاتفاق في هذه الحالة؛ انظر: شفاء الغليل (188) نهاية الوصول لابن الساعاتي (2/ 633) مختصر المنتهى مع بيان المختصر (3/ 123) السراج الوهاج (2/ 997) شرح الكوكب المنير (4/ 181).
[20] انظر للكلام على المصالح المرسلة: البرهان (2/ 721) قواطع الأدلة (2/ 259) المستصفى (1/ 284) شفاء الغليل (207، 211) التنقيحات (316) الوصول (2/ 286) روضة الناظر (1/ 340) الإحكام (4/ 160) مختصر المنتهى مع بيان المختصر (3/ 123، 127) شرح تنقيح الفصول (446) نفائس الأصول (9/ 4082) نهاية الوصول (3/ 3996) شرح مختصر الروضة (3/ 204) المسودة (450) مجموع الفتاوى (11/ 344) شرح العضد (2/ 242، 289) نهاية السول (4/ 386) الإبهاج (3/ 60، 178) البحر المحيط (6/ 76) التوضيح لمتن التنقيح (2/ 151) شرح الكوكب المنير (4/ 169، 433) تيسير التحرير (4/ 171) فواتح الرحموت (2/ 226) إرشاد الفحول (403).
[21] انظر: الاعتصام (2/ 352 - 354)، وقد أطال الشاطبي في التفصيل وذِكر الأمثلة.
[22] انظر: الاعتصام (2/ 368) الموافقات (1/ 32 - 33، 3/ 41 - 42).
[23] انظر: الاعتصام (2/ 364 - 368) الموافقات (3/ 285).
[24] أطال الشاطبي في التمثيل والتقرير بأكثر مما هنا؛ انظر: الاعتصام (2/ 364 - 367).
[25] انظر: الاعتصام (2/ 366 - 367).
[26] انظر: الاعتصام (2/ 367 - 368).
[27] انظر لهذه الفروق: الإبداع في مضار الابتداع (83) أدلة الأحكام عند الشاطبي (129) التعليل بالمصلحة عند الأصوليين (346) حقيقة البدعة وأحكامها (2/ 187) علم أصول البدع لعلي بن حسن الأثري (225).
[28] أشار إلى هذا الشاطبي؛ انظر: الموافقات (3/ 283) الاعتصام (2/ 351).
[29] انظر: قواعد الأحكام (2/ 172) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 251).
[30] انظر: الفروق (4/ 202) وتبعه صاحب تهذيب الفروق (4/ 217).
[31] انظر: القوانين الفقهية (19).
[32] انظر: المنثور في القواعد (1/ 218).
[33] انظر: فتح الباري (4/ 253، 13/ 254) منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة (3/ 1432).
[34] انظر: الفتاوى الحديثية (150).
[35] انظر: فتح المغيث (2/ 58، 3/ 161).
[36] انظر: الحاوي في الفتاوي (1/ 192، 348) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (89).
[37] انظر: تهذيب الأسماء واللغات (3/ 22).
[38] انظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/ 251).
[39] رواه عنه أبو نعيم في حلية الأولياء (9/ 113) ونقله عنه ابن حجر في فتح الباري (13/ 253) والسيوطي في الأمر بالاتباع (89)، وقول عمر - رضي الله عنه - سبق تخريجه (ص 410).
[40] معالم السنن (5/ 14).
[41] انظر: الاعتصام (1/ 139)، وما ذكره الشاطبي ظاهر لمن تأمل كلامه، لا سيما ما نقله عنه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (8/ 251).
[42] انظر: الاعتصام (1/ 139)، وقد ناقش الشاطبي هذا التقسيم مناقشة مطولة، وانظر لذلك: الموافقات (4/ 38) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 586 وما بعدها) حقيقة البدعة وأحكامها (1/ 379).
[43] فتح الباري (13/ 253)، وانظر قريبًا من هذا لابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (280 - 281).
[44] انظر: الاعتصام (2/ 352 - 354).
[45] انظر: الموافقات (3/ 280 - 281، 284)، وانظر شيئًا من ذلك في: الباعث على إنكار البدع والحوادث (71) مجموع الفتاوى (4/ 157 - 158، 5/ 7 - 8).
[46] انظر: الموافقات (3/ 253).
[47] انظر: الموافقات (3/ 39 - 40، 285) الاعتصام (1/ 133 - 135)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 598).
[48] انظر: الموافقات (3/ 283) الاعتصام (2/ 351).
[49] انظر: الاعتصام (2/ 352 - 354).
[50] انظر: الموافقات (3/ 160 - 161، 284 - 285)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 586).
[51] انظر: الموافقات (3/ 280 - 281، 284) وانظر شيئًا من ذلك في: الباعث على إنكار البدع والحوادث (71) مجموع الفتاوى (4/ 157 - 158، 5/ 7 - 8).
[52] انظر: الموافقات (3/ 253).
[53] انظر: الموافقات (3/ 39 - 40، 285) الاعتصام (1/ 133 - 135) وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 598).
[54] انظر: الموافقات (3/ 285 - 286) وانظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (71).
[55] انظر: الموافقات (3/ 285 - 286).
[56] انظر لذلك: البحر المحيط (3/ 433، 435).
[57] الموافقات (3/ 285 - 286).


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/117405/#ixzz4lfMiorVi