الرئيسة   متابعات   الحج ..سنن وآداب ...

الحج ..سنن وآداب ...

 سنن وآداب.jpg
السنن والآداب التي ينبغي على الحاج أن يتحلى بها, سواء ما كانت السنة في الأصل منسكاً مستقلاً بذاته كالمبيت بمنى يوم التروية, والتلبية, أو كانت سنن تضمنتها مناسك أخرى من الأركان أو الواجبات وغيرها, ونستعين بالله فنقول:
سنن الإحرام:
يستحب لمن أراد الإحرام أن يتعاهد شاربه وأظفاره وعانته وإبطيه، فيأخذ ما تدعو الحاجة إلى أخذه؛ لئلا يحتاج إلى أخذ ذلك بعد الإحرام وهو محرم عليه؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- شرع للمسلمين تعاهد هذه الأشياء كل وقت؛ كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْآبَاطِ)1.
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً"2.
وأما اللحية فيحرم حلقها أو أخذ شيء منها في جميع الأوقات, بل يجب إعفاؤها وتوفيرها؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ)3.
ثم يَشرع لمن أراد الإحرام الاغتسال, ولو كانت المحرمة حائضاً أو نفساء؛ لقوله –صلى الله عليه وسلم-: (النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ, وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ)4.
ثم يلبس الذكر إزاراً ورداء, ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين، ويستحب أن يحرم في نعلين؛ لقول عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "انْطَلَقَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ"5. ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ)6.
وبعد الفراغ من الغسل والتنظيف ولبس ثياب الإحرام، ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة, ويشرع له التلفظ بما نوى, وهذا في الإحرام خاصة لوروده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأما الصلاة والطواف وغيرهما فلا يتلفظ في شيء منها بالنية.
فإن كانت نيته العمرة قال: "لبيك عمرة" أو "اللهم لبيك عمرة" وإن كانت نيته الحج قال: "لبيك حجاً" أو "اللهم لبيك حجاً"؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك, والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة أو غيرهما؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أهلَّ بعد ما استوى على راحلته وانبعثت به من الميقات للسير، هذا هو الأصح من أقوال أهل العلم7. ويستحب للمحرم الاشتراط إن كان خائفاً, وإلا فلا؛ جمعاً بين الأخبار.
والقران أفضل من التمتع إن ساق هدياً وهو إحدى الروايتين عن أحمد, وإن اعتمر وحج في سفرتين أو اعتمر قبل أشهر الحج فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة، ومن أفرد العمرة بسفرةٍ ثم قدم في أشهر الحج فإنه يتمتع8.
ويستحب له أن يوقع نية الإحرام عقب صلاة فريضة أو نافلة, قال شيخ الإسلام: "ويستحب أن يحرم عقب صلاة, إما فرض, وإما تطوع إن كان وقت تطوع في أحد القولين, وفي الآخر إن كان يصلي فرضاً أحرم عقبه, وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه وهذا أرجح"9.
التلبية:
ويشرع للمحرم التلبية فهي من سنن الحج وتشرع بعد انعقاد النية عقب لبس ثياب الإحرام, ولا يقطعها إلا عند رمي جمرة العقبة, وصيغتها أن يقول: "لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك" فيُهلُّ بها (أي يرفع بها صوته), والمرأة ترفع بها صوتها بقدر ما يسمعها من بجانبها, ويستحب الاقتصار على تلبية النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا زاد فلا بأس، فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك10.
ويستحب تكرارها والإكثار منها, وأن يدعو عقبها ويصلّي على النبي -صلى الله عليه وسلم-11.
سنن الطواف:
وقبل الحديث عما يسن فيه, نشير هنا إلى فائدة وهي أن أداء الطواف قبل السعي في الحج والعمرة سنة وليس بواجب, فلو سعى قبل أن يطوف فلا شيء عليه, وسنبين هذا عند الكلام عما يسن يوم النحر.
ونقول:يسن للحاج والمعتمر إذا أراد الطواف بالبيت العتيق استقبال الحجر الأسود عند بدء الطواف وتقبيله إن أمكن, وإلا لمسه بيده أو بعصا ونحوها وقبلها, فإن لم يمكنه كل هذا أشار بيده إليه, وقال بسم الله والله أكبر؛ لفعل النبي –صلى الله عليه وسلم ذلك.
ويسن للطواف الاضطباع من ابتداء الطواف إلى انتهائه, وصفة الاضطباع أن يجعل وسط ردائه داخل إبطه الأيمن, وطرفيه على كتفه الأيسر, فإذا انتهى من الطواف أعاد رداءه إلى ما كان عليه قبل الطواف.
ويسن الرمل فيه, وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطا ويسمى الخبب, وهو للرجال القادرين دون النساء؛ حيث أن المرأة عورة فلا يشرع لها الإسراع, ويكون في الثلاثة الأشواط الأولى فقط, ويفعله ما عدا عند الركنين اليمانيين, ثم يمشي أربع أشواط على عادته, والرمل أفضل من قربه إلى البيت بدون الرمل, وأما إذا أمكن القرب من البيت مع إكمال السنة فهو أولى.
ويسن استلام الركن اليماني باليد في كل شوط من غير تقبيل, لكن إن تيسر له ذلك, فإن لم فلا يزاحم الناس, وإن لم يتيسر الاستلام فلا تشرع الإشارة كما هو الحال مع الحجر الأسود.
ويسن أن يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (201) سورة البقرة.
ويدعو في الملتزم, والملتزم هو المكان الذي بين باب البيت والحجر الأسود؛ لثبوت ذلك من فعـله عليه الصلاة والسلام.
ويستحب له في الطواف أن يذكر الله تعالى ويدعوه بما يُشرع, وإن قرأ القرآن سرَّاً فلا بأس, وليس فيه ذكر معين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه, بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية, وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له.
ويستحب أن يأتي بعد تمام طوافه مقام إبراهيم ويتلو قوله تعالى: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (125) سورة البقرة. ثم يجعل المقام بينه وبين البيت ويصلي ركعتين, وتسمى هاتان الركعتان ركعتا الطواف وهما سنة مستحبة, على أحد الأقوال, ويسن أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة في الأولى سورة الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص.
ويشرع له استلام الحجر عند الخروج من المسجد كما فعله عند الدخول, ثم يستحب للحاج بعد أداء ركعتي الطواف الشرب من ماء زمزم والتضلع منه، والدعاء بما تيسر من الدعاء النافع؛ فماء زمزم لما شرب له كما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم عن أبي ذر أنه قال: (إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ)12.
وللطواف بالبيت آداب ينبغي للمسلم أن يتحلى بها وهي:
1- أن يطوف وهو في حالة خشوع وخضوع واستشعار لعظمة الله ورغبة فيما عنده.
2- عدم الكلام فيه إلا لحاجة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ فَأَقِلُّوا مِنْ الْكَلَامِ)13.
3- الإكثار من الدعاء والذكر, وتجنب أذية المسلمين بالقول أو الفعل والصبر على ما يصيبه منهم بسبب الزحام واختلاف الطباع14.
سنن السعي وآدابه:
إذا انطلق للسعي بين الصفا والمروة استحب له أن يقف على كل منهما مستقبل القبلة, ويذكر الله تعالى ويدعوه مع كل شوط بالمأثور ثلاث مرات, ويهلل ويكبر الله تعالى ويدعوه بما أحب من خيري الدنيا والآخرة أثناء سعيه وصعوده على الصفا والمروة, ومن المأثور عنه –صلى الله عليه وسلم- عند وقوفه على الصفا والمروة قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)15. كان يكرر ذلك -عليه الصلاة والسلام- ويدعو بين ذلك.
ويستحب أن يرمل (وقد سبق بيان معناه) في بطن الوادي وهو الذي يقال له "العلمين الأخضرين".
والرمل- مشروع في كل مرة من السبعة الأشواط لا في الثلاثة الأول فقط كما في الطواف, والرمل مختص بالرجل دون المرأة؛ لأن المرأة عورة, ويسن أن يكون السعي متصلاً بالطواف لا يفصل بينهما إلا لعذر.
ومن الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الحاج أو المعتمر في سعيه بين الصفا والمروة أن يخرج من باب الصفا تالياً قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (158) سورة البقرة.
وأن يكون على طهارة, وأن يمشي حال سعيه إن تيسر ذلك بلا مشقة, ويرفق بالمسلمين ويتجنب أذيتهم بالقول أو الفعل, وينبغي أن يستحضر الساعي في نفسه ذله وفقره وحاجته إلى الله تعالى في هداية قلبه, وتزكية نفسه, وصلاح شأنه كله.
ومن سنن الحج المبيت بمنى يوم التروية:
إذا كان يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة استحب للمحلين بمكة ومن أراد الحج من أهلها الإحرام بالحج من مساكنهم، ويستحب للحاج أن يغتسل ويتنظف ويتطيب عند إحرامه بالحج كما يفعل ذلك عند إحرامه من الميقات، وإذا اغتسل من منى فلا حرج في ذلك، لكن الأفضل أن يغتسل قبل إحرامه في بيته أو في أي مكان في مكة, وبعد إحرامه بالحج يتوجه إلى منى قبل الزوال أو بعده من ذلك اليوم, ويكثر من التلبية, ويصلي بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، والسنة أن يصلوا كل صلاة في وقتها قصراً بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران, ولا فرق بين أهل مكة وغيرهم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة قصراً، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام, ولو كان واجباً عليهم لبينه لهم16.
السنة يوم عرفة وليلة الجمع بمزدلفة:
لا شك أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم, فلا حج لمن لم يقف بعرفة, لكن سنبين هنا ما الذي يسن للحاج فعله في هذا اليوم الأغر:
يسن للحجاج يوم عرفة النزول بنمرة في بطن الوادي إلى الزوال إن تيسَّر ذلك، لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم.
فإذا زالت الشمس سن للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة تناسب الحال، يبين فيها ما شرع للحاج في هذا اليوم وبعده، ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده والإخلاص له في كل الأعمال، ويحذرهم من محارمه و غير ذلك, وبعد ذلك يصلي الحجاج الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين لفعله -صلى الله عليه وسلم.
ثم يقف الحجاج بعرفة, وعرفة كلها موقف، ويستحب استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر ذلك فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة وإن لم يستقبل الجبل.
ويستحب للحاج في هذا الموقف أن يجتهد في ذكر الله سبحانه ودعائه والتضرع إليه، ويرفع يديه حال الدعاء وإن لبى أو قرأ شيئاً من القرآن فحسن، ويسن أن يكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير؛ لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)17. وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ)18.
ويقفون خاشعين خاضعين متضرعين، مستكينين لربهم، مظهرين الفقر والفاقة وشدة الحاجة إليه، رافعين إليه أكف الضراعة، طالبين منه حاجتهم الحاضرة والمستقبلية، راجين رحمته.
ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دعا كرر الدعاء –ثلاثاً- فينبغي التأسي به في ذلك.
وإن تيسَّر لهم الوقوف عند جبل الرحمة فذلك أفضل، فإن لم يتيسر لهم، وقفوا في أي مكان من عرفة في داخل خيامهم أو غيرها، ولكن الأفضل أن يكونوا بارزين ظاهرين من بعد الظهر، إلى غروب الشمس، منشغلين كل ذلك الوقت بالدعاء، والذكر، والتلبية، والقراءة، والأدعية الجامعة، كل ذلك مع حضور القلب وتواطئه مع اللسان والبكاء وحزن القلب، والإلحاح على الله؛ فإن ذلك من أسباب قبول العمل، ومن أسباب المغفرة والرحمة19.
فإذا خرج الحاج من عرفات إلى مزدلفة سن له أن يسلك الطريق الوسطى التي سلكها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الطريق الوسطى, وهو غير الطريق الذي ذهب به إلى عرفات, وكان قد ذهب إلى عرفات من طريق "ضب" ليخالف الطريق كما كان يعمل في الخروج إلى العيدين في مخالفته طريق الذهاب والإياب20.
فإذا وصلوا إلى مزدلفة وصلوا بها المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين جمعاً بأذان وإقامتين من حين وصولهم إليها لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- سواء وصلوا إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء, فإذا باتوا ووقفوا عند المشعر الحرام استقبلوا القبلة وأكثروا من ذكر الله وتكبيره والدعاء إلى أن يسفروا جداً، ويستحب رفع اليدين هنا حال الدعاء.
وحيثما وقفوا من مزدلفة أجزأهم ذلك ولا يجب عليهم القرب من المشعر ولا صعوده, فإذا أسفروا جداً انصرفوا إلى منى قبل طلوع الشمس وأكثروا من التلبية في سيرهم فإذا وصلوا إلى محسر استحب الإسراع قليل21.
ما يسن للحاج يوم النحر:
والأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة يوم النحر, فيبدأ أولاً برمي جمرة العقبة, ثم النحر ثم الحلق أو التقصير, ثم الطواف بالبيت والسعي بعده للمتمتع -وكذلك للمفرد والقارن إذا لم يسعيا مع طواف القدوم- فإن قدم بعض هذه الأمور على بعض أجزأه ذلك؛ لثبوت الرخصة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.
ويدخل في ذلك تقديم السعي على الطواف؛ لأنه من الأمور التي تفعل يوم النحر فدخل في قول الصحابي: "فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)22. ولأن ذلك مما يقع في النسيان والجهل, فوجب دخوله في هذا العموم؛ لما في ذلك من التيسير والتسهيل, وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل عمن سعى قبل أن يطوف فقال: (لَا حَرَجَ)23. فاتضح بذلك دخوله في العموم من غير شك، والله الموفق24.
وإذا وصلوا إلى منى وقطعوا التلبية عند جمرة العقبة ثم رموها من حين وصولهم بسبع حصيات متعاقبات, فإن السنة أن يرفع يده عند رمي كل حصاة ويكبر، ويستحب أن يرميها من بطن الوادي ويجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم.
ثم بعد الرمي يستحب أن يقول عند نحره أو ذبحه "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك". ويوجهه إلى القبلة، والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى وذبح البقر والغنم على جنبها الأيسر، ولو ذبح إلى غير القبلة ترك السنة وأجزأته ذبيحته؛ لأن التوجيه إلى القبلة عند الذبح سنة وليس بواجب، ويستحب أن يأكل من هديه ويهدي ويتصدق؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (27) سورة الحـج.
ثم يحلق رأسه فذلك أفضل من التقصير, وبعده يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء ويسمى هذا التحلل الأول، فيسن له بعد هذا التحلل التطيب والتوجه إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ"25
المبيت بمنى ورمي الجمرات:
المبيت بمنى أيام التشريق من واجبات الحج, والواجب في ذلك يومي الحادي عشر والثاني عشر, وأما مبيت ليلة الثالث عشر فذلك ليس بواجب لمن نفر قبل غروب شمس يوم الثاني عشر, لكن من بات ورمى الجمرات يوم الثالث عشر فذلك أفضل وأكمل وأعظم أجراً للحاج؛ لقوله تعالى:{وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} (203) سورة البقرة. ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص للناس في التعجل, ولم يتعجل هو بل أقام بمنى حتى رمى الجمرات في اليوم الثالث عشر بعد الزوال ثم ارتحل قبل أن يصلي الظهر.
ورمي الجمرات في هذه الأيام من الواجبات, ومما يستحب عند رمي الجمرة الأولى في أيام التشريق أن يرفع يده عند كل حصاة ويسن أن يتأخر عنها ويجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويكثر من الدعاء والتضرع, ثم يرمي الجمرة الثانية كالأولى، ويسن أن يتقدم قليلاً بعد رميها ويجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة ويرفع يديه فيدعو كثيراً, وهكذا كل يوم حتى ينفر, والمشروع ألا يقف بعد رمي الجمرة الثالثة في كل يوم بل يرميها وينصرف.
في استحباب التزود من الطاعات وزيارة المسجد النبوي:
ويستحب للحجاج أن يلازموا ذكر الله وطاعته والعمل لصالح مدة إقامتهم بمكة, ويكثروا من الصلاة والطواف بالبيت؛ لأن الحسنات في الحرم مضاعفة والسيئات فيه عظيمة شديدة، كما يستحب لهم الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وتسن زيارة مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الحج أو بعده؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)26.
فإذا وصل الزائر إلى المسجد استحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله, أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم, اللهم افتح لي أبواب رحمتك, كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد، وليس لدخول مسجده -صلى الله عليه وسلم- ذكر مخصوص, ثم يصلي ركعتين فيدعو الله فيهما بما أحب من خيري الدنيا والآخرة, وإن صلاهما في الروضة الشريفة فهو أفضل, ثم بعد الصلاة يزور قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فيقف تجاه قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأدب وخفض صوت ثم يسلم عليه, قائلاً: "السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ". ويسن للزائر أن يصلي الصلوات الخمس في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن يكثر فيه من الذكر والدعاء وصلاة النافلة اغتناماً لما في ذلك من الأجر الجزيل. لكن لابد من التنبه إلى أن هذه الزيارة ليست من أعمال الحج ولا من شروطه ولا من متمماته, فهو عمل مشروع استقلالاً, وليس كما يظنه بعض الحجيج هداهم الله27.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى, وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه, والحمد لله رب العالمين.