الرئيسة   متابعات   كيلو غرامين من الإنسانية بسوريا

كيلو غرامين من الإنسانية بسوريا

 غرامين من الإنسانية بسوريا.jpg
لم تكن سحر ضفدع معارضة لنظام بشار الأسد، لم تكن تعادي الحرس الثوري الإيراني أو المقاتلات الروسية أو براميل النظام السوري أو ميليشيات "حزب الله" أو "فاطميون"، وليس لها علاقة بداعش أو قسد أو جيش الإسلام أو الأحرار أو الفيلق... إلى آخر أسماء القوى والفصائل والميليشيات التي لا تنتهي في سوريا، لم تكن تعرف تعقيدات السياسة والاستراتيجيات المتعاكسة للعديد من دول العالم المؤثرة، دولياً وإقليمياً، إنما كانت صاحبة هم واحد، ومطلب بسيط، قطرات من الحليب تسد به رمقها.



هذا المطلب البسيط الذي بكت سحر ضفدع (35 يوماً) طويلاً من أجل الحصول عليه قبل أن تلفظ آخر أنفاسها بسبب جوع شديد امتد طوال عمرها القصير، لم نستطع نحن المسلمين توفيره لها، ولم تجده عند "أصدقاء سوريا" أو أعدائها، وضلت عن إلقائه إليها طائرات "الأصدقاء" التي تنفذ حظراً محكماً على المحاصرين إلا من براميل البارود وقنابل النابالم.


سحر التي لم يكن وزنها قد بلغ كيلو غرامين فقط حين وافتها المنية في بلدة حمورية شرق منطقة الغوطة، فقدت حياتها نتيجة لسوء التغذية في بلد هو من أكثر الأرض العربية بركة وخصوبة، لكن الحصار الذي فرضه النظام، وتشتت الفصائل حال دون أن تحصل الرضيعة على حقها في الحياة، يشاطرها في مصير مشابه أكثر من 300 ألف طفل، يعانون سوء تغذية ونقص رعاية طبية، وفقاً لتقديرات طبية محلية ودولية، حيث يعيش أكثر من 800 ألف شخص في 34 منطقة "بدون حرية في الحركة"، بحسب أحدث تقرير صدر عن "مركز مراقبة الحصار السوري" بواشنطن.



نهاية سحر مأساة عظيمة، غير أن الإعلام لم يكترث بها طويلاً، وتعامل معها بخفة إنسانية واضحة، أو لنقل مررها بسرعة وبطريقة توحي بأنه اهتم لشأنها، ولم يفعل.



ولو فعل لكانت أيقونة توقظ كل صاحب ضمير، وتضغط على الدول المعنية بسوريا جميعها، وتخجلها من موقفها الدنيء هذا الذي جعل كل أطنان آلياتها ومقاتلاتها التي تجوب سوريا العزيزة وتحلق في سمائها تطيش كفتها في ميزان الإنسانية في مقابل وزن الرضيعة سحر وثقل قضيتها وأخواتها الصغيرات اللائي ينتظرهن نفس المصير جراء هذا الإجرام الدولي المحكم، إذ يقول عامر الموهباني الذي التقط صورة سحر المؤلمة: "هناك العديد من الحالات المؤلمة التي تحاكي ما حصل مع سحر، تنتظر تبدّل المصير، وعلى رأسهم مرضى سوء التغذية، ويُقدّر عددهم بـ 1900 مريضًا، بينهم 70 في حالة خطِرة، ومرضى السرطان ويراوح عددهم حول 550 مريضًا"، ويقول يحيى أبو يحيى لوكالة الأنباء الفرنسية، (وهو طبيب في الغوطة): "إن 80% من الـ 9700 طفل تم فحصهم في الأشهر الأخيرة الماضية، يعانون أشد أشكال سوء التغذية، 200 منهم يعانون سوء تغذية حاداً نسبياً، في حين أن 4000 منهم يعانون من نقص في التغذية".





لقد كان بوسع الإعلام في منطقتنا أو في العالم الاهتمام أكثر بكثير مما فعله مجبراً بعد تفاعل النشطاء مع وسم حصار الغوطة الذي اشتعل ثم خبا من دون أن يجد وقوداً يبقيه مستعراً من مواقف سياسية وتغطيات إعلامية مسؤولة؛ فلا أحد بات مشغولاً بقضايا كتلك في ظل تدجين الشعوب على تقبل مثل هذه الجرائم باعتبارها أفعالاً اعتيادية لا يتعين أن تثير حفيظة أحد، أو تحمر لها أنوف الأسوياء.





غابت سحر من دون أن يحفز موتها المدمي أنفساً حرة لإطلاق مبادرة بريئة لإنقاذ الطفولة البريئة المذبوحة في محاريب الإنسانية الزائفة، مبادرة لا تحمل أي أهداف سياسية سوى إخراج أرواح الملائكة الصغار من معادلة التعفن السياسي والإجرام العسكري في سوريا؛ فلا ذنب لرضع كي يدفعوا من أرواحهم ثمن صراع لم يشعلوه أو يناصروه، لاسيما أن ثمة ما يمكن أن يبنى عليه في تفعيل مبادرة كهذه في ظل وقوع الغوطة الشرقية ضمن مناطق "خفض التوتر" في سوريا والتي أعلنتها دول إقليمية ودولية، وقبلها النظام شكلياً ورفضها ميدانياً. إن الموءودة سحر لابد أن تخرج أصواتاً حرة تعلن بأن الإنسانية لم تمت، وأن جاهلية الوأد لابد أن تدفن في بلاد العرب المسلمة!