الرئيسة   متابعات   الأجواء التشجيعية وبناء الثقة في نفوس أطفالنا

الأجواء التشجيعية وبناء الثقة في نفوس أطفالنا

 التشجيعية وبناء الثقة في نفوس أطفالنا.jpg
لمعنى الأصلي لكلمة التشجيع هو: "بث الجرأة" فنحن عندما نشجع أطفالنا فإننا نبث من قلوبنا الجرأة داخلهم، فوظيفتنا هي أن نساعدهم ونساندهم في أثناء اكتسابهم للمهارات والثقة التي يحتاجونها للاعتماد على أنفسهم. ومن المهم أن يتسم هذا التصرف بالدقة، فمعرفة الوقت الذي نتدخل فيه، والوقت الذي نتنحى جانبا، والوقت الذي نمدح فيه، والوقت الذي نقوم فيه بالنقد البناء هي من أكثر العوامل التي تساعد طفلك على بناء الثقة في نفسه.
أطفالنا بحاجة لمساندتنا، ولكنهم أيضا بحاجة لتقييمنا الصادق لتقدمهم عندما يجتهدون في تطوير مهاراتهم، فهم بحاجة لمساعدتنا لهم على التقدم في حياتهم، وكذلك لوجودنا بجانبهم عندما يتقهقرون ويتعثرون، فهم بحاجة منا أن نشجعهم على زيادة قدراتهم، وتوسيع آفاقهم، وأن نحفزهم على القيام بأفضل ما يظنون أنه بمقدرتهم فعله، وفي الوقت نفسه يجب أن يعرفوا أننا نساندهم حتى عندما يفشلون.
ولكي نفعل كل هذا: يجب أن نبدي اهتماما بالغا بالاحتياجات والمواهب والرغبات المميزة لكل طفل على حدة. هذا هو المفتاح لإعطاء كل واحد منهم توجيها فعالا وملموسا، وهم يجتهدون في أعمالهم.

أنواع التشجيع لدى الأطفال:
يمكن تحفيز و تشجيع الأطفال من خلال أنواع مختلفة، وفي مجالات متنوعة من الحياة مثل:
1) التشجيع على العبادات: مثل التشجيع على أداء الصلوات، وحفظ القرآن الكريم.
2) التشجيع على القراءة: وإقناعهم بأن لها أهمية كبيرة.
3) التشجيع على الدراسة، وذلك من خلال خلق جو يساعد على المذاكرة في المنزل، وضرورة إلزام الأطفال بجدول يومي، والثناء على أدائهم الذي يقومون به.
4) التشجيع على السلوك الحسن.
5) التشجيع على ممارسة الرياضة.
6) التشجيع على تنمية المهارات.

طرائق التشجيع العديدة
من الطبيعي أن تثني على أي عمل يقوم به طفلك بطريقة حسنة، ولكن أهم من ذلك حال فشله: أن تثني على جهوده ومحاولاته الصغيرة، فقد يكون من الصعب جدا أن نطلب من طفل عمره ثلاث سنوات أن يكون لطيفا مع أخيه الرضيع طوال الوقت، ولكن عندما يكون في حالة مزاجية طيبة ويربت بحنان عليه، أو يحاول إضحاكه: فمن المهم أن نعبر له عن سعادتنا وشكرنا وسعادتنا بسلوكه نحو قولنا: "انظر مدى السعادة التي حققتها له"، عندها سيشعر طفلنا بالزهو لسلوكه وسندعم هذا السلوك.
أحيانا قد يكون من الأنسب أن نبادر بمساعدة أطفالنا، قبل أن يربكهم أي موقف، وأحيانا يكون الأفضل أن نقف بعيدا، وندعهم يحلون مشاكلهم بأنفسهم.
في حال الفشل والإخفاق في تحقيق ما أرادوا، من المهم أن نركز على الجزء الذي أنجزوه من العمل أو صعوبة ما حاولوا تحقيقه، بدلا من التركيز على حقيقة أنهم لم ينجحوا.
يتضمن التشجيع ما هو أكثر من مجرد الثناء عليهم، فقد كانت "سوزي" ابنة الأربعة عشر عاما تقوم بعمل دراسة تاريخية، وقد كان والدها سعيدا برؤيتها وهي منهمكة في هذا المشروع، وأنها قد استغرقت كثيرا من الوقت في جمع المصادر التي تعتمد عليها في كتابة الدراسة، إلا أن المواد التي جمعتها تحتوي على كم كبير من المعلومات، مما جعلها تشعر بالارتباك، ولم يكن قد تبقى إلا يوم على تسليم هذا المشروع.
قال الأب لـ "سوزي": رائع يبدو أنك بذلت مجهودا كبيرا في جمع هذا الكم الهائل من المعلومات". فردت "سوزي"، قائلة: "لقد فعلت ولكنني لن أتمكن من الانتهاء منه أبدا"، فسألها والدها :"أي من هذه المصادر تعتقدين أنك تستخدمينها أكثر؟"، وأضاف: "ولماذا لا تركزين عليها أولا، وإذا تبقى وقت يمكنك استخدام المصادر الأخرى؟"، نظرت "سوزي" تجاه والدها باهتمام، ثم قالت بحماس وارتياح: "هذه الكتب الثلاثة هي الأفضل، سوف أضع باقي المصادر جانبا مؤقتا".
لقد قام والد سوزي بمساعدتها بالطريقة التي تحتاجها، ولأنه لاحظ أن المشروع يمثل مشكلة، ولأنه أمضى الوقت ليساعدها في التوصل لحل، استطاع أن يساعد في إنقاذها من المأزق، وإنجاز الدراسة في الوقت المناسب، فهذا النوع من المساعدة يكون ذا فائدة أكبر من مجرد القول بطريقة آلية: "عمل جيد، عمل رائع".

منهج التربية الإسلامية يقوم على التشجيع:
ومنهج التربية الإسلامية يقوم على التشجيع للخير، والتحذير من الشر والباطل، وآيات الترغيب والترهيب كثيرة في القرآن الكريم، وفي نصوص السنة النبوية، التي ترغب في الخير وتحذر من الشر والفساد.
وقد رفع الإسلام من شأن التشجيع، حتى تسابق المسلمون في شتى العصور على تشجيع الموهوبين وكبيري الهمة، بكافة صور التشجيع، فكانوا ينفقون الأموال الجزيلة لنفقة النابغين من طلاب العلم، الذين حبسوا أنفسهم على طلبه، كي يغنوهم عن سؤال الناس، أو الاشتغال عن العلم بطلب المعاش.
قدوتهم في ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ روى البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان الرجل في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذا بي فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع، وقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقال صلى الله عليه وسلم: "نِعْم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً".
الشاهد هنا من رواية هذا الحديث: ثناء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ذلك الغلام ابن عمر، وتشجعيه عن طريق هذا الثناء، وهذا التشجيع أثمر استقامته على قيام الليل بعد ذلك، فيقول: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) فرغبه في قيام الليل، وأنه يكون سبباً للنجاة من عذاب النار الذي أريه في منامه، فكان عبد الله بن عمر منذ أن قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه المقالة لا ينام من الليل إلا قليلاً.
وكان في طليعة المشجعين لطلبة العلم الخلفاء والأمراء، روى البخاري في "صحيحه" أن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان يدُخل ابن عباس رضي الله عنهما - وهو غلام حدث- مع أشياخ بدر، قاله ابن عباس: (فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: "لِم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ " فقال عمر: "إنه من حيث علمتم"، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رُؤيت أنه دعاني يومئذ إلا ليرِيهم، قال: ما تقولون في قوله الله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح}؟ فقال بعضهم: "أمِرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نُصِرنا، وفتِح علينا"، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا: فقال لي: "أكذاك تقول يا أبن عباس؟" فقلت: "لا"، قال: "فما تقول؟"، قلت: "هو أجلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له، قال: {إذا جاء نصر الله والفتح} وذلك علامهّ أجلك، {فسبح بحمد ربِّك واستغفره إنه كان توابًا}"، فقال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تقول"(رواه البخاري).
وهكذا كان أمير المؤمنين يقَوِّي ثقته بنفسه، ويغذي همته، ويربأ به عن احتقار الذات، أو الشعور بالدونية والنقص، وقد روى البخاري في "صحيحه" أيضًا عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه سأل بعض الصحابة عن آية في القرآن الكريم فلم يعرفوا الإجابة، وكان بينهم عبد الله بن عباس، وهو صغير السن، فقال: "فِي نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين"، قال عمر: "يا ابن أخي قل، ولا تحقر نفسك"، فأجابه.
وهذا الإمام أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي، قال فيه الصفدي: (لم أره قط إلا يسمع أو يكتب أو ينظر في كتاب، ولم أره على غير ذلك، وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم ويُنَوَّه بقدرهم).
وقد كان ابن شهاب رحمه الله يشجع الأولاد الصغار، ويقول لهم: "لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإنْ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان إذا نزل به الأمر المعضل، دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم".
شروط التشجيع:
ربط التوفيق في العمل بالله: للتشجيع دور كبير في بناء الشخصية القوية، ومع ذلك فعلينا أن نربط عبارات التشجيع بتوفيق الله وفضله، ولا نسرف في مدحهم حتى لا نشعرهم بالاستعلاء على غيرهم، وعند وجود مواهب خاصة لدى بعضهم: علينا أن نعوده على المبالغة في الشكر والتواضع لله عز وجل، وعدم الاستطالة بهذه المواهب على أصدقائه.
أن يكون التشجيع صدقا بدون مداهنة أو كذب: وهذا هو الذي يترك أثراً إيجابياً في نفس الطفل، وإذا مدح الطفل بمجازفة وبكذب فإنه يكتشف ذلك، ويعرف أن هذا كذب.
التشجيع ينصب على الفعل وليس على الطفل ذاته: فالثناء ينبغي أن ينصب على الفعل، لا أن تمدحي الطفل نفسه، لا تقولي له مثلاً: أنت أبرع طفل في العالم، أنت أجمل طفلة في العالم أو نحو هذه الأشياء، وإنما تقولي له: أداؤك في هذا الامتحان كان أداء جيداً وموفقاً، وتحسنت كثيراً، فتمدحي السلوك وليس الشخص نفسه، حتى يحصل الربط الإيجابي، ويكون أقوى وأقدر على التغيير في سلوكه، وقد رأينا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كيف مدحه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذه الطريقة الرائعة: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)، فتأثر ابن عمر بهذه العبارة جداً إلى حد أنه كان بعدها لا ينام من الليل إلا قليلاً، ينبغي أن ينصب الثناء على الفعل، وعلى السلوك الحسن الإيجابي، وليس على الشخص نفسه.
فمثلاً بدل أن تقولي له: أنت طالب مجتهد يا فلان، قولي له: الامتحان الأخير الذي حصلت فيه على هذه الدرجة في اللغة العربية كان ممتازاً، أو النتيجة كانت ممتازة، أو أداؤك كان ممتازاً، ولا تقولي له: أنت ممتاز؛ لماذا؟ حتى نلفت نظره دائماً إلى السلوك نفسه، وليس إلى شخصه.
فمثلاً: بنت ساعدت أمها في ترتيب غرفة من غرف البيت، فالصواب أن يقال لها: كان عملك في إنجاز هذا الأمر رائعاً، وتشجع بكلام ينصب على مدح السلوك، لكن لا تقولي لها: أنت أفضل البنات يا فلانة، أو أنت أفضل بنت في العالم إلى آخر هذا، فنركز على السلوك نفسه لنلفت نظره، ولتربط بين المديح والثناء، وبين السلوك الإيجابي كي يحدث تغييراً في سلوكها لأن الثناء المطلق لا يؤثر نفس التأثير، فينبغي أن يكون محدداً لكي تعرف أنه لما عملت الشيء الفلاني مدحت، وأن قيامها بهذا العمل استجلب لها المدح والثناء.
ولو أننا ركزنا على مدح ذات الطفل، وليس إنجازاته أو سلوكياته: فهذا سوف يزيد من أنانيته، ويزيد من حبه لنفسه، وربما أشعره بالغرور والتعالي؛ ولذلك نرى كثيراً من المتفوقين يتراجعون في مستواهم الدراسي، أو ينحرفون عن السلوك القويم؛ بسبب المبالغة في مدحهم بمدح عام مطلق، يملؤهم غروراً وكبراً، فلابد أن يتسم الثناء والمدح بالموضوعية، ولا يبالغ المربي فيه، حتى لا يفقد قيمته؛ لأنه إذا كان مبالغاً فيه، أو فيه كذب، فإن الطفل سوف يدرك جيداً: هل كان المدح صادقاً ومعقولاً وموضوعياً؟ أم فيه مجازفة وغلو ومبالغة!.
أن يكون التشجيع عقب الفعل مباشرة: ينبغي أن يكون التشجيع عقب الفعل مباشرة، فعندما يحفظ الطفل السورة ويسمعها تسميعاً جيداً؛ فوراً يعطى الجائزة، والجائزة لا يشترط أن تكون مادية، بل يمكن أن تكون مدحاً وثناء أو أن تحتضنيه، أو تلعبي معه، أو أي شيء آخر. أما إذا تأخر التشجيع يوما أو يومين فقد يختلط الأمر على الطفل، وقد يكون خلال هذه المدة فعل العديد من الأمور الجيدة فلا يعلم تشجيعه على ماذا؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
ـ حطِّم صنمك وكن عند نفسك صغيرًا، مجدي الهلالي، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع، طبعة 2004م.
ـ الأطفال يتعلمون ما يعايشونه، د. دوروثي لو نولتي ـ د. راشيل هاريش، مكتبة جرير.
ـ علو الهمة، محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم، دار القمة - دار الإيمان، مصر، طبعة عام 2004م.
ـ محاضرات محو الأمية التربوية، محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم.