الرئيسة    الفتاوى   الإستشارات   نصيحة للمعلم المتعين حديثا


نصيحة للمعلم المتعين حديثا

مصنف ضمن : الإستشارات

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 28/2/1440

س: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. شيخنا الفاضل .. أنا أحد طلابك في جامع عثمان بن عفان، وقد أفدت منك كثيراً في تخريج الفروع الأصول وقد تخرجت من الجامعة. وتم تعييني في التعليم قريباً؛ فماذا تنصحني بما أستقبل من أمري في التعليم؟ فإني والله بأشد الحاجة الى توجيهك. حفظك الله .

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. شكر الله لك حسن ظنك .. ولا أجد لك نصيحة وتوجيهاً أفضل من توجيه الشيخ العلامة ابن سعدي في كتابة آداب المعلمين والمتعلمين، حيث قال: (يتعين على أهل العلم من المعلمين والمتعلمين أن يجعلوا أساس أمرهم الذي يبنون عليه حركاتهم وسكناتهم الإخلاص الكامل، والتقرب إلى الله بهذه العبادة، التي هي أجل العبادات وأكملها وأنفعها وأعمها، ويتفقدوا هذا الأصل الجليل في كل دقيق من أمرهم وجليل. فإن درسوا أو دارسوا، أو بحثوا أو ناظروا، أو أسمعوا أو استمعوا، أو كتبوا أو حفظوا، أو كرروا دروسهم الخاصة، أو راجعوا عليها أو على غيرها الكتب الأخرى، أو جلسوا مجلس علم، أو نقلوا أقدامهم لمجالس العلم، أو اشتروا كتبا أو ما يعين على العلم، كان الإخلاص لله واحتساب أجره وثوابه ملازما لهم، ليصير اشتغالهم كله قربة وطاعة وسيرا إلى الله وإلى كرامته، وليتحققوا بقوله ﷺ: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة». فكل طريق حسي أو معنوي يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله فإنه داخل في هذا ... وعلى المعلم أن ينظر إلى ذهن المتعلم وقوة استعداده أو ضعفه، فلا يدعه يشتغل بكتاب لا يناسب حاله؛ فإن هذا من عدم النصح، فإن القليل الذي يفهمه ويعقله خير من الكثير الذي هو عرضة لعدم الفهم والنسيان، وكذلك يلقي إليه من التوضيح والتقرير لدرسه بقدر ما يتسع فهمه لإدراكه، ولا يخلط المسائل بعضها ببعض، ولا ينتقل من نوع من أنواع المسائل إلى نوع آخر حتى يتصور ويحقق السابق، فإنه دَرَكٌ للسابق وليتوفر فهمه على اللاحق. فأما إذا أدخل المسائل بعضها ببعض قبل فهم المتعلم فإنه سبب لإضاعة الأول وعدم فهم اللاحق، ثم تتزاحم عليه المسائل التي لم يحققها فَيَمَلُّها ويضيق عطنه عن العود إليها، فلا ينبغي أن يهمل هذا الأمر. وعلى المعلم النصح للمتعلم بكل ما يقدر عليه من التعليم والصبر على عدم إدراكه، وعلى عدم أدبه وجفائه، مع شدة حرصه على ما يقوّمه ويحسن أدبه، لأن المتعلم له حق على المعلم حيث أقبل على العلم الذي ينفعه وينفع الناس، وحيث توجه للمعلم دون غيره، وحيث كان ما يحمله من العلم هو عين بضاعة المعلم يحفظها وينميها، ويطلب بها المكاسب الرابحة، فهو الولد الحقيقي للمعلم الوارث له، قال تعالى: { فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } . والمراد وراثة العلم والحكمة، فالمعلم مثاب مأجور على نفس تعليمه، سواء فهم أو لم يفهم، فإذا فهم ما علمه وانتفع به بنفسه ونفع غيره كان أجرا جاريا للمعلم ما دام ذلك النفع متسلسلا متصلا، وهذه تجارة بمثلها يتنافس الموفقون، فعلى المعلم أن يسعى سعيا شديدا في إيجاد هذه التجارة وتنميتها، فهي من عمله وآثار عمله، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ } فما قدموا: ما باشروا عمله، وآثارهم: ما ترتب على أعمالهم من المصالح والمنافع أو ضدها. وليرغِّب المتعلمَ بكل طريق ولا يُملَّه باشتغاله بما يعسر على فهمه من أنواع العلوم ومفرداتها... كما أن على المعلم إذا أخطأ أن يرجع إلى الحق، ولا يمنعه قولٌ قاله ثم رأى الحق في خلافه من مراجعة الحق والرجوع إليه، فإن هذا علامة الإنصاف والتواضع للحق، فالواجب اتباع الصواب سواء جاء على يد الصغير أو الكبير. ومن نعمة الله على المعلم أن يجد من تلاميذه من ينبهه على خطئه ويرشده إلى الصواب، ويزول استمراره على جهله، فهذا يحتاج إلى شكر الله ثم إلى شكر من أجرى الله الهدى على يديه متعلما أو غيره. ومن أعظم ما يجب على المعلمين أن يقولوا لما لا يعلمونه: الله أعلم، وليس هذا بناقص لأقدارهم، بل هذا مما يزيد قدرهم، ويستدل به على دينهم وتحرّيهم للصواب. وفي توقفه عما لا يعلم فوائد كثيرة: منها: أن هذا هو الواجب عليه. ومنها: أنه إذا توقّف وقال: لا أعلم. فما أسرع ما يأتيه علم ذلك؛ إما من مراجعته أو مراجعة غيره، فإن المتعلم إذا رأى معلمه توقف جدَّ واجتهد في تحصيل علمها وإتحاف المعلم بها، فما أحسن هذا الأثر. ومنها: أنه إذا توقف عما لا يعرف كان دليلا على ثقته وإتقانه فيما يجزم به من المسائل، كما أن من عرف منه الإقدام على الكلام فيما لا يعلم كان ذلك داعيا للريب في كل ما يتكلم به، حتى في الأمور الواضحة. ومنها: أن المعلم إذا رأى منه المتعلمون توقفه عما لا يعلم كان ذلك تعليما لهم وإرشادا إلى هذه الطريقة الحسنة، والاقتداء بالأحوال والأعمال أبلغ من الاقتداء بالأقوال. ومما يعين على هذا المطلوب أن يفتح المعلم للمتعلمين باب المناظرة في المسائل والاحتجاج عليها، وأن يكون القصد واحدا، وهو اتباع ما رجحته الحجة والأدلة، فإنه إذا جعل هذا الأمر نصب عينيه وأعينهم تنورت الأفكار، وعرفت المآخذ والبراهين واتبعت الحقائق، وكان القصد الأصلي وتوابعه معرفة الحق واتباعه. والحذر الحذر من التعصب للأقوال والقائلين؛ وهو أن يجعل القصد من المناظرة نصر القول الذي قاله أو قاله من يعظمه، فإن التعصب مُذْهِبٌ للإخلاص مزيل لبهجة العلم، مُعْمٍ للحقائِق، فاتح لأبواب الخصام والحقد، كما أن الإنصاف هو زينة العلم، وعنوان الإخلاص والنصح والفلاح. وليحذر مِنْ طلب العلم للأغراض الفاسدة والمقاصد السيئة؛ من المباهاة والمماراة والرياء والسمعة، أو أن يكون له وسيلة إلى الأغراض الدنيوية والرئاسة، فليست هذه حال أهل العلم الذين هم أهله في الحقيقة، ومن طلب العلم واستعمله في أغراضه السيئة أو رياء أو سمعة فليس له في الآخرة من خلاق. ومن أعظم ما يتعين على أهل العلم الاتصاف بما يدعو إليه العلم من الأخلاق والأعمال والتعليم، فهم أحق الناس بالاتصاف بالأخلاق الجميلة والتخلي من كل خلق رذيل، وهم أولى الناس بالقيام بالواجبات الظاهرة والباطنة وترك المحرمات، لما تميزوا به من العلم والمعارف، التي لم تحصل لغيرهم، ولأنهم قدوة الناس في أمورهم ولأنه يتطرق إليهم من الاعتراض والقوادح عندما يتركون ما يدعو إليه العلم أعظم مما يتطرق إلى غيرهم. وأيضا فكان السلف يستعينون بالعمل على العلم؛ فإن عمل به استقر ودام ونما وكثرت بركته، وإن ترك العمل به ذهب أو عدمت بركته، فروح العلم وحياته وقوامه إنما هو بالقيام به عملا وتخلقا وتعليما ونصحا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وينبغي سلوك الطريق النافع عند البحث تعلما وتعليما، فإذا شرع المعلم في مسألة وضَّحها وأوصلها إلى أفهام المتعلمين بكل ما يقدر عليه من التعبير وضرب الأمثال والتصوير والتحرير، ثم لا ينتقل منها إلى غيرها قبل تحققها وتفهيمها للمتعلمين، ولا يدع المتعلمين يخرجون من الموضوع الذي لم يتم تقريره إلى موضوع آخر حتى يُحْكِمُوه ويفهموه، فإن الخروج من الموضوع إلى غيره قبل الانتهاء منه يشوش الذهن ويحرم الفائدة ويخلط المسائل بعضها ببعض. وينبغي تعاهد محفوظات المتعلمين ومعلوماتهم بالإعادة والامتحان والحث على المذاكرة والمراجعة وتكرار الدرس، فإن التعلم بمنزلة الغرس للأشجار، والدرس والمذاكرة والإعادة بمنزلة السقي لها وإزالة الأشياء المضرة لتنمو وتزداد على الدوام. والمعصية من أهل العلم أعظم من غيرهم، لأن الحجة عليهم أقوم، ولأن غيرهم يقتدي بهم، ومن كان طبعه الشر من غيرهم جعلهم حجة له، ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره. ومن آداب العالم والمتعلم النصح وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان، حتى لو تعلم الإنسان مسألة وبثها كان ذلك من بركة العلم، ولأن ثمرات العلم أن يأخذه الناس عنك، فمن شح بعلمه مات علمه بموته، وربما نسيه وهو حي، كما أن من بث علمه كان له حياة ثانية وحفظا لما علمه وجازاه الله بحسب عمله...)أهـ كلامه رحمه الله. والله أعلم.