الرئيسة   مسائل علمية   وقت صلاة الجمعة

وقت صلاة الجمعة

A20AMUVCAUFS0VFCAPG9VWMCA4C1NNXCAFVO0UUCAFNVRZKCA24D72SCACGYCBDCACOM57MCAD34SIYCADVKYW8CA4FO70CCAQ5VNAMCAMVLI9ACABN1SYBCAHI1IW5CATBG3HICA4KE16VCALL38R4.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى على كل مسلم ما لصلاة الجمعة من مكانة عظيمة في الإسلام يجدر الاهتمام بها، وبأحكامها.
ومن المعلوم أن الوقت من أهم شروط صحة الصلاة عموماً، وصلاة الجمعة خصوصاً، قال الله عز وجل: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً" [النساء: 103]، بل إن صلاة الجمعة ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ تمتاز عن بقية الصلوات بأنها لا تصح إلا في الوقت، فلا تصح قبله ولا بعده، بخلاف باقي الصلوات فتصح بعده قضاء.
ومما دعاني إلى بحث هذه المسألة الخلاف القوي بين العلماء رحمهم الله تعالى في أول وقت صلاة الجمعة؛ ووجود بعض الخلاف الشاذ في آخر وقتها، فرغبت في تجلية المسألة وذكر الأقوال مذيلة بالأدلة ومناقشتها مبيناً الراجح منها.
تمهيد:
أجمع أهل العلم على أن الوقت شرط من شروط صحة صلاة الجمعة، ولهذا قال النووي في المجموع (4/264): (وأجمعت الأمة على أن الجمعة لا تقضى على صورتها جمعة، ولكن من فاتته لزمته الظهر). [وانظر: الشرح الكبير، لابن أبي عمر (5/186) ، والمبدع (2/147) وكشف اللثام للسفاريني (3/173)]
كما أجمعوا على أن من صلى الجمعة في وقت الظهر فقد صلاها في وقتها، نقله الإمام الشافعي وابن المنذر وابن عبد البر وابن قدامة وغيرهم، [انظر: إجماعات ابن عبد البر في العبادات، لعبد الله البوصي (1/644)]
ولذلك اتفقوا على أن (المستحب إقامة الجمعة بعد الزوال; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك؛ قال سلمة بن الأكوع: "كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس, ثم نرجع نتتبع الفيء" متفق عليه، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. أخرجه البخاري؛ ولأن في ذلك خروجا من الخلاف؛ فإن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة , وإنما الخلاف فيما قبله) [المغني (3/159)].
ولكنهم اختلفوا فيما إذا صلاها قبل وقت الظهر أو بعد خروجه على أقوال، وهذا ما سنبحثه إن شاء الله تعالى في المسائل التالية.
المسألة الأولى: أول وقت صلاة الجمعة.
اختلف أهل العلم في أول وقت صلاة الجمعة على قولين، وقبل البدء بذكر هذين القولين نذكر سبب الخلاف، قال ابن رشد في بداية المجتهد (1/381) (والسبب في هذا الاختلاف: في مفهوم الآثار الواردة في تعجيل الجمعة ... فمن فهم من هذه الآثار الصلاة قبل الزوال أجاز ذلك، ومن لم يفهم منها إلا التبكير فقط لم يجز ذلك؛ لئلا تتعارض الأصول في هذا الباب) اهـ المراد من كلامه.
القول الأول: أنه من زوال الشمس.
وبه قال جمهور أهل العلم؛ من الحنفية [الهداية (1/89)، وبدائع الصنائع (1/602) والدر المختار (3/18)]، والمالكية [مواهب الجليل (2/517)، والتاج والإكليل بأسفل مواهب الجليل (2/517)] والشافعية [الأم للشافعي (2/386)، والمجموع للنووي (4/263) ومغني المحتاج (1/512) والنجم الوهاج (2/455)]، وهو رواية عن أحمد، اختارها الآجري [الإنصاف (5/188)، وانظر الروايات عن الإمام أحمد في هذه المسألة في فتح الباري لابن رجب (5/417)]، واختاره البخاري في صحيحه، [صحيح البخاري مع فتح الباري لابن رجب (5/412)] حيث قال في صحيحه: "باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس" اهـ ، وابن حزم [المحلى (5/32)].
قال الشافعي رحمه الله تعالى في الأم (2/387): "ولا اختلاف عند أحد لقيته أن لا تصلى الجمعة حتى تزول الشمس".
تنبيه: قال ابن حجر في الفتح (3/172): "وأغرب ابن العربي فنقل الإجماع على أنها لا تجب حتى تزول الشمس إلا ما نقل عن أحمد أنه إن صلاها قبل الزوال أجزأ. انتهى، وقد نقله ابن قدامة وغيره عن جماعة من السلف، كما سيأتي" اهـ.
واستدلوا بأدلة؛ منها:
الدليل الأول: عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس" رواه البخاري (904).
وجه الدلالة من الحديث: أن فيه إشعاراً بمواظبته صلى الله عليه وسلم على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس. [فتح الباري (3/174)].
وأجيب: بأنه إنما "يدل على أن هذه كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم الغالبة، ولا يدل على أنه لم يكن يخل بذلك.
وقد قال أنسٌ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعةٌ. وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس في حجرتي. وقال أبو برزة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير حين تدحض الشمس – الحديث بطوله.
وإنما أرادوا: أن ذلك كان الغالب عليه، وإلا فقد يؤخرها عن ذلك أحياناً، كما أخرها لما سأله السائل عن مواقيت الصلاة، وأخرها يوم الخندق، وغير ذلك" [فتح الباري؛ لابن رجب: (5/414)].
الدليل الثاني: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء) رواه البخاري (4168)، ومسلم (860)، واللفظ له.
وجه الدلالة من الحديث: كسابقه.
الدليل الثالث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم: لو اغتسلتم) رواه البخاري (903).
وجه الدلالة من الحديث: "أن فيه ذكر رواح الناس إلى الجمعة، والرواح إنما يكون بعد الزوال، فدل على أن الجمعة إنما كانت تقام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال" [فتح الباري لابن رجب (5/413)، وفتح الباري لابن حجر (3/174)]
وأجيب: بأن (ذكر الرواح في هذا الحديث كذكر الرواح في قوله: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنةً" الحديث، ولم يحمله أكثر العلماء على ما بعد الزوال ... فالقول في هذا كالقول في ذاك) [فتح الباري لابن رجب (5/413)]
ورد: بأن (القرينة مخصصة، وهي في قوله "من راح في الساعة الأولى" قائمة في إرادة مطلق الذهاب، وفي هذا قائمة في الذهاب بعد الزوال؛ لما جاء في حديث عائشة المذكور في الطريق التي في آخر الباب ـ برقم (902) ـ الذي قبل هذا حيث قالت: (يصيبهم الغبار والعرق؛ لأن ذلك غالباً إنما يكون بعدما يشتد الحر، وهذا في حال مجيئهم من العوالي، فالظاهر أنهم لا يصلون إلى المسجد إلا حين الزوال أو قريباً من ذلك، وعرف بهذا توجيه إيراد حديث عائشة في الباب) [فتح الباري لابن حجر (3/174)].
وأجيب: بالجواب السابق عن الدليل الأول والثاني.
الدليل الرابع: أنه قول جمع من الصحابة رضي الله عنهم.
(يروى عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث) [فتح الباري لابن رجب (5/412) ، وانظر: شرح العمدة للجبرين (1/395)]
فروى مالك في الموطأ عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب وصلى الجمعة.
قال مالك والد أبي سهيل: ثم نرجع بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحاء. [الموطأ مع الاستذكار (1/70)]
قال ابن عبد البر: "أدخل مالك هذا الخبر دليلا على أن عمر بن الخطاب لم يكن يصلي الجمعة إلا بعد الزوال، وردا على من حكى عنه وعن أبي بكر أنهما كانا يصليان الجمعة قبل الزوال، وإنكاراً لقول من قال: إنها صلاة عيد، فلا بأس أن تصلى قبل الزوال...
ولهذا ومثله أدخل مالك حديث طنفسة عقيل ليوضح أن وقت الجمعة وقت الظهر؛ لأنها مع قصر حيطانهم وعرض الطنفسة لا يغشاها الظل إلا وقد فاء الفيء، وتمكن الوقت وبان في الأرض دلوك الشمس" اهـ المراد [المرجع السابق].
وأجيب: بأن "ظل الجدار ما دام في الغرب منه شيء فهو قبل الزوال، فإذا زالت الشمس صار الظل في الجانب الشرقي ولابد"، وهذا يدل على أنه صلاها قبل الزوال [المحلى لابن حزم (5/32)]
الدليل الخامس: أنها بدل من الظهر، فوجب أن يكون وقتها وقت الظهر ، [بداية المجتهد (1/382)].
وأجابوا عن أدلة الحنابلة إجمالاً: بأنها محمولة على التبكير؛ إذ ليست نصاً في الصلاة قبل الزوال [بداية المجتهد (1/382)]، وقال النووي في المجموع (4/266): "والجواب عن احتجاجهم بحديث جابر وما بعده أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إيراد ولا غيره, هذا مختصر الجواب عن الجميع, وحملنا عليه الجميع من هذه الأحاديث من الطرفين, وعمل المسلمين قاطبة أنهم لا يصلونها إلا بعد الزوال" اهـ المراد
القول الثاني: أن صلاة الجمعة تجب بالزاوال، ويجوز فعلها قبله، والأفضل بعده.
وهذا مذهب الحنابلة، وهو من مفردات مذهبهم [المنح الشافيات بشرح المفردات (1/262 و 264)]. على خلاف بينهم في تحديد وقت جواز فعلها قبل الزوال.
قال ابن رجب في الفتح (5/419): "وبكل حالٍ؛ فلا يجب فعلها إلا بعد الزوال؛ على الصحيح من المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، وإنما يجوز تقديمها قبله وتعجيلها كما تعجل الصلاة المجموعة؛ فإن صلاة الجمعة سببها: اليوم؛ ولهذا تضاف إليه، فيقال: صلاة الجمعة، وشرطها: الزوال، فيجوز تقديمها على شرطها بعد وجود سببها، وهو اليوم، كما يجوز تعجيل الزكاة بعد كمال النصاب، وهو سبب الوجوب، وقيل: الحول، وهوشرطه". وفي الإنصاف (5/188) (وعليه أكثر الأصحاب، قال الزركشي: اختاره الأصحاب، وعنه: تلزم بوقت العيد، اختارها القاضي..). وانظر: منتهى الإرادات (1/93) وكشاف القناع (3/333).
واختلفوا في أول وقتها:
فقيل: من ارتفاع الشمس؛ كصلاة العيد، وهو المذهب عند الحنابلة، قال في الإنصاف: "هذا هو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، ونص عليه الإمام أحمد" [الإنصاف (5/185)، وكشاف القناع (3/332)]، واختاره ابن رجب، [فتح الباري لابن رجب: (5/ 419)]، والصنعاني [منحة الغفار حاشية ضوء النهار (2/698)]، الشوكاني، قال في السيل الجرار (1/600): (واعلم أن الأحاديث الصحيحة قد اشتمل بعضها على التصريح بإيقاع صلاة الجمعة في وقت الزوال .... وبعضها فيه التصريح بإيقاعها قبل الزوال... وبعضها محتمل لإيقاع الصلاة قبل الزوال وحاله ... ومجموع هذه الأحاديث يدل على أن وقت صلاة الجمعة حال الزوال وقبله، ولا موجب لتأويل بعضها، وقد وقع من جماعة من الصحابة التجميع قبل الزوال كما أوضحناه في شرح المنتقى وذلك يدل على تقرير الأمر لديهم وثبوته" اهـ ، [وانظر غير مأمور شرح سنن النسائي للولوي (16/171)]، وصديق حسن خان [التعليقات الرضية على الروضة الندية (1/370)] قال: (وهو الحق).
ومن المعاصرين: الشيخ ابن باز ، [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (12/391) ].
واستدلوا بأدلة منها:
الدليل الأول: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نرجع فنريح نواضحنا) قال حسن: فقلت لجعفر بن محمد في أي ساعة تلك: قال: زوال الشمس. رواه مسلم (1989)
وجه الدلالة من الحديث: ظاهر الحديث أنهم كانوا يصلونها قبل الزوال؛ لأنه (لو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال ما كانت إراحة النواضح عند الزوال بل بعده بكثير) [منحة العلام (4/15)]
وأجيب: بأن ذكر الزوال من قول جعفر بن محمد ، وليس من قول جابر، فلا يكون فيه حجة.
وأيضا يحتمل أنه أراد وقت إراحة النواضح كما فسره به أحد الرواة كما في رواية: (حين تزول الشمس) رواها مسلم (1990)
ويحتمل أنه أراد وقت صلاة الجمعة، ويؤيد هذا رواية الطبراني في الأوسط (6439)، ولفظها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس صلى الجمعة فنرجع فما نجد فيئا نستظل به) ، وقد حسنها الحافظ في التلخيص التخليص (634) ، وانظر هذا الجواب في شرح عمدة الفقه لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين (1/393) فما بعدها.
وقال النووي المجموع (4/266) : "يقال: حديث جابر فيه إخبار أن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال لا أن الصلاة قبله.
فإن قيل: قوله: حين الزوال لا يسع هذه الجملة.
فجوابه: أن المراد نفس الزوال, وما يدانيه, كقوله صلى الله عليه وسلم : (صلى بي العصر حين كان كل شيء مثل ظله) اهـ
الدليل الثاني: عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة" رواه البخاري (938) ومسلم (859).
وجه الدلالة من الحديث: أن القيلولة هي النوم نصف النهار، والغداء هو الطعام الذي يؤكل أول النهار، وعليه: فالحديث صريح في أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال.
وأيضا قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس، كما في مسلم من حديث أم هشام بنت حارثة، أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: (ما حفظت ق والقرآن المجيد إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها على المنبر كل جمعة).
وعند ابن ماجه من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ تبارك يوم الجمعة، وهو قائم يذكر بأيام الله)، وكان يصلي الجمعة بسورة المنافقين، كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث علي وأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم.
ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظل يستظل به، وقد خرج وقت الغداء والقائلة. [نيل الأوطار: (4/360) وكشف اللثام للسفاريني (3/172)].
وأجيب: بأن (طريق الجمع أولى من دعوى التعارض, وقد تقرر ... أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا. والمعنى: أنهم كانوا يبدءون بالصلاة قبل القيلولة, بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر, فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد) [فتح الباري لابن حجر (3/ 175)].
فـ(غاية ما يدل عليه أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلوا اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها) [منحة العلام (4/14)]
وقال النووي: (وأما حديث سهل: (ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة) فمعناه: أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة; لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها, فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها, ومما يؤيد هذا ما رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح عن عمر بن أبي سهل بن مالك عن أبيه قال: كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي, فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم نخرج بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحى) [المجموع (4/266)]
الدليل الثالث: عن أنس: قال: (كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة) رواه البخاري (509)
وجه الدلالة من الحديث: (لأن التبكير والقائلة لا يكون إلا قبل الزوال، وقد تقدم إنهم كانوا في عهد عمر يصلون معه الجمعة، ثم يرجعون فيقيلون قائلة الضحى، وهذا يدل على أن وقت الضحى كان باقياً) [فتح الباري لابن رجب: (5/414)]
وأجيب: بما أجيب به عن الدليل السابق، وبرواية البخاري الأخرى عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)، فالتبكير المراد في الرواية المستدل بها هو في أول الزال لا قبله؛ جمعاً بين الروايتين.
الدليل الرابع: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة, ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به) رواه البخاري (3935) ، ومسلم (1993).
وجه الدلالة من الحديث: ظاهر الحديث أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال، وإلا لكان للحيطان ظل.
وأجيب: بأنه حجة في كونها بعد الزوال; لأنه ليس معناه أنه ليس للحيطان شيء من الفيء, وإنما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار. وهذا معنى قوله: (وليس للحيطان ظل يستظل به), فلم ينف أصل الظل، وإنما نفى كثيره الذي يستظل به, وأوضح منه الرواية الأخرى: (نتتبع الفيء) فهذا فيه تصريح بوجود الفيء, لكنه قليل, ومعلوم أن حيطانهم قصيرة وبلادهم متوسطة من الشمس, ولا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلا بعد الزوال بزمان طويل. [المجموع (4/266)]
وقال ابن دقيق العيد: (اللفظ الثاني هذا ـ وهو قوله: (كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء) ـ: يبين أنها بعد الزوال.
واعلم أن قوله: (وليس للحيطان ظل نستظل به) لا ينفي أصل الظل, بل ينفي ظلا يستظلون به, ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم, ولم يجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالجمعة والمنافقين دائما. وإنما كان يقتضي ذلك ما توهم لو كان نفى أصل الظل, على أن أهل الحساب يقولون: إن عرض المدينة خمس وعشرون درجة, أو ما يقارب ذلك.
فإذاً: غاية الارتفاع: تكون تسعة وثمانين. فلا تسامت الشمس الرءوس. فإذا لم تسامت الرءوس لم يكن ظل القائم تحته حقيقة, بل لا بد له من ظل, فامتنع أن يكون المراد: نفي أصل الظل. والمراد: ظل يكفي أبدانهم للاستظلال, ولا يلزم من ذلك وقوع الصلاة ولا شيء من خطبتيها قبل الزوال) [إحكام الأحكام لابن دقيق (2/534 مع العدة للصنعاني)].
الدليل الخامس: عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: (شهدت الجمعة مع أبي بكر, فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار, ثم شهدتها مع عمر, فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار, ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره) رواه عبد الرزاق (5210)، والدارقطني (2/17)، واحتج به الإمام أحمد، وقال ابن رجب في فتح الباري: (5/415): "وهذا إسناد جيد".
لكن ضعفه البخاري؛ حيث قال: "لا يتابع على حديثه" قال الحافظ ابن حجر: "بل عارضه من هو أقوى منه"، وضعفه الزيلعي في نصب الراية (2/195) والنووي في المجموع والخلاصة. [انظر: فتح الباري لابن حجر (3/173) وللتوسع في تخريجه راجع فتح الباري لابن رجب الموضع السابق، والروض المربع، بتخريج عبد الله الغصن (3/348)].
وجه الدلالة من الأثر: أنه صريح في كونهم كانوا يؤدون صلاة الجمعة قبل الزوال دون نكير، فكان إجماعاً سكوتياً.
وأجيب: بضعف هذا الأثر؛ لضعف عبد الله بن سيدان؛ فإنه شبه المجهول، كما قال ابن عدي، وقال البخاري: "لا يتابع على حديثه".
قال النووي: وأما الأثر عن أبي بكر وعمر وعثمان فضعيف باتفاقهم; لأن ابن سيدان ضعيف عندهم, ولو صح لكان متأولا لمخالفة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. [المجموع (4/266)]
ورد: بأن الإمام أحمد احتج به، وصححه ابن رجب وغيره.
الدليل السادس: الآثار الواردة عن الصحابة في ذلك.
قال ابن رجب: (وقد عضد هذا الحديث: أنه قد صح من غير وجه أن القائلة في زمن عمر وعثمان كانت بعد صلاة الجمعة).
وأجيب: بما أجيب به عن الأحاديث المرفوعة سواء بسواء.
قال ابن رجب: (وصح عن عثمان أنه صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بمللٍ. خرّجه مالك في الموطإ، وبين المدينة ومللٍ اثنان وعشرون ميلاً، وقيل: ثمانية عشر ميلاً، ويبعد أن يلحق هذا السائر بعد زوال الشمس) [المحلى (5/32) وفتح الباري لابن رجب (5/416)].
وأجاب عنه الإمام مالك بعد إخراجه في الموطأ: "وذلك للتهجير وسرعة السير" اهـ ، علق عليه ابن عبد البر في الاستذكار (1/72) بقوله: (وهذا كما قاله مالك : أنه هجر بالجمعة فصلاها في أول الزوال، ثم أسرع السير فصلى العصر بملل، ليس في أول وقتها ـ والله أعلم ـ ولكنه صلاها والشمس لم تغرب، ولعله صلاها ذلك اليوم لسرعة السير والشمس بيضاء نقية.
وليس في هذا ما يدل على أن عثمان صلى الجمعة قبل الزوال، كما زعم من ظن ذلك، واحتج بحديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن ابن أبي سليط قال: "كنا نصلي مع عثمان بن عفان الجمعة فننصرف وما للجدار ظل".
وهذا الخبر الثاني عن عثمان ليس عند القعنبي ولا عند يحيى بن حيى صاحبنا، وهما من آخر من عرض على مالك الموطأ، وهذا وإن احتمل ما قال فيحتمل أن يكون عثمان صلى الجمعة في أول الزوال. ومعلوم أن الحجاز ليس للقائم فيها كبير ظل عند الزوال" اهـ المراد.
قال ابن رجب: (وروى شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: صلى بنا عبد الله بن مسعود الجمعة ضحى: وقال: خشيت عليكم الحر).
ورد : بضعف الأثر؛ فقد قال عمرو بن مرة الراوي عنه في روايته هذه: "سمعت عبد الله بن سلمة وإنا لنعرف وننكر" ، وهذا تغير يضعف روايته. [انظر: شرح العمدة للجبرين (1/394)]ز
قال ابن رجب: (وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد، قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى).
ورد: بضعف الأثر؛ فإن سعيد بن سويد قال فيه البخاري: لا يتابع على حديث، ولم يوثقه سوى ابن حبان. [انظر: شرح العمدة للجبرين (1/394)]
قال ابن رجب: (وروى إسماعيل بن سميع، عن بلالٍ العبسي، أن عماراً صلى للناس الجمعة، والناس فريقان، بعضهم يقول : زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تزل. خرّج ذلك كله ابن أبي شيبة.
وخرّج أيضاً من طريق الأعمش، عن مجاهد، قال: ما كان للناس عيدٌ إلا أول النهار.
ومن طريق يزيد بن أبي زياد، عن عطاءٍ، قال: كان من كان قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو .
وروى عبد الرزاق في كتابه عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: كل عيد حين يمتد الضحى: الجمعة، والأضحى، والفطر، كذلك بلغنا.
وروى وكيع في كتابه عن جعفر بن برقان، عن حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاءٍ قال: كل عيد في صدر النهار .
وعن شعبة، عن الحكم، عن حماد، قال: كل عيد قبل نصف النهار.
وروى أبو سعدٍ البقال، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعودٍ ، قال: ما كان عيدٌ قط إلا في صدر النهار، ولقد رأيتنا وأنا لجمع مع رسول الله في ظل الخطبة. أبو سعدٍ، فيه ضعفٌ.
وحكى الماوردي في كتابه الحاوي عن ابن عباسٍ، أنه يجوز صلاة الجمعة قبل الزوال).
وأجيب: بأن الآثار الواردة عن الصحابة في الباب ضعيفة، وأنه لم يأت من وجه يحتج به إلى ما يدفعها من الأصول المشهورة [الاستذكار (1/71)]
الدليل السابع: أنها عيد فجازت في وقت العيد, كالفطر والأضحى.
والدليل على أنها عيد: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين". وقوله: "قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان".
وأجيب: (بأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم) [فتح الباري لابن حجر (3/174)]
بدليل أنه (قد أجمع المسلمون على أن من صلاها وقت الظهر فقد صلاها في وقتها، فدل ذلك على أنها ليست كصلاة العيد؛ لأن العيد لا تصلى بعد الزوال) [الاستذكار (1/72)]
وأجابوا ـ أي: الحنابلة ـ إجمالاً عما استدل به أصحاب القول الأول بأن (كل ما استدل به من قال: تمنع إقامة الجمعة قبل الزوال ليس نصاً صريحاً في قوله، وإنما يدل على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال أو على استحبابه، إما منع إقامتها قبله فلا، فالقائل بإقامتها قبل الزوال يقول بجميع الأدلة، ويجمع بينها كلها، ولا يرد منها شيئاً) [فتح الباري لابن رجب: (5/414)].
قال ابن قدامة في المغني: (3/241) (وأحاديثهم تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته, ولا خلاف في جوازه, وأنه الأفضل والأولى, وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال, ولا تنافي بينهما) اهـ.
وقال الشوكاني بعد ذكره لأدلة مذهب أحمد: (وأصرح من هذا حديث جابر المذكور في الباب, فإنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها عند الزوال, ولا ملجئ إلى التأويلات المتعسفة التي ارتكبها الجمهور, واستدلالهم بالأحاديث القاضية بأنه صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بعد الزوال لا ينفي الجواز قبله) اهـ من نيل الأوطار (4/360)
والقول الثاني في المذهب: أنها تجوز في الساعة السادسة.
اختاره الخرقي وابن قدامة [المغني لابن قدامة (3/239) فما بعدها]. والشيخ ابن عثيمين [مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (16/67) ، الشرح الممتع (5/ 33)] ، واللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة ابن باز وعضوية عبد الرزاق عفيفي وعبد الله بن قعود [فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (8/216)]
واستدلوا بأدلة المذهب، إلا أنهم خصصوها بالساعة السادسة؛ (لأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل, من نص, أو ما يقوم مقامه, وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه, أنهم صلوها في أول النهار.
ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر, وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل, وهو مختص بالساعة السادسة, فلم يجز تقديمها عليها.
ولأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين, فإن العادة اجتماعهم لها عند الزوال, وإنما يأتيها ضحى آحاد من الناس , وعدد يسير) [المغني (3/241)]
الترجيح:
الحقيقة أن كلاً من القولين له قوة ووجاهة؛ ولكن عند التأمل والنظر تبين لي ـ والله أعلم ـ أن قول الجمهور القاضي بأن أول وقت صلاة الجمعة هو زوال الشمس أرجح؛ لعدة أمور:
أولاً: أن له أدلة صحيحة صريحة، بخلاف القول الآخر فأدلته ما بين صريح غير صحيح، أو صحيح غير صريح.
ثانياً: أنه قول الجمهور.
ثالثاً: أنه أحوط وأبرأ للذمة، فمن أخذ به لا يقول له أحد أخطأت؛ بخلاف القول الآخر.
رابعاً: أنه الأفضل بالاتفاق؛ حتى عند القائلين بجواز أدائها قبل الزوال؛ كما تقدم النقل عن صاحب المغني وغيره.
خامساً: أن فيه حماية لصلاة المعذورين من المرضى والعاجزين والنساء؛ فإن منهم من إذا سمع النداء الثاني الذي يكون عند دخول الخطيب قام بأداء صلاة الظهر فوراً؛ دون مراعاة لكونه قد فعل قبل دخول وقت الظهر أو بعده. والله أعلم.
المسألة الثانية: آخر وقت صلاة الجمعة.
اختلف أهل العلم في آخر وقت صلاة الجمعة على قولين:
القول الأول: أن آخر وقت الجمعة آخر وقت الظهر.
وهذا قول جمهور العلماء [فتح الباري لابن رجب: (5/420)، والهداية للمرغيناني (1/89)، بل حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن آخر وقت الجمعة هو آخر وقت الظهر [الشرح الكبير لابن أبي عمر (5/186)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (2/190)، والمبدع (2/148)، وكشاف القناع (3/333)، وانظر: توضيح الأحكام للبسام (2/568)]. واختاره ابن حزم المحلى (5/32).
قالوا: (لأنها بدل منها، أو واقعة موقعها فوجب الإلحاق؛ لما بينهما من المشابهة) [كشاف القناع (3/333)]
القول الثاني: أن آخر وقتها غروب الشمس.
وهو مذهب المالكية؛ ففي المدونة (1/160): "قلت: أرأيت لو أن إماماً لم يصل بالناس الجمعة حتى دخل وقت العصر؟ قال ـ يعني ابن القاسم ـ : يصلي بهم الجمعة ما لم تغب الشمس، وإن كان لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب" اهـ، وفي مختصر خليل (2/517 مع مواهب الجليل): (شرط الجمعة: وقوع كلها بالخطبة وقت الظهر للغروب) إلا أنه قال بعد ذلك: "( تنبيه ) هذا الحكم إذا أخر الإمام والناس الصلاة لعذر أو اتفق ذلك لغير عذر ، وأما ابتداء فلا يجوز ذلك، قال في المدونة: وإذا أتى من تأخير الأئمة ما يستنكر جمعوا دونه إن قدروا، وإلا صلوا ظهرا وتنفلوا معه، قال سند: يريد إذا أخرها إلى وقت العصر، وهذا; لأن وقت الجمعة وقت الظهر، ولهذا يسقط بها الظهر ، وتدخل بالزوال، فما لا يجوز تأخير الظهر عنه لا يجوز تأخير الجمعة عنه) اهـ المراد من كلامه ، وله بقية لمن أراد التوسع في مذهب المالكية في هذه المسألة.
قال ابن رجب في فتح الباري لابن رجب (5/ 421 ) ـ راداً عليه ومشنعاً ـ: (والعجب ممن ينصر هذا القول، ويحتج له، مع أنه لا يعرف العمل به إلاّ عن ظلمة بني أمية وأعوانهم، وهو مما ابتدعوه في الإسلام، ثم ينكر على من قدم الجمعة على الزوال متابعة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكثيرٍ من التابعين لهم بإحسان.
فإن قيل: فقد كان الصحابة يصلون مع من يؤخر الجمعة إلى بعد العصر، وإلى قريب من غروب الشمس؟
قيل: كانوا يصلون الظهر والعصر في بيوتهم قبل مجيئهم، ثم يجيئون اتقاء شر الظلمة، كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ومنهم من كان يومئ بالصلاة، وهو جالسٌ في المسجد إذا خاف فوت الوقت) اهـ
الترجيح:
من خلال عرض القولين والأدلة يتبين بوضوح وظهور رجحان قول الجمهور، وشذوذ قول المالكية.
المسألة الثالثة: إذا خرج وقت صلاة الجمعة قبل إتمامها.
اتفق أهل العلم على أنه متى ما خرج وقت صلاة الجمعة قبل الشروع في أدائها فإنها لا تقضى، قال ابن أبي عمر في الشرح الكبير (5/190) (مسألة: فإن خرج وقتها قبل فعلها صلوا ظهراً؛ لفوات الشرط؛ لا نعلم في ذلك خلافاً)، وفي المجموع (4/264): (وأجمعت الأمة على أن الجمعة لا تقضى على صورتها جمعة، ولكن من فاتته لزمته الظهر). وفي النجم الوهاج للدميري (2/455) (فلا تقضى جمعة بالإجماع).
واختلفوا فيما إذا شرعوا فيها قبل خروج الوقت ثم خرج قبل إتمامها على أقوال:
القول الأول: إن سلم منها قبل آخر وقت الظهر فقد صلاها في وقتها وهي له جمعة، ومن لم يسلم من الجمعة حتى يخرج آخر وقت الظهر لم تجزه جمعة.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية.
قال في الهداية: (1/89) (ولو خرج الوقت وهو فيها استقبل الظهر, ولا يبنيه عليها؛ لاختلافهما). وفي الدر المختار (3/18): (والثالث: وقت الظهر، فتبطل الجمعة بخروجه مطلقاً ولو لاحقا بعذر نوم أو زحمة على المذهب؛ لأن الوقت شرط الأداء لا شرط الافتتاح).
ونص عليه الإمام الشافعي في الأم: (2/386)، وفي الوسيط للغزالي (2/263): (فلو وقعت تسليمة الإمام في وقت العصر فاتت الجمعة، والمسبوق لو وقع آخر صلاته في وقت العصر فيه وجهان:
أحدهما: أنها تصح؛ لأنه تابع للقوم، وقد صحت صلاتهم، ولذلك حط شرط القدوة في الركعة الثانية عنه.
والثاني: أن الجمعة فائتة؛ لأن الاعتناء بالوقت أعظم، بخلاف القدوة وانفضاض العدد فإنهما يتعلقات بغير المصليث فالأمر فيهما أخف).
إلا أن الحنفية ـ وهو قول في مذهب الشافعي ـ يبطلونها ويأمرونه باستئناف الظهر، وأما الشافعية فيصححونها له ظهراً ويصليها أربعاً. [المراجع السابقة، وانظر أيضا: المجموع (4/266)].
وعللوا لقولهم: بأن ما كان شرطا في بعضها كان شرطا في جميعها، كالطهارة، وسائر الشروط.
وأجيب: بمايلي:
أولاً: أنه تعليل وقياس في مقابل النص، فيكون فاسد الاعتبار.
ثانياً: أنه ينتقض بالجماعة، فإنه يكتفي بإدراكها في ركعة. [المغني (3/192)].
القول الثاني: إن خرج الوقت بعد أن صلى ركعة أتمها جمعة وإلا فلا.
وهذا قول في مذهب الحنابلة [كشاف القناع (3/334)]، وهو ظاهر قول الخرقي، واختاره ابن قدامة في المغني (3/192)، والشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (5/36).
واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى" أخرجه ابن ماجة (1121)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وانظر الإرواء (622)؛ ولأنه أدرك ركعة من الجمعة فكان مدركاً لها، كالمسبوق بركعة، ولأن الوقت شرط يختص بالجمعة فاكتفي به في ركعة، كالجماعة [المغني (3/192)]
القول الثالث: إن خرج الوقت بعد أن كبر للإحرام أتمها جمعة وإلا فلا.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة [منتهى الإرادات (1/93)، كشاف القناع (3/334)]
قالوا: (لأنه أحرم بها في وقتها أشبه ما لو أتمها فيه) [المغني (3/191)]
القول الرابع: أنه يصلي بهم الجمعة ما لم تغب الشمس.
وهذا رواية عن الإمام مالك، ففي المدونة (1/160): (قلت: أرأيت لو أن إماماً لم يصل بالناس الجمعة حتى دخل وقت العصر؟ قال ـ يعني ابن القاسم ـ : يصلي بهم الجمعة ما لم تغب الشمس، وإن كان لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب) اهـ، وفي عيون المجالس (1/410): (مسألة: ولو أن إماماً لم يصل بالناس الجمعة حتى دخل وقت العصر فليصل بهم الجمعة ما لم تغرب الشمس، وإن كان لا يفرغ منها إلا بعد غروبها.
وكان قول الشيخ أبي بكر الأبهري رحمه الله وقولي اتفق على أنه ينبغي أن يراعي مقدار ثلاث ركعات قبل غروب الشمس فتكون ركعتي الجمعة وركعة يكون بها مدركا لوقت العصر فيصلي الجمعة ثم يدر العصر.)
ورد عليه: بأنه (فاسد; لأنها أقيمت مقام الظهر بالنص فيصير وقت الظهر وقتا للجمعة , وما أقيمت مقام غير الظهر من الصلوات فلم تكن مشروعة في غير وقته) [بدائع الصنائع (1/602)] الترجيح:
الذي يترجح لدي ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول الثاني؛ للحديث المذكور، وقياساً على باقي الصلوات؛ فإن الصحيح أن وقت الصلاة يدرك بإدراك ركعة، والأصل تساوي صلاة الجمعة مع غيرها من الصلوات الخمس في الأحكام إلا ما دل الدليل على اختصاصها به دون بقية الصلوات، وهنا لم يأت دليل يخرجها عن نظائرها في هذه المسألة. والله أعلم.
أهم المراجع

1. الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، ليوسف بن عبد الله النمري المعروف بابن عبد البر، مؤسسة النداء، 1422، الطبعة الأولى.
2. أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء؛ لقاسم بن عبد الله القونوي الرومي الحنفي، دار الكتب العلمية، 1424، الطبعة الأولى.
3. التاج والإكليل لمختصر خليل؛ لمحمد بن يوسف المواق، بأسفل مواهب الجليل، دار الكتب العلمية، 1416، الطبعة الأولى.
4. الروضة الندية (مع التعليقات الرضية للألباني)، لصديق حسن خان القنوجي، دار ابن القيم ودار ابن عفان، 1423، الطبعة الأولى.
5. السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، لمحمد بن علي الشوكاني، دار ابن كثير ، 1429، الطبعة الثالثة.
6. شرح سنن النسائي "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى"، لمحمد بن علي الولوي، دار آل بروم، 1424، الطبعة الأولى.
7. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد بن عبد الرزاق الدويش، مؤسسة الأميرة العنود، 1423، الطبعة الرابعة.
8. فضائل الجمعة؛ لمحمد ظاهر أسد الله، مكتبة نزار الباز، 1421، الطبعة الثالثة.
9. القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، 1424، الطبعة السابعة.
10. كشاف القناع عن الإقناع، لمنصور بن يونس البهوتي، وزارة العدل، 1423، الطبعة الأولى.
11. المبدع في شرح المقنع؛ لإبراهيم بن محمد بن مفلح، المكتب الإسلامي، 1421، الطبعة الثالثة.
12. المجموع شرح المهذب ؛ ليحيى بن شرف النووي، دار عالم الكتب، 1423، الطبعة الأولى.
13. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لعبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار أصداء المجتمع، 1421، الطبعة الأولى.
14. مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، لمحمد بن صالح العثيمين، دار الثريا، 1423، الطبعة الأولى.
15. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير؛ لأحمد بن محمد الفيومي، بدون معلومات الطبعة.
16. مصنف ابن أبي شيبة، لعبد الله بن محمد بن أبي شيبة، مكتبة الرشد، 1425، الطبعة الأولى.
17. معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس الرازي، دار الكتب العلمية، 1420، الطبعة الأولى.
18. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، لمحمد بن محمد الخطيب الشربيني، المكتبة التوفيقية، بدون تاريخ.
19. المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد، لمنصور بن يونس البهوتي، كنوز إشبيليا، 1427، الطبعة الأولى.
20. منحة الغفار حاشية ضوء النهار، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، مكتبة الجيل الجديد، 1430 ، الطبعة الأولى.
21. مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، لمحمد بن محمد المعروف بالحطاب الرعيني، دار الكتب العلمية، 1416، الطبعة الأولى.
22. الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، 1427، الطبعة الأولى.
23. النجم الوهاج في شرح المنهاج؛ لمحمد بن موسى الدميري، دار المنهاج، 1425، الطبعة الأولى.
24. الهداية شرح بداية المبتدي؛ لعلي بن أبي بكر المرغيناني، دار الكتب العلمية، 1421، الطبعة الأولى.
25. الوسيط في المذهب؛ لمحمد بن محمد بن محمد الغزالي، دار السلام، 1417، الطبعة الأولى.