الرئيسة   برامج اعلامية   إلزام الرجل زوجته الموظفة بالإنفاق على البيت
إلزام الرجل زوجته الموظفة بالإنفاق على البيت
اسم المحاضر : سليمان الماجد
تمت الاضافة بتاريخ : 17/4/1432



نص المقطع

س: كثير من الأخوات تتزوج زوجاً يكون أقل منها مالاً، وهي معلمة أو موظفة فتكون أكثر منه راتباً، وتبدأ حياتهم بعدم المساءلة بقضية المال، فهي تصرف دون النظر إلى مسألة المحاسبة مع الزوج أو قضية النفقة عليه، ولكن تراعي ظروفه المادية، تستمر الحياة بينهم زمناً وهي التي تدفع أكثر المصاريف، وربما إيجار البيت والسيارة وغيرها ذلك، وبعدما ساهمت في شراء بيت الزوجية تتفاجأ بعد مضي عمر طويل أنه تزوج عليها، وكثير من الأخوات لا تعترض على الزواج كزواج؛ لأن هذا شرع الله، ولكنهن يتفاجأن بعد ذلك بأن هذا الزوج يمتنع عن الإنفاق؛ لأن المرأة هنا تطلب المساواة بالمرأة الأخرى في قضية الإنفاق فيُنْفق على الثانية ويرى أن الأولى مطالبة بالنفقة على نفسها وعلى أبنائها وعلى بيتها؛ لأنه تعود على ذلك، وهذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى يرى بعض الأزواج أن المرأة يجب أن تنفق على البيت؛ لأنه سمح لها بأن تعمل صباحاً، واقتطعت وقتاً من الحياة الزوجية بالعمل، وبذلك يرى أنها مسئولة عن الإنفاق، بل إن بعضهم يرى أنه يجب عليها الإنفاق على البيت على الرغم أنه معروف أن النفقة على الزوج، فما تعليقكم على هذا؟.
ج: العلاقة الزوجية تمازج كلي من كل وجه في المأكل والمشرب وفي الفراشات وفي القرابات، تحدث قرابات ومصاهرات لم تنتج إلا من خلال عقد هذا الزواج ومن خلال الإنجاب في ذلك العقد، وقال العلماء والاجتماعيون: عقد الزوجية شراكة حقيقية كاملة بين الزوج وزوجته.
ولهذا جعل الله هذا الزواج وسماه ميثاقاً غليظاً ولم يسم غيره ميثاقاً غليظاً لخطره وأهميته، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ". خطر العلاقة الزوجية لا سيما فيما يتعلق بالأمور المالية يتضح ويظهر في ضعف الزوجة تجاه زوجها، وفي ضعفها تجاه أولادها، وفي ضعفها تجاه هذه العلاقة الزوجية، بل في ضعف الزوجة تجاه نظرة المجتمع إليها فيما لو طالبت بحقها، وفيما لو أثارت مستحقاتها عند زوجها، ولهذا أؤكد على أن من أخطر القضايا التي تقدح في ذمم الرجال لا سيما الأزواج هي القضية المالية مع الزوجة، فما لم تكن واضحة وجلية ويقع فيها التراضي حتى يعلمه الزوج علماً كاملاً واضحاً تاماً، وإلا فإنني أخشى فيه على ذمته، ولهذا نؤكد أنه ينبغي أن تكون هذه العلاقة المالية واضحة، وأن يراقب المرء فيها ربه سواء كان هذا من قبل الزوج لسلطته في بيت الزوجية، أو من قبل الزوجية ألا تظلم زوجها فيما يتعلق بالمسألة المالية؛ فإنها تتداخل الهبات ويتداخل ما يجب عليها وما يجب عليه في مسألة النفقة على البيت في بعض الصور فقط التي قد نعرض إليها.
فيقال: إن النفقة والإنفاق على البيت سواء كان هذا في احتياجات البيت أو احتياجات الأولاد أو احتياجات الزوجة نفسها ولو كانت موظفة هي على الزوج بلا شك ولا ريب، قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: ٣٤]. ولهذا لا يجوز الضغط على الزوجة بأي وسيلة لا بتهديدها بالطلاق ولا بالضغط المباشر ولا بالغضب عليها ولا حتى أن تُؤْخَذ بسيف الحياء فيأخذ النفقة منها بسيف الحياء حيث يعلم من قرارة نفسها أنه لا ترضى بالدفع ولكن نظراً لأنها تستحي منه حتى ولو لم يكرهها إكراهاً فإن هذا الأخذ لا يجوز وهو من المحرمات وهو مما نهى الله عنه لكل إنسان فضلاً عن الزوجة التي أمره الله عز وجل بإعطائها حقها.
وأما قضية المشاركة في النفقة وقضية الضغط عليها إما أن تستقيل ، وإما أن تنفق ، وهذا كثيراً ما يقع فهذه مسألة فيها تفصيل:
الأمر الأول: إن كان هذا الزوج تزوج هذه المرأة وهي موظفة ورضيها بهذه الوظيفة فلا يحل له بأن يطلب منها بأي صورة من الصور أن تترك وظيفتها إلا برضاها واختيارها، أما أن يضغط عليها بالقوة أو بالتهديد بالطلاق أو أن يعود بسيف الحياء لإكراهها على ترك وظيفتها وقطع رزقها، أو ليكون الضغط بترك الوظيفة وبحجة رعاية الأولاد والقيام بشؤونهم فيضغط عليها بهذا الأمر حتى تساهم معه بالإنفاق فيسكت عن مطالبته بالنفقة. لا شك أن هذا من أعظم الجور، ومن أعظم الظلم، ومن أعظم الحيف أن يضغط عليها بهذه الحجة، ولو كانت بعض الزوجات تعطي كل مالها لزوجها وتهمل أولاده فإنه لا يبالي بذلك؛ لأنه قد أخذ من المال ما أرضاه، ولا ريب أن هذا فيه جشع وفي أَثَرَة وفيه أنانية، ولهذا نؤكد على هذه القضية، فإذا كانت قد شرطت عليه بالعقد حتى ولو لم تكن موظفة أو تزوجها وهي موظفها وهي على هذه الحال فقد رضيها أن تكون موظفة فليس له أن يضغط عليها بذلك.
الأمر الثاني: إذا توظفت بعد ذلك ولم يكن بينهما شرط لا في دراسة ولا في وظيفة. في هذه الحال نقول: لو أنه أمرها بالبقاء فلم تبق في البيت إلا أن واضعها على شيء من النفقة على البيت من غير ظلم لها فلا أرى عليه في ذلك حرجاً ولا بأس، ولكن بشرط أن نقول: إنما الأعمال بالنيات. فإذا كان قادراً على النفقة وقادراً على القيام بالواجبات والحقوق لبيته ذلك فليس له أن يساومها على وظيفتها، ولا أن تبقى في وظيفتها بشرط أن تنفق عليه، وليس هذا من شِيَمِ الرجال أن يُلزم الزوج زوجته بذلك.
الأمر الثالث: النفقة الماضية التي أنفقتها الزوجة أو الهبات التي وهبت الزوجة زوجها يقول العلماء ومنهم ابن تيمية: إن هذه الهبات في الغالب لا تكون إلا بشرط ضمني غير مصرَّح فيه بين الزوجين، وهو ألا يتزوج عليها؛ فإنه لا توجد امرأة ترضى أن يتزوج عليها زوجها ومع ذلك ترضى أن تنفق عليه، وأن تكثِّر ماله حتى يتزوج عليها، ولهذا لو رجعت عليه بهذا المال الذي أنفقته وهي قد ضمنَتْ في نفسها بأن هذه النفقة أو هذا العطاء أو هذه الهبة هي بشرط ألا يتزوج عليها، ولهذا من الظلم المبين أن يتكثَّر من مالها ثم يتزوج عليها من مالها فإن قلنا: إن هذا شرط ضمني. فهو كلام ليس بعيداً عن الحقيقة، وقد يأثم الزوج إذا لم يُعِدْ لزوجته حقوقها إذا تزوج عليها.
ولهذا نقول: ليس للزوج أن يلزمها بذلك، ويجب أن ينفق على البيت الأول كما ينفق على البيت الثاني، كلا النفقتين من ماله الخاص، ولا يُلْزم الزوجة بهذا ولا يحاورها ولا يفاوضها في موضوع النفقة وفي موضوع الوظيفة إلا بالشروط التي ذكرناها، وإذا كانت نيته متمحضة لأولاده أو لبيته أو لحقه الخاص بأن يتنازل عن حقه الخاص مقابل هذه النفقة إذا كانت لم تشترط عليه وظيفة ولم تكن موظفة حين تزوجها، ولهذا من الظلم المبين أن يفرض عليها ذلك إذا كانت واحدة، فكيف إذا كان معها ضرة يشترط عليها أن تنفق على بيتها فليس له أن يشترط هذا الشرط، لكن أنبه على قضية في غاية الأهمية وهي ألا نأخذ الحكم القضائي ولا الفتوى الشرعية سيفاً مصلتاً على الزوج نريد أن نحسم به خلافاتنا مع هذا الزوج وحينئذ نفشل؛ لأن القضية هي دافع ذاتي فلتأخذ الزوج بتخويفه بالله بطرق غير مباشرة، ولتأخذ الزوج بعاطفتها، ولتأخذ الزوج بحسن تبعلها بإيصال رسائلها بلطف وبتبليغ هذه الرسائل عن طريق رسائل أو مطويات أو أشرطة بطريقة معينة، لا أن نقول: قال المفتي وقال القاضي، وَحَكَم القاضي. ونرى أن هذه الأحكام وهذه الفتاوى وهذه الآراء حاسمة في الحياة الزوجية، لكن لا بأس إذا كانت السائلة تريد بهذا السؤال للأزواج أن يسمعوا هذا الكلام حتى يصل إلى زوجها، فهذا لا شك أنه من الوسائل الحسنة، وأؤكد أن هذه القضية لا تحسم الخلاف، لا الخلافات الزوجية، ولا الخلافات المالية، بل توصل هذه الأمور بالحسنى إلى زوجها، وربما أن المرأة العاقلة افتدت الكثير من أموالها من أجل استقرار بيتها إذا كان الزوج أحمقَ أو كان لا يخاف الله عز وجل، فإذا كانت القضية المالية غير ساحقة فلا تجعلها قضية مسيطرة عليها تدمر به بيتها وزوجها وتُشتت بها أولادها وأسرتها من أجل خلاف مالي جزئي، فإذا كانت أمورها سالكة فلا تجعل هذه القضية قضية القضايا ومسألة المسائل مما يجعلها هماً وهاجساً بين الزوجين يفجر الخلافات، لكن إذا تحدثنا مع الزوج فإننا نقول: لا يحل لك، يحرم عليك، خَفِ الله عز وجل في هذه الزوجة فهي عانية عندك، فلا تأخذ مالها بسيف الحياء. فهذه الأمور لا شك أنها موجهة للزوج. والله أعلم.