الرئيسة   مسائل علمية   الرؤية الفقهية للألعاب الإلكترونية

الرؤية الفقهية للألعاب الإلكترونية

11.jpg
المقدمة :
تمثل الألعاب الإلكترونية نازلة مهمة من نوازل العصر الحالي ، وقد كان تنازل الفقهاء لها تناولاً تفاوتياً من حيث الكم العلمي والأسلوب البياني( ) وعمق المنهج الاجتهادي ، وسبب ذلك بالخصوص المقام الذي تنزل فيه هذا التناول ، فمقام الإفتاء يستوجب تقديم الفتوى المبينة لحكم هذه النازلة ، وقد لا تزيد هذه الفتوى على بعض الأسطر الحاوية للحكم ودليله وتوجيهه، ومقام التدريس الفقهي يستوجب تقديم المادة العلمية لهذه النازلة من حيث تصورها وتكييفها واستصدار حكمها وبيان أضرارها ومنافعها وبعض متعلقاتها ، أما مقام التحقيق العلمي والعمل الموسع والنظر الجامع فيتطلب أقداراً أكبر مما سبق ، من حيث مقدار المعارف وتنوع التخصص وعمق النظر والاجتهاد والاستعانة بالدراسات الإحصائية والاستقرائية والسياقية ، وغير ذلك ، وفي كل خير وبركة .
وأظنن أن دراستي هذه تنزل في المقام الثالث ، ولكن بشيء يسير جداً ، وربما بإشارة تنبه إلى هذا المقام ، وتدعو إلى استفراغ الوسع فيه على مستوى تحليل وتفصيل مجموع الرؤية الفقهية لهذه الألعاب الإلكترونية ، ومن ذلك استدعاء مختلف مدركات هذه الرؤية ، على نحو القواعد الأصولية والقواعد والضوابط الفقهية والقواعد المقاصدية ، والبيانات التفسيرية والحديثية والاجتهادية المعنية بحقيقة الألعاب الإلكترونية ومآلاتها وسياقاتها ومستلزماتها وضوابطها وغير ذلك .
وقد رأيت أن من المناسب لهذا المقام عرض هذه الرؤية المجملة وفقاً للعناصر التالية :
أولاً : توطئة موجزة عن الألعاب الإلكترونية .
ثانياً : الرأي الإسلامي العام للألعاب الإلكترونية .
ثالثاً : الرؤية الفقهية المتكاملة للألعاب الإلكترونية :
1- تذكير موجز بالاجتهاد في نازلة الألعاب الإلكترونية .
2- الأصل في الألعاب الإلكترونية الإباحة .
3- تغير إباحة الألعاب الإلكترونية بحسب القرائن .
رابعاً : أبرز القواعد المؤصلة للألعاب الإلكترونية .
خامساً : الأحكام الفقهية التفصيلية للألعاب الإلكترونية :
1- تحريم الألعاب الإلكترونية التي تشتمل على المخالفات الشرعية .
2- جواز الألعاب الإلكترونية الخالية من المخالفات الشرعية .
سادساً : وجوب أحداث البديل الإسلامي في الألعاب الإلكترونية .
سابعاً : وجوب إيجاد البيئة الفكرية والاجتماعية المساعدة على التوجيه والإرشاد.
والغرض من ذلك – كما ذكرت – إعطاء الرأي الإسلامي العام والموقف الفقهي الإجمالي لهذه الألعاب ، وطلب الاستزادة في ذلك ، على صعيد التحقيق العلمي والتأصيل الاجتهادي وتقديم الحلول الشرعية المناسبة والمقاربات الاجتهادية الممكنة .
أولاً : توطئة موجزة عن الألعاب الإلكترونية :
الألعاب الإلكترونية هي الألعاب المثبتة في الأجهزة والبرامج الإلكترونية المعروفة والمتداولة بين الناس ، ومن هذه الأجهزة جهاز الكمبيوتر وجهاز بلايستايشن وجهاز الهاتف النقال والتلفاز وغير ذلك .
وقد ظهرت هذه الألعاب بكثرة مدهشة في السنوات الأخيرة ، وتطورت أنواعها بسرعة عجيبة ، وغزت الأسواق والمنازل والمؤسسات التربوية والترفيهية والشبابية ، واحتلت كثيراً من مواهب الأطفال وأوقاتهم وسلوكياتهم ، وأفرغت جيوب الآباء والأمهات ، وغيرت موازنات الأسر والمجتمعات ، وفعلت فعلها في العقول والأبدان وفي الدول والبلدان .
وقد ارتبط كل ذلك بأوضاع العصر وأسباب التقنية واتساع الصناعات الإلكترونية وتزايد أحجام الثورة المعلوماتية ، كما ارتبط ذلك برغبة بعض الدول الكبرى وغيرها في تقوية اقتصادياتها وتعظيم عوائدها ، ولا سيما أمام تراجع بعض الصناعات التقليدية التي لم يعد لها المردود ذاته والعائد عينه ، كصناعة النفط والسيارات والمراكب ، فاستنجدت تلك الدول بإحداث البدائل الصناعية والتقنية الإستراتيجية وبإنشاء الشبكة المعلوماتية ومختلف فروعها وأجهزتها وبرامجها ؛ من أجل التعويض عن الفائت والتكريس لما هو آت .
وكان لظهور هذه الألعاب وانتشارها آثارها المختلفة ومضاعفاتها المتنوعة ، فقد آلت إلى عدة أوضاع اقتصادية واجتماعية وإنسانية تفاوتت الأنظار في تقويمها والحكم عليها ، وانتهت إلى تساؤلات عدة على صعيد الدين والخلق والحضارة والخصوصية والتاريخ والجغرافيا والفرد والمجتمع والدولة ، وكادت تحدث الشقاق بين النسيج الثقافي الواحد والاجتماع الأسري الموحد .
وكان من أبرز هذه الآثار ما تعلق بالتساؤل الإسلامي الكبير إزاء هذه الألعاب ، من حيث مشروعيتها وضوابطها ومواجهة تفاصيلها وتداعياتها وآثارها على مستوى حياة المسلمين وفي ضوء توجيه دينهم القويم .
ثانياً : الرأي الإسلامي العام للألعاب الإلكترونية :
استخدمت عبارة الرأي الإسلامي بدلاً عن عبارة الحكم الإسلامي أو الشرعي ، وذلك للإشارة إلى طبيعة هذا الرأي من حيث عمومه المجمل وافتقاره إلى التدقيق العلمي المتعلق بالحكم الشرعي المنوط بمدركاته وضوابطه ومتطلباته الشرعية الاجتهادية المعتبرة .
ومفاد هذه الرأي أن الألعاب الإلكترونية منتج حضاري وحدث صناعي ومكسب للإنسان في حياته ومتاع من أمتعته التي يتخذها في أنشطته وأعماله ، وهو من حيث كونه كذلك فلا يبدو أن يوجد له ما يعارض دينه وثقافته ، إلا إذا تعلقت به أمور تمس عقيدته وأخلاقه وأمنه وسلامته ومجتمعه ودولته ؛ فإنه عندئذ يجوز القول بخلاف ذلك ، وربما يؤيد ما ذهبنا إليه من أن هذه الألعاب لا مندوحة فيها ؛ كونها ألعاباً حسية مركوزة في أجهزة مادية لا تأثير لها على صعيد المعاني والأحكام والأخلاق والقيم والثوابت والرموز ، وربما تكون في معنى مختلف الأجهزة والصناعات المادية والمعملية كالمراكب والمستلزمات الطبية والمنزلية والمكتبية .
إن هذا الرأي الإسلامي العام قد تمليه ظواهر الأمور وحالات التفاعل الشعبي مع أي منجز مادي جديد ، ولا سيما إذا كان منجزاً جذاباً ومغرياً في شكله وأسلوبه وبرامجه ، وإذا أطل من الخارج الصناعي المنعوت بالتحضر والتغلب ، وعند وروده ضمن سياقات معرفية وبيئية تتوالى فيها المنجزات تترى ، ويشتد أمامها الهرج والمرج ، ويتعاظم حيالها الانفصام النكد ، وقد خلق الإنسان في كبد .
ولكن هذا الرأي لا ينبغي أن يمثل الرأي الإسلامي الدقيق والموقف الشرعي العميق ، وذلك من حيث متطلبات ذلك على مستوى التصور أولاً ، والتكييف ثانياً ، والاستنباط والترجيح ثالثاً ، والتوجيه والتأسيس والتفعيل رابعاً وخامساً وسادساً .
وهو ما نتوق إلى بعض بيانه فيما يلي :
ثالثاً : الرؤية الفقهية المتكاملة للألعاب الإلكترونية :
إن التعبير بالرؤية الفقهية يفيد اكتمال العناصر الأساسية والضرورية في المعالجة الفقهية لهذه الألعاب الإلكترونية ، أي أن هذه المعالجة لا تقتصر على بعض الجوانب المتعلقة بهذه الألعاب ، كاقتصارها على بعض فوائدها التعليمية والاقتصادية ، أو اكتفائها بسلبياتها وأضرارها ، أو النظر إليها من زاوية المستخدم الفرد ، أو المستهلك دون المنتج ... فالمنهج الموضوعي والطريقة الأمثل هي أن تكون المعالجة مبنية على مجموع ما يوصل إلى حسن تصورها وتمام تفاصيلها واستخداماتها ومجموع محاسنها مساوئها وما يمكن أن تؤول إليه من نتائج مختلفة على صعيد الفرد والمجتمع والدولة والأمة والإنسانية .
1- تذكير موجز بالاجتهاد في نازلة الألعاب الإلكترونية :
تُعد هذه الألعاب الإلكترونية نازلة مستجدة من نوازل العصر الكثيرة ، والاجتهاد الفقهي فيها يُبنى على مبادئ ثلاثة :
مبدأ تصور النازلة : أي فهمها ومعرفة طبيعتها ووظيفتها ومختلف استخداماتها وآثار ذلك .
مبدأ تكييف النازلة والبحث عن أصل أو دليل أو توجيه شرعي يوصل إلى معرفة حكمها ، ومن قبيل ما يتم التكييف به أو مظانه الفقهية ، السباق أو المسابقة وأحكامها وأدلتها( ) ، والترفيه وأحكامه ( )، وغيره .
مبدأ تقرير حكم النازلة بناء على ذلك :
ونحن في هذه النازلة قد نعتبرها من الأشياء التي يكون الأصل فيها الإباحة ما لم تقترن بما يصرف تلك الإباحة إلى حكم آخر ، كما قد نعتبرها فعلاً إنسانياً باعتبار كونها مكتشفاً ومستخدماً من قبل الإنسان ذاته ، فيكون الحكم عندئذ مردوداً إلى الحكم على الفعل الإنساني في ضوء تقييده بالاحكام الشرعية وفق ملابسات ذلك ومعطياته وقرائنه ، وقد يتداخل الأمران معاً ( اعتبار النازلة شيئاً من أشياء الوجود ، واعتبارها فعلاً من أفعال الإنسان ) ، ويتكاملان في تحصيل التصور الشامل لها ، واستصدار الحكم الشرعي المتعلق بها ، وهو الأمر الذي يحيلنا إلى معاملة هذه النازلة بالتركيب الذي هي عليه والتعقيد الملحوظ في نشأتها وظروفها وآثارها ودور الإنسان في توجيهها وترشيدها ونوط ذلك بثوابه وعقابه وصلاحه وفساده .
2- الأصل في الألعاب الإلكترونية الإباحة ( ):
تقررت هذه الإباحة بناءً على أن الألعاب الإلكترونية شكل من أشكال الترويح عن النفس وتحصيل اللذة المباحة بالوسائل المباحة ، وإذا لم تصد عن واجب شرعي كإقامة الصلاة وبر الوالدين وإذا لم تشتمل على أمر محرم ( ) .
وقد جاء في لجنة الإفتاء أن الأصل في الألعاب الإلكترونية أنها من وسائل الترفيه المباحة ، فالشريعة الإسلامية لا تحرم اللعب ولا المرح ، فقد أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( روّحوا القلوب ساعة وساعة )) ( ) ، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة : (( والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عليه وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة )) ( ) ، بل كان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة رضي الله عنها في مواسم الأفراح : (( ما كان معكم لهو ، فإن الأنصار يعجبهم اللهو )) ( ) ، غير أن كثيراً من وسائل الترفيه – ومنها الألعاب الإلكترونية – اقترن بها في هذا الزمان بعض المحاذير الشرعية ( ).
3- تغير إباحة الألعاب الإلكترونية بحسب القرائن :
ينتقل حكم الألعاب الإلكترونية من الإباحة إلى الأحكام الشرعية الأربعة ( الوجوب والندب والتحريم والكراهة ) ، بحسب القرائن الواردة على هذه الألعاب ، ومن هذه القرائن أو الملابسات الأضرار الصحية التي تصحب هذه الألعاب إذا أدمخن عليها اللاعب واسترسل فيها دون ضابط أو رابط ، وكذلك الفوائد والمنافع الذهنية والنفسية والحركية التي يكسبها اللاعب بقيامه بنوع من الألعاب التي تحقق ذلك ، وعليه فإن الحكم على الألعاب يتحدد بناءً على ذلك ، وينتقل من الإباحة إلى غيرها بحسب ما تقضي إليه من نتائج مختلفة ، كالمنافع والأضرار ، وما تتعلق به من ملابسات ومعطيات وتداخل مع أمور أخرى .
ثم إن بيان الحكم الفقهي لهذه الألعاب يستند إلى قواعد ذلك وضوابطه ، فضلاً عن نصوص الشرع وأدلته .
رابعاً : أبرز القواعد الموصلة للألعاب الإلكترونية :
قاعدة (( الضرر يُزال )) ( ) ، ومعناها أن الضرر يلزم منعه وإبعاده ، وتنطبق هذه القاعدة على الألعاب الإلكترونية من جهة الأضرار التي تسببها هذه الألعاب ، فإذا كان لها أضرار صحية أو مالية أو نفسية أو على مستوى القيام بالواجبات الشرعية والأسرية ؛ فإنه عندئذ يجب منعها تطبيقاً للقاعدة .
قاعدة (( جلب المصالح ودرء المفاسد )) ، وهي من القواعد المقاصدية والفقهية التي تتنزل بوضوح على الألعاب الإلكترونية ، وذلك من جهة ما يمكن أن تحققه هذه الألعاب الإلكترونية من منافع حسية وحركية وذهنية للأطفال والشباب ، ولاسيما الذين يكونون في أمس الحاجة إلى تنشيط الذاكرة وتدريب الأطراف وتعويد الجسد على الحركة والفكر والمتابعة والتركيز ، وينبغي أن يُراعى في ذلك مقدار الحاجة إلى هذه الألعاب وعدم المبالغة والإفراط ، ومن المصالح الأخرى : مصلحة التجارات والصناعات والتعارف الاجتماعي والتواصل الإنساني بموجب إنشاء هذه الألعاب وتطويرها وترويجها وإحداث المواطن الشغلية والفرص المهنية والمساحات الاستثمارية المختلفة .
قاعدة (( الوسائل لها أحكام المقاصد )) ( )، وهي إحدى قواعد الشرعي الحنيف في مجال الفقه والمقاصد ، وتنزلها على الألعاب الإلكترونية يتمثل في كون هذه الألعاب تعد وسيلة إلى مقصود ترفيهي وتعليمي واجتماعي واقتصادي وغيره ، وأن هذه الوسيلة يحكم عليها في ضوء ما تؤول إليه من نتائج ومآلات ومقاصد ، فإذا آلت إلى ما ينفع الناس في عقولهم وتعلمهم ونشاطهم وتواصلهم ، فإنه يحكم عليها بالجواز والإذن في التناول ، وإذا آلت إلى خلاف ذلك فالحكم يكون المنع والتحريم ، كان تؤول إلى مفاسد بصرية وبدنية ، أو مفاسد فكرية وسلوكية ، أو مفاسد على صعيد التنمية الحقيقية للمجتمع المعرفي والمدني وربما المجتمع السياسي .
قاعدة (( العبرة للغالب الشائع لا النادر ))( ) ، وهي إحدى قواعد الفقه الإسلامي التي تراعي الأغلب أو الغالب في إطلاق الأحكام وتقريرها وترجيحها . ومن ذلك أن المراعى في الحكم على الألعاب الإلكترونية الغالب فيها ، كأن يكون الغالب فيها التثقيف والترفيه، مع ما يوجد فيها من يسير الإرهاق البدني والإنفاق المالي والانزواء عن الجو الأسري والمحيط الاجتماعي ، فهذا اليسير قد يُعفى عنه ولا يتلفت إليه ، ويستثنى من هذه القاعدة مجال الاعتقاد والتدين والأخلاق والدماء والأعراض ، فلا يجوز التغاضي عن اليسير والتهاون فيه ، كأن يتهاون في يسير المس من العقيدة الإسلامية أو الأحكام الشرعية ومن الدماء والأعراض والأخلاق ، فإن هذه المجالات لا يجوز فيها بأي حال من الأحوال التعدي والتفريط ، ومعلوم أن الألعاب الإلكترونية التي تحوي شيئاً من هذا ، كاحتوائها على الاستهزاء بالرسل والثوابت ، أو دعوتها إلى التقاتل والتنازع ، أو تكريسها لحالات الرذيلة والتهاون في الفضيلة ، فلا شك أن هذا اليسير غير معفو عنه ، بل يعمل على تركه ومقاومته ، حتى لا يكون ذريعة إلى التهاون في الكثير ، فمعظم النار من مستصغر الشرر .
وتوجد قواعد فقهية ومقاصدية أخرى أنها أثرها في استخراج حكم الألعاب الإلكترونية ، ويمكن إبراز تطبيقاتها وأوجه ارتباطاتها بهذه الألعاب ، وقد اكتفينا بما ذكرنا ملازمة للإيجاز واقتصار على أدنى المطلوب .
خامساً : الأحكام الفقهية التفصيلية للألعاب الإلكترونية :
1- تحريم الألعاب الإلكترونية التي تشتمل على المخالفات الشرعية :
ومن ذلك :
- المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقيدة الإسلامية ومقدساتها الدين وشعائره : وهي مجموع ما تمثله الألعاب الإلكترونية من إساءة للعقيدة الإسلامية وتحريف لها ، أو من محاربة ومواجهة لها ، ومن ذلك : تمجيد الكفار وتربية الاعتزاز بهم كالألعاب التي إذا اختار فيها اللاعب جيش دولة كافرة يصبح قوياً ، وإذا اختار جيش دولة عربية يكون ضعيفاً( ) ، وترويج الآراء المادية والعبثية وتعظيم الأديان والمذاهب والمشاعر الإسلامية ، كتهوين المسجد الحرام والمسجد النبوي وسائر المساجد ، أو تحقير أهل القرآن والعلم والفضل ، والتندر بهم والضحك عليهم ، وحكم تحريم هذه الألعاب في هذا المجال يتحدد بناءً على ما تفضي إليه هذه الألعاب من تحريف في الاعتقاد الإسلامي الصحيح ، أو استبدال لهذا الاعتقاد باعتقاد آخر مخالف ومعارض ، ومن قبيل ما يكون مواجهة للمقدسات والشعائر الإسلامية : إعطاء مائة نقطة لمن يقصف مكة أو يضرب بغداد( ).
- المخالفات الشرعية المتعلقة بالقيم الأخلاقية : وهي مجموع ما يقدم من برامج ومواد وألعاب تمس بالقيم والفضائل الأخلاقية ، كقيمة العفة والحياء والرفق والحرية والمسؤولية ومناصرة المظلوم ومواجهة الظالم ، وكتعويد اللاعب على قلة الصبر بسبب سرعة تحصيل المراد كتحصيل الغلبة والنصر أثناء اللعب . ومن أمثلة ذلك : الألعاب المشتملة على تصوير للعورات المكشوفة ، والألعاب التي تقوم فكرتها على ان النجاة من الشرير أو التنين يكون بالمرأة المعشوقة والمحبوبة ( ) ، ويتقرر حكم التحريم في هذا الصدد في ضوء مآلات هذه الألعاب على مستوى الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة ، كمآل الكذب والنميمة والتحريض ضد بعض الشعوب والقبائل والدول ، وكل هذا بين التحريم في دين الله تعالى.
- المخالفات الشرعية المتعلقة بحفظ النفس : وهي مجموع ما يقدم من معلومات وأفكار وسلوكيات تشجع على القتل وتروج له ، وتوجه اللاعبين إلى الاستخفاف بالحرمة الجسدية للإنسان فضلاً عن الكرامة النفسية والقيمة الاعتبارية ، كما تجعل منطق الغلبة في الباطل والمنكر هو الذي يسود ويقود . ويضاف إلى ذلك مجموع الأضرار التي يمكن حصولها بسبب طول المكث أمام الجهاز : كضرر البصر والظهر والدورة الدموية .. وفضلاً عن إضاعة الوقت الكثير الذي يعطل مصالح أخرى أهم وأولى ، ويتحدد حكم التحريم في هذا المقام بناءً على ما تقضي إليه هذه الألعاب من سلوكيات عنف وتخريب قد تتجر عن تأثر بعض من يزاول هذه الألعاب ويمارسها بتأثر شديد وتمثل عجيب .
- المخالفات الشرعية المتعلقة بحفظ العقل : وهي مجمل الألعاب التي تحوي بعض برامجها ما يضيع قيمة العقل ودوره في التفكر والتدبر والتعلم والتفقه ، فعقل اللاعب يشتغل بحشو كبير من الخرافة والخيال ، ويصرف عن التفكير العقلاني والواقعي ، ويحشر في ساحة من التعامل مع الواقع برؤية خيالية ومثالية كثيراً ما تؤدي به إلى التصادم من أبناء مجتمعه وإلى الحرمان من تحقيق المصالح المشروعة ، وربما إلى اليأس والانزواء وإلى الاضطراب والأدواء النفسية والعقلية ، هذا فضلاً عن تعرض الذهن والأعصاب إلى الإعياء الشديد والضرر الأكيد بسبب التشنج والتوتر وشدة التفاعل أثناء أداء اللعب ، ويتحدد حكم التحريم في هذا المضمار بناء على أسبابه وعلله ، كعلة وقوع العقل في ضلالات الفكر ومفاسد النظر ، أو اشتغاله بما يصرفه عن التحصيل العلمي الهادف والخشوع الذهني الخالص وحسن التدبير والتخطيط والاستشراف والاستكشاف .
- المخالفات الشرعية المتعلقة بحفظ المال : وهذا أمر معروف جداً ، وخير من يعرفه الذين ينفقون أموالهم في هذه الألعاب غير المنتهية في أشكالها وألوانها وتعددها وتكاثرها بسرعة مهولة ، وهي مع ذلك يقع ترويجها بسرعة أكبر وبإغراء شديد وتأثير عجيب في نفوس الأطفال بالخصوص ؛ والذين يحملون أولياء أمورهم على نفقات كثيرة قد تفوق إمكانياتهم المالية وقد توقعهم في أعباء الديون والإخلال بالموازنات المحددة . وحكم التحريم بناءً على هذه المخالفات يتأسس على ملاحظة أسباب ذلك وعلله ، كسبب الإسراف في اقتناء هذه الألعاب استعمالها ، أو سبب التفريط في مصلحة معتبرة يكون بذل المال فيها أولى من بذله في ألعاب ثانوية أو غير ذات أولوية بالنسبة إلى تلك المصلحة وأمثالها.
- المخالفات الشرعية المتعلقة باختلال النظام الأسري والاجتماعي ، كأن تتعرض الأسرة إلى نوع من التباعد بين أفرادها بسبب شدة الانشغال بهذه الألعاب وانزواء الأبناء – أو حتى الرجال – في زوايا البيت مددًا طويلة وأزمنة عديدة ، وهم في معزل من وضع الأسرة وهمومها وتحدياتها ، ومن ضروب تلك المخالفات التقصير أو التفويت في حق المجتمع بأسره ، من حيث ترك واجب التواصل والتعاون ودوام البر والمعروف وتمتين الأواصر بين الأقارب والجيران والأصدقاء وتقليل أدوار التنمية المجتمعية والأعمال المدنية والجهود الخيرية ، وغير ذلك مما تسبب فيه الإفراط في مزاولة الألعاب وتبادلها بين المولعين بها ، ومعلوم أن هذا التقصير أو التفويت قد يرقى إلى مرتبة التحريم إذا ترتبت عليه محرمات أو فوات واجبات ، كقطع الرحم وترك المعروف والسكوت عن المنكر وتضييع العمل والإنتاج وعموم التعاون على البر والتقوى .
2- جواز الألعاب الإلكترونية الخالية من المخالفات الشرعية :
الأصل في الألعاب الإلكترونية الجواز والإذن في الفعل – وهذا يكون إذا خلت هذه الألعاب من المخالفات الشرعية بالتسبب أو المباشرة ، بالوسيلة أو المقصود . وهذا أمر مقرر نظرياً عند أهل العلم والتحقيق .
والجواز معناه : الإذن في الفعل وعدم منعه حظره ، وهو ما يجعل الفعل مباحاً أو مندوباً أو واجباً ، أي ما يجعل الألعاب الإلكترونية مباحة أو مندوبة أو واجبة .
* فالمباح منها ما يستوي فعله وتركه دون ثواب أو إثم ، فيكون بوسع اللاعب أو المفتي للعبة الاختيار بين أن يلعب أو يفتي أو لا يفعل أي فعل في ذلك ، وهذا هو المتصور في الفعل المباح .
* أما المندوب منها فهو ما يكون فعله من هذه الألعاب مرفوعاً فيه على سبيل الاستحباب والترغيب فلقط ، ودون أن يرقى إلى درجة الوجوب واللزوم ، ويتصور ندب فعل الألعاب الإلكترونية في تزويد الأطفال ببعض المهارات التكميلية الحسية والعقلية والحسابية والتعلمية التي تكون بديلاً أكثر جاذبية من الطرق التعلمية التقليدية كالتعلم بواسطة الكتاب أو الصبورة ، كما يتصور هذا الندب في تلهية الطفل عن الاشتغال ببعض الأعمال التي قد تكرس فيه الاستخفاف بالوقت والخلود إلى الدعة والبطالة ، أو تلهيته عن الخروج إلى الشارع والتقاط بعض المساوي القولية والسلوكية ، كما يتصور هذا الندب في الترويج عن النفس وتجديد النشاط ودرء الملل الذي قد يكدر النفس ويشوش على الذهن، وهذا يشمل الصغار والكبار ، الرجال والنساء .
* أما الواجب منها فهو ما يكون فعله من هذه الألعاب لازماً متعيناً فعله في حق من وجب له ، ويتصور هذا الوجوب في من تعين في حقه وأنيط بذمته ، كتعينه في حق المضطر أو المحتاج إلى تنشيط ملكاته الحسية والعضوية وتدريبه على الحركة وسرعتها وانتظامها وتوازنها ، أو المحتاج إلى علاجات نفسية وذهنية تكون الألعاب الإلكترونية إحدى الوسائل الناجعة في ذلك ، أو المحتاج إلى الاشتغال بها ليصرف عن الاشتغال بما هو محرم بالتسبب أو المباشرة ، وبالوسيلة والمقصود ، ويكون الواجب كذلك متعلقاً بمن أنيط هذا الوجوب بذمته ، كولي الأمر الملزم بإحضار اللعبة الإلكترونية لولده المضطر أو المحتاج إليها من أجل غرض علاجي أو تدريبي أو تأهيلي لفعل ما هو واجب ولازم .
والواجب كما يتعلق بذمم الأفراد ، فإنه يتعلق بذمم الجماعات والهيئات ، فيكون لازماً على الجماعة الوطنية أو التعليمية أو المهنية تمثل ذلك الواجب إذا وردت موجباته وتأكدت مصالحه وأعملت ضوابطه .
سادساً : وجوب إحداث البديل الإسلامي في الألعاب الإلكترونية :
إن الألعاب الإلكترونية في أغلبها من صنع ديار غير المسلمين ، وهي بذلك تشكل تحدياً صناعياً وتنموياً مهماً جداً ، كما قد تشكل تحدياً فكرياً وحضارياً ، وربما يصير تحدياً عقدياً ودينياً ، وذلك بحسب طبائع البيئات الفكرية والاجتماعية لتلك الألعاب ومآلاتها وتداعياتها ، ونحن في هذا السياق لسنا مدعوين للإنكار على هؤلاء فيما صنعوا وأنتجوا وسوّقوا ، فهم أحرار في ذلك ، بل هم يفعلون ذلك كله للدواعي اقتصادهم وحاجتهم إلى المال وأخذ فرصتهم في المنافسة والمواكبة ، ولكننا ندعى إلى أمور كثيرة منها :
- التعامل مع إنتاجهم ذلك في حدود ثوابتنا الدينية وخصوصيتنا الثقافية وإمكانياتنا وقدرتنا ، وهو ما يتناوله البيان الفقهي والرؤية الإسلامية لهذه الألعاب وغيرها من المنتجات.
- العمل على إحداث البدائل المناسبة لأغراض التنمية الداخلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان المواءمة مع الثوابت والخصوصيات والإمكانيات .
ولاشك أن الإنتاج الداخلي لهذه الألعاب سيكون له الأثر الكبير في إحداث البديل الإسلامي والوطني والمحلي في هذا المطلب وفي غيره من المطالب الكثيرة ، وذلك لأنه سيولد في الأرضية الداخلية والبيئة المحلية التي سيكون فيها البديل الوليد حاملاً لمورثات الأصل ومتصفاً بصفاته وخصائصه ، ويكون قد نزعه عرق الدين والحضارة والثقافة ، وقد تربى في أحضان الداخل وشملته أحكام الرضاعة والحضانة والنفقة ، فكان خير الخلف لخير السلف ، وعنواناً للبر والوفاء والعون والعطاء .
إن الحديث عن إحداث البدائل في الألعاب الإلكترونية وغيرها ، يظل من المطالب الإسلامية العالية ومن المهمات الفقهية الاجتهادية الكبرى ، وذلك لقيام التوجه الإسلامي والعمل الفقهي على معالجة الحاضر وتقديم الأجوبة عن مشكلاته والأحكام الشرعية لنوازله ، وعلى الاستشراف المستقبلي من حيث تأسيسه على الاختيار والعزائم والتصرف بقوة أكبر وإمكانيات أعظم مما هي عليه في حالات الاضطرار وإفرازات بعض اللحظات التاريخية التي وجدنا أنفسنا فيها مكبلين بالقهر الإنتاجي الغربي وبالغلبة في كثير من السياقات الثقافية والفكرية والسياسية .
سابعاً : وجوب إيجاد البيئة الفكرية والاجتماعية المساعدة على التوجيه والإرشاد :
إن الذي يفصل ما بين الحاضر المعيش والمستقبل المنظور والبديل المرتقب ، هو فترة انتقالية ومؤقتة قد تطول وتقصر بحسب كيفية التعامل الإرادي والعقلي والمادي وقوانين الاعتبار والتقدير والتخطيط ، وما ينبغي تأكيده في هذه الفترة الانتقالية إعداد البيئة الفكرية والاجتماعية للحماية من أخطار الألعاب الإلكترونية وآثارها المختلفة ، سواء ما كان يتعلق بالأضرار العقدية والفكرية والدينية ، أو الأخطار النفسية والأسرية والاجتماعية ، أو الأخطار الصحية والمالية والتدريسية ، وهو ما يدعو إلى وضع الخطة المبدئية والتفصيلية التي ينبغي أن تنهض بها أعمال الأفراد والمؤسسات المختلفة ، كالمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والمدنية والسياسية ، وأن تتضافر فيها الجهود التراكمية والمدروسة بدقة وعناية على صعد المعرفة العلمية والإحصاءات الميدانية وتعدد الخيرات والاختصاصات ، وهو ما نظن أنه يشكل رؤية فقهية متكاملة للتشخيص والتأسيس ، والمعالجة والمعافاة .
مجلة الدعوة
العدد ( 2309 )