الرئيسة   مسائل علمية   المسعي الجديد

المسعي الجديد

ms.jpg
تضاربت الأقوال فيما سُمّي بالمسعى الجديد، والحق أن السلف رضي الله عنهم اختلفوا فيما هو أبعد من ذلك، اختلفوا في السعي ذاته؛ هل هو ركن أم واجب أم سنة، نظرًا لقوله تعالى: "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا" [البقرة:158].، وانتصر كل منهم لما رآه، دون إلغاء للقول الآخر، أو اتهام لقائله، أو جفوة في القول، أو غلظة تطيح بحقوق الإخاء العلمي والإيماني، ونحن نعرض ما نراه في هذه المسألة، على أنها من مسائل السعة.
1- في قول الله تعالى: " إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا" [ البقرة: 158]. دليل على أن عرض المسعى هو ما بين الصفا والمروة، وعليه فعرض المسعى هو عرض جبلي الصفا والمروة من الغرب إلى الشرق، وقد قامت البينة العادلة من شهود كثيرين تم توثيق شهاداتهم بصكوك شرعية يشهدون برأي عيونهم أن جبل الصفا ممتد امتدادًا بارتفاع مساوٍ لارتفاع الصفا حاليًّا، وذلك نحو الشرق إلى أكثر من عشرين مترًا عن جبل الصفا الحالي، وكذلك الأمر بالنسبة لجبل المروة، وشهادتهم صريحة في امتداد الجبلين - الصفا والمروة - شرقًا امتدادًا متصلًا وبارتفاعهما، فالتوسعة لم تتجاوز عرض الجبلين- الصفا والمروة - من الغرب إلى الشرق.
ولا يزال الناس يصعدون جهة الصفا من داخل البيت إذا اقتربوا من المسعى، وهذا دليل على أن المسعى الحالي لم يستوعب كافة المسافة التي بين الصفا والمروة، فمن جهة الغرب يصعد الطائف إذا اقترب من الصفا والله أعلم.
2- لم نجد للعلماء تحديدًا لعرض المسعى، وقد قال الرملي في كتابه شرح المنهاج: ولم أرَ في كلامهم ضبط عرض المسعى وسكوتهم عنه لعدم الاحتياج إليه؛ فإن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة. ا.هـ.
وقد تكلم بعض الباحثين في هذا الشأن على سبيل التقريب لا على سبيل الجزم.
3- لم يكن المسعى قبل التوسعة السعودية مستقيمًا، بل كان منحنيًا متقوسًا كما يعرف ذلك من رسومات وصور المسعى قبل التوسعة، ومنها الرسوم التي في الرحلات الحجازية، خريطة هيئة المساحة المصرية لعام (1948م) والتي تظهر الميلان الواضح. مع أن المسعى القديم مستقيم غير منحنٍٍ، وهذا يدل على إدخال بعض الأجزاء التي كانت خارجة إليه، أو إخراج بعض ما كان فيه خارجًا عنه.
4- عندما حج النبي صلى الله عليه وسلم كان معه أزيد من مائة ألف وهؤلاء إذا سعوا بين الصفا والمروة فلا شك أنهم سينتشرون في الوادي في مساحة هي أوسع من المسعى الحالي ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن تجاوز حد معين، ولم يكن ثم بناء أو جدار يحجزهم.
5- أن المسعى الحالي ليس هو في عرضه على ما كان في العهد النبوي، ولا في عهد الصحابة رضي الله عنهم، حيث كان المسعى القديم يمر في المسجد الحرام بالموضع المعروف بالحصوة التي شرقي بئر زمزم ثم أخره المهدي العباس عن موضعه ذلك إلى جهة الشرق عام 167هـ كما بين ذلك الأزرقي.
ولم يقابل ذلك بنكير من علماء الإسلام بل ولم ينقل خلاف في ذلك وهذا يدل على سعة عرض المسعى.
6- القول بجواز التوسعة ليس مصادمًا نصًّا من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم-، وقد ثبت أن الزيادة المقترحة للتوسعة لا تخرج عما بين الصفا والمروة، وقد قال تعالى: "إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا" [ البقرة: 158].
7- معلوم أن قاعدة أي جبل أعرض من قمته وأن الجبال تعلو بشكل هرمي ولذا فإن قاعدة جبلي الصفا والمروة أوسع من المساحة المحاذية لعلوهما قطعًا.
8- ولأن الضرورة داعية إلى هذه التوسعة ولا يلزمنا انتظار كارثة تقع داخل المسعى ككارثة نفق المعيصم أو حوادث الجمرات حتى نبحث المسألة.
9- أن هذه المسألة وقد اختُلف فيها فإن القائلين بالجواز منهم من هو من أهل مكة العارفين بها كالشيخ د. عبد الوهاب أبو سليمان والشيخ د. عويد المطرفي وأهل مكة أدرى بجبالها، أو من عرف حال الصفا والمروة قبل التوسعة وشهد بما رأى كالشيخ عبد الله بن جبرين.
10- وقد اختار ولي الأمر أحد الاجتهادين للمصلحة العامة للحجاج والمعتمرين وهو اجتهاد لا يصادم نصًّا صريحًا، ولذا فإن الناس في سعة في إتباع هذا الرأي، ولا ينبغي تشكيكهم في صحة حجهم وعمرتهم في أمر هو من أمور الاجتهاد، أو نهيهم عن أداء المناسك مما يفضي إلى تعطيلها تحت ذريعة التشكيك في المسعى الجديد.