الرئيسة   مسائل علمية   حكم إسقاط الجنين المشوة خلقياً

حكم إسقاط الجنين المشوة خلقياً

jn.jpg
أصبح في الوقت الحاضر بالإمكان معرفة تشوه الجنين عن طريق الأشعة ، وأصبح يمكن للأطباء معرفة ما إذا كان هذا الجنين سيولد مشوهاً أم لا ، وذلك عن طريق الأشعة بأنواعها ، ولهذا إذا تشوه هذا الجنين ، وأنه سيولد مشوهاً ، وسيكون لو ولد وعاش عبئاً على والديه وعلى أسرته ، فهل يجوز إسقاطه في هذه الحال أو لا يجوز ؟ قبل أن نتكلم عن هذه المسألة نذكر بعض الأمور التي لابد من تقديمها قبل بحث هذه المسألة ، وهي : أن نفخ الروح إنما يكون بعد مضي مائة وعشرين يوماً على الحمل ، كما جاء ذلك في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ، فقال : (( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم علقة مثل ذلك ، ثم مضغة مثل ذلك – فأربعون وأربعون ، وأربعون أصبحت مائة وعشرين ، أي أربعة أشهر – ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد ، فو الذي لا إله غيره ، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )) متفق عليه .

فهذا الحديث ظاهر الدلالة في أن نفخ الروح إنما يكون بعد مائة وعشرين يوماً ، وهذا التحديد مهم بالنسبة لبحث المسألة .

ولكن قد جاء في حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه وهو في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ، أو خمس وأربعين ليلة (هكذا لفظ الحديث) فيقول: يا رب ، أشقي أو سعيد ؟ فيكتبان ، فيقول : أي رب أذكر أم أنثى فيكتبان ، ويكتب عمله ، وأثره ، وأجله ورزقه ، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص )) رواه مسلم ، فهذا الحديث حديث حذيفة : أن هذه الكتابة تكون بعد أربعين أو خمس وأربعين يوماً ، بينما في حديث ابن مسعود أن ذلك يكون بعد مائة وعشرين يوماً ، وكلا الحديثين من جهة السند صحيح : حديث ابن مسعود في الصحيحين ، وحديث حذيفة في صحيح مسلم ، فكيف نجمع بينهما ؟ .

تكلم عن ذلك ابن القيم – رحمه الله – في كتاب القيم " شفاء العليل " ، وجمع بين هذين الحديثين ، قال : (( فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته ، وهو في بطن أمه ، واختلفت في وقت هذا التقدير : ففي حديث ابن مسعود أنه يقع بعد مائة وعشرين يوماً من حصول النطفة في الرحم ، وفي حديث حذيفة أنه بعد أربعين يوماً أو خمسة وأربعين يوماً، قال ابن القيم : وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين ولا تعارض بينهما بحمد الله ، وأن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره الله على رأس الأربعين الأولى حتى يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة ، وأن الملك الذي ينفخ فيه ، يعني الروح فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة ، يعني بعد مائة وعشرين يوماً ، فيؤمر عند نفخ الروح بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقاوته أو سعادته ، وهذا تقدير بعد تقدير ، فهذا تقدير غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة، فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حين تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق ، ويقدر الله شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوماً ، فهو تقدير بعد تقدير ، فاتفقت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وصدق بعضها بعضاً )).

لكن في حديث حذيفة لم يذكر فيه نفخ الروح ، إنما ذكر في حديث ابن مسعود، فيكون إذا نفخ الروح بعد مائة وعشرين يوماً ، وهو الذي يهمنا في بحث هذه المسألة ، هذه المسالة – إسقاط الجنين المشوه – بحثت في مجلس هيئة كبار العلماء ، وفي مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ، وصدر فيها قرار من مجلس الهيئة ، وقرار من المجمع ، والقراران متقاربان في تقرير الحكم الشرعي :

أولاً : لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي ، وفي حدود ضيقة جداً ؛ حتى في طور الأربعين لابد من مبرر شرعي ، وأما إسقاط الحمل ؛ خشية المشقة في تربية الأولاد ، أو العجز عن تكاليف معيشهم ، أو الاكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد ، فهذا لا يعتبر مبرراً شرعياً ، فيكون الإسقاط لأجل هذا الغرض غير جائز ، وقد نص على هذا في قرار الهيئة ، أن الإسقاط خشية المشقة في تربية الأولاد أو العجز عن تكاليفهم أو الاكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد أنه غير جائز ولو كان في طور الأربعين الأولى .

ثانياً : إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً ، فإنه لا يحل إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة ، وذلك لأنه قد نفخت فيه الروح ، وأصبح إنساناً فإسقاطه هو في الحقيقة قتل لإنسان ، ولكن إذا كان بقاؤه فيه خطر مؤكد على حياة الأم فهل يجوز إسقاطه في هذه الحال ؟ اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين :

القول الأول : أنه لا يجوز إسقاطه ولو كان فيه خطر محقق ، ولو ماتت أمه ببقائه ، ومن أبرز من قال بهذا القول: الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله – قالوا: ما دام أنه قد نفخت فيه الروح لا يحل إسقاطه بأي حال من الأحوال ، حتى لو قرر الأطباء أنه إن لم يسقط ماتت أمه ، فإنه لا يحل إسقاطه ، وعللوا لذلك: بأنه لا يجوز لنا أن نقتل نفساً لاستبقاء نفس أخرى ، وإسقاطه بعد مائة وعشرين يوماً هو قتل لنفس ، قال الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله - : فإن قال قائل : إذا أبقيناه وماتت الأم فسيموت هو أيضاً فيحصل بذلك قتل نفسين ، وإذا أخرجناه فلربما تنجو الأم ؛ فالجواب أننا إذا أبقيناه وماتت الأم بسببه ، ومات هو بعد موت أمه فإن موت أمه ليس منا، بل من عند الله عز وجل فهو الذي قضى عليها بالموت بسبب هذا الحمل ، أما إذا أجهضنا الجنين الذي كان حياً ، ومات بالإجهاض ، فإن إماتته من فعلنا ولا يحل ذلك لنا ، فأصحاب هذا القول يرون أن إسقاطه بعد مائة وعشرين يوماً فيه تعد على إنسان ، وقتل لإنسان من أجل استبقاء إنسان آخر ، هذا هو حاصل استدلالاً لهم .

القول الثاني في المسألة : أنه إذا ثبت من الأطباء الموثوقين أن بقاء الجنين فيه خطر مؤكد على حياة الأم ، وأنه سوف يتسبب في موتها لو بقي بعد استنفاذ كافة الوسائل لإنقاذ حياته فإنه يجوز إسقاطه في هذه الحال ، وقد أخذ بهذا القول مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة ، ومجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ، وعللوا ذلك بأن إسقاطه في هذه الحال فيه دفع لأعظم الضررين ، وجلب لأعظم المصلحتين ، وذلك لأن عندنا في هذه المسألة ضررين : وهو موت الأم، أو موت هذا الجنين ، وموت الأم أعظم ضرراً من موت الجنين ، وذلك أن حياة الأم متيقنة ، وبقاء هذا الجنين حياً بعد الولادة أمر مشكوك فيه ، فموت الأم أعظم ضرراً ، قالوا: فيجوز إسقاطه دفعاً لأعظم الضررين ، وهذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة ، والله أعلم ، ولكن ذلك بشروط ليس على إطلاقه، وإنما بشرط أن يكون هناك اتفاق بين الأطباء بأن بقاء هذا الجنين فيه خطر مؤكد على حياة الأم ، وأنه لو بقي فسوف يتسبب في وفاتها ، فإذا اتفق الأطباء على ذلك واستنفذت جميع الوسائل لإنفاذ حياته ، ولم يمكن ذلك إلا بإسقاطه ؛ استنقاذاً لحياة الأم جاز إسقاطه في هذه الحال ، هذا هو الأقرب لهذه المسألة . والله أعلم .

وأما ما ذكره أصحاب القول الأول : من أنه ليس لنا قتل نفس لاستبقاء نفس أخرى ، فنحن نقول : نحن الآن عندنا نفسان : عندنا الأم ، وعندنا هذا الجنين ، فلو لم يسقط هذا الجنين لتسبب في وفاة الأم ، ووفاة الأم أعظم ضرراً ، فحينئذ يجوز إسقاطه في هذه الحال دفعاً لأعظم الضررين .

ثالثاً : قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل ، والحمل علقة أو مضغة ، إذا أثبت الأطباء بأن الجنين في هذه المرحلة مشوه تشويهاً خطيراً ، وغير قابل للعلاج ، وأنه إذا بقي فستكون حياته سيئة وآلاماً عليه وعلى أهله ، ففي هذه الحال يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين ، وذلك لأن هذا الجنين في هذه المرحلة لم تنفخ فيه الروح ، وليس بإنسان ، إنما هو مضغة أو علقة فيجوز إسقاطه .

رابعاً : أن يكون في طور الأربعين الأولى ، فيجوز إسقاطه إذا وجد في ذلك مصلحة شرعية ، أو دفع ضرر متوقع ، ومن ذلك أن يكون هذا الجنين لو عاش لكان مشوهاً خلقياً ، فهنا لا بأس بإسقاطه في طور الأربعين الأولى بهذا القيد على أن بعض الفقهاء يجيزون إسقاطه مطلقاً بدون قيود ، وهو ظاهر مذهب الحنابلة ..

ومما سبق يتبين أن العلماء يشددون فيما إذا كان ذلك الإسقاط بعد مائة وعشرين يوماً ، ثم المرحلة الثانية : إذا كان مضغة وعلقة ، يشددون تشديداً أقل من التشديد الأول ، أما إذا كان في الأربعين الأولى فلا يشددون كثيراً في المسألة، ولذلك يجوز الإسقاط في الأربعين الأولى ، ولو لغرض آخر غير تشويه الخلقة ، كما لو اغتصبت امرأة مثلاً ، وحملت فيجوز الإسقاط في طور الأربعين الأولى ، ويعتبر هذا من المصلحة ، ونحو ذلك .

والله تعالى أعلم .