الرئيسة   مقالات   مقدمة في منهج التعامل مع المخالف

مقدمة في منهج التعامل مع المخالف

مقدمة في منهج التعامل مع المخالف


كان من سنن الله تعالى في خلقه أن جعلهم مختلفين في أشياء كثيرة : في ألسنتهم وألوانهم ، وفي طبائعهم وميولهم النفسي والعقلي والعاطفي ، وفي آرائهم ونظراتهم في الدين والنفس والمجتمع وما يحيط بهم :


قال تعالى : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)" هود .


وقال سبحانه : "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)" البقرة .


وكان ذلك لحكم عظيمة من أوضحها : الابتلاء والامتحان ؛ ليظهر من يُعَظِّم الحق ومن لا يُعَظِّمه ، وليُعرف ـ أيضاً ـ جزاء العاصي والمطيع :


قال جل شأنه : "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)" المائدة .


ومن هذه الحِكَم : شحذُ العقل للمزيد من التدبر والتأمل في القرآن والنفس والآفاق .


والعلاقة بالمخالف من الأهمية بمكان ؛ لأن اختلال ميزانها يؤدي إلى الاختلاف المذموم المفضي إلى فساد الأحوال غي الدين والدنيا .


قال الله عز وجل : "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)" آل عمران .


وكان مما امتن الله تعالى به على الرعيل الأول تآلف قلوبهم ، ولهذا حذرهم من التفرق والاختلاف فقال الله تعالى : "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) " آل عمران .


ولم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المجتمع والدولة ـ بعد هجرته ودخوله المدينة ـ إلا بعد أن آخى بين المهاجرين والأنصار .


إن الخلاف مضيق لآراء الناس ومواقفهم .. وعند المضايق يذهب اللب .. وإذا ذهب اللب فلا تسأل عن ضياع حقوق المخالف بل ضياع الحق نفسه في أحيان كثيرة .


فالرأي الذي يعلنه الشخص مرآة لعقله وفكره أو أتباعه أو متبوعيه .. والسائد عند كثير من الناس أن المخالفة والنقد انتقاص لعقله وتسفيه لرأيه وعدوان على محبيه .. وحينئذ يبدأ العدوان على المخالفين .. وهو عدوان ظاهره فيه الرحمة : محبة الحق ، وباطنه فيه العذاب : محبة النفس والانتصار لها .


إن أخطر ما في العلاقة بالمخالف هو كثرة اضطراب الموازين في التعامل معه ؛ مما يؤدي إلى العدوان عليه وظلمه وبخسه حقه ، لاسيما إن كثيراً ممن يتكلم في مخالفه إنما يُحدِّث نفسه ، أو يخاطب من هو على مثل رأيه ؛ فلا يسمع إلا ثناء المعجبين بقوله ؛ مما يزيده ضعفاً في بصيرته .


وقد نبه الحق تبارك وتعالى إلى مثل ذلك في قوله جل شأنه : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)" المائدة .


والمخالف هو كل من خالفك في أي شيء ؛ فهو الوثني والملحد والكتابي والمرتد والمنافق والمبتدع بدعة اعتقادية والمبتدع بدعة عملية ، وهو المنازع في المسائل الفقهية القطعية والظنية ، وكذلك في المناهج المختلفة ، سواء كانت دعوية أو سياسية أو عملية أو في أي صعيد . فكل من لا يرى رأيك أو عملك فهو لك مخالف .


وكل هؤلاء المخالفين ينبغي أن يعاملوا بقواعد العدل التي دلت عليه الشريعة . وإن كان الكلام هنا إنما هو على المخالفين من أهل القبلة .


وهذه أهم قواعد التعامل مع المخالف :


1. أن يعامل بعلم وخشية .


فمن أراد أن يعرف أثر العلم في كل شيء ، ومنه التعامل مع المخالف ؛ فلينظر إلى أثر الجهل : إنه وضع الشيء في غير موضعه ، وهو الجمع بين المفترقات والتفريق بين المتماثلات ، وإعطاء الشيء حكماً مبنياً على الوهم والشك .


ومن المعلوم أن حكم المرء لا يكون صحيحاً في شيء إلا بمعرفة دليل ما قال به ، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، ومنهج السلف في ذلك ، والإجابة على أدلة المخالفين ، ومتى ما فرط في شيء من ذلك فحكم على أحد أو أبدى رأياً فيه فقد اعتدى على المخالف بجهله ، وحتى لو أصاب الحق في نفس الأمر فهو آثم لتفريطه ، وهذا معنى ما قاله بعض أهل العلم : أخطأ وإن أصاب ؛ كالقاضي يحكم بغير بينه ولا قرينة ولا إقرار فهو مخطئ آثم ؛ وإن كان المتهم في نفس الأمر مجرماً .


وليس من العلم أن يقلد المرء غيره في الحكم على الآخرين وما يترتب عليه من التعامل معهم بهجر أو تنفير أو عقوبة ، أو الحكم على أحد بكفر أو فسوق أو بدعة ؛ فما كان قطعياً فلا تقليد فيه لظهوره ، وما كان محل اجتهاد أهل العلم ، أو مشكوكاً فيه لم يجز لأحد أن يخرج من المقطوع به وهو حرمة عرض المسلم ، ولزوم وفائه جميع حقوقه بأمر مشكوك فيه لا يعرف وجهه ولا دليله ، والعالم المستدل في أرائه ومواقفه قد يجد ما يُخرجه من العهدة ، ويبرئ به الذمة ، ولكن ما هي حال المقلد ؟


والتقليد إنما أُبيح ـ على خلاف الأصل وهو وجوب النظر والاستدلال ـ أُبيح لدفع حاجة أو ضرورة في عبادة أو معاملة ؛ فما هي الضرورة والحاجة في الحكم على الآخرين بحكم ، أو معاملتهم بما يُخشى معه بخس أعظم حقوقهم ؟


ولو فقه المسلمون خطر التقليد ، ووكلوا علم ما لم يحققوه إلى العلماء الربانيين من أهل السنة ، وجعلوا لهم القياد في مواجهة البدعة وأهلها لما وقع ما وقع من العدوان والظلم على المخالف وغيره ؛ مما اختلت به الموازين واضطربت معه الأحكام وتشوهت به الصورة ، وأعرض عن الحق بسببه فئام من الخلق .


قال الله تعالى : "وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِۦۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْۗ وَلَوْلا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لاتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلا قَلِيلا" .


أما خشية الله تعالى فهي أعظم ثمرات العلم ، ومن لم يورثه العلم خشية فما حصله ليس بعلم في حقيقته وروحه ، وإنما هو صورته وجثمانه .


فأعظم وقاية للمسلم من أن يعتدي على غيره تصحيحُ أعمال القلوب من معرفة الله عز وجل وقدره حق قدره ، وتعظيم أمره ونهيه والخوف منه ، ومحبته ، ومحبة دينه وأوليائه ، وبغض الكفر والفسوق والبدعة وأوليائها ، والإنابة والإخبات إليه ، والحذر من عقوبات الجبار في الدنيا والآخرة ؛ تورثه علماً بالله تعالى لا تؤثر فيه ـ مع رسوخ هذه المعاني في قلبه ـ حظوظ النفس وشهواتها وتعلقها بما حولها من محبوب أو متبوع ، وإنما حرر قصده ، وجرد وجهه لله وحده ؛ ممتثلاً قوله تعالى : "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" .


ولهذا سمى الباري تعالى المطاعات دون طاعته أنداداً ؛ فقال جل شأنه : "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ" .


وكان من أعظم صفات العلماء هي الخشية والعمل المخلص ، قال جل شأنه : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقال الله تعالى : "أمن هو قانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" .


قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وبعد حكايته رحمه الله أقوالاً للكرامية والمعتزلة والقدرية والمجبرة قال (8/96) : ( .. والله يحب الكلام بعلم وعدل ، ويكره الكلام بجهل وظلم ) ..


.. ( وقـد حرم سبحانه الكلام بلا علم مطلقاً ، وخص القول عليه بلا علم بالنهي ؛ فقال تعالى : "وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً" [الإسراء : 36]، وقال تعالى : "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" [الأعراف: 33] . وأمر بالعدل على أعداء المسلمين .. ) أهـ .


2. أن يكون التعامل بعدل وإنصاف .


فإن العدل فضيلة مطلقة ؛ لا تقييد في فضله ؛ فهو ممدوح في كل زمان وكل مكان ، وكل حال ، ممدوح من كل أحد ، مع كل أحد ، بخلاف كثير من الأخلاق ؛ فإنه يلحقها الاستثناء والتقييد .


ولهذا اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول ، وما من أمة أو أهل ملة إلا يرون للعدل مقامه .


وبالعدل تحصيل العبودية لله وحده ، وبه تُعطى الحقوق وتُرد المظالم ، وبه تأتلف القلوب ؛ لأن من أسباب الاختلاف الظلم والبغي والعدوان ، وبه يُقبل القول ، أو يعذر قائله ، وبه تحصل الطمأنينة والاستقرار النفسي .


ثم ينتج عن ذلك ازدهار العمران المادي والمعنوي ، ولهذا تلحظ تناسباً طردياً بين شيوع العدل وقوة العمران عند الأمم .


وكان العدل سبباً لإنزال الكتب وإرسال الرسل ، قال الله تعالى : "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" .


وكان من أبرز سمات دعوة شعيب عليه السلام ـ بعد تقرير توحيد الله تعالى ـ إقامةُ القسط في الموازين والمكاييل ، قال الله تعالى : "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين" .


فإذا كان هذا من أجل حفنة شعير أو قبضة حنطة فما بالك في مراد الله تعالى بالعدل في التعامل مع الآخرين والحكم عليهم ؛ مما ترخص الأموال فداء له وهو عرض المرء وكرامته ؟ ولهذا قال حسان :


أصوني عرضي بمالي لا أدنسُـه لا بارك الله بعد العرض في المالِ


أحتال للمال إن أودى فأكسِبُه ولست للعرض إن أودي بمحتالِ


وكان للعادلين أعظم مكان ، وأهيب مشهد ؛ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا ".


لقد كان لأهل العدل هذا المقام لأنه ليس دعوى مجردة ، أو أمنية لا عزيمة معها ، أو شعاراً لا معاناة في تحصيله ؛ ولكنه أسباب تتراكم وتجتمع وجهود تُبذل ؛ فمن حققها تحقق عنده العدل وإلا جار في تعامله مع الآخرين ، وفي حكمه عليهم دون أن يشعر .


وإذا أراد المرء أن يمتحن نفسه في العدل ، وأن يمحص دعواه الإنصاف فليتحقق في نفسه أموراً إن وجدها كان حرياً بوصف العدل ، وإن فقدها فهو على خطر :


فمنها : تحصيل العلم الشرعي ؛ فتحقيق المسائل التي يُحكم بها على الآخرين ضروري لتحقيق العدل مع الناس ، ومن قصّر في تحصيله فليس بمعذور أن يحكم أو يتعامل مع أحد بمعاملة يكرهها .


ومنها : التأني ، وأن يجعل للزمن مجالاً قبل الكلام في حق شخص أو مؤسسة ، وهذا التأني يكون في تخريج المناط وفي تحقيقه .


ومنها : العلم بواقع الحال ، من معرفة حال الشخص الذي نتعامل معه ، أو نحكم عليه من ناحية علمه وجهله بما فعله ، والأسباب والدوافع لذلك الفعل ، وأسباب المعذرة ، ومعرفة ما لديه من حسنات قد تغمر ما بدا منه من خطأ أو زلل .


فهذا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعل أمراً عظيماً بتسريب خبر توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لغزوها ؛ فتأنى النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن الفعل أولاً بقوله : يَا حَاطِبُ مَا هَذَا ؟ ، ثم سأله عن السبب ؛ بقوله : "ما حملك على هذا" ؟ وهذا يدل أن للأسباب والدوافع تأثيراً في الحكم ، ثم أعفاه من العقوبة ؛ حين وازن بين سيئاته وحسناته فقال : "وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .


ومنها : اتهام النفس ؛ فإنه بداية تلمس أسباب العدل ، والوقوف على ما يعين عليه ، ومتى كان المرء مزرياً على نفسه متهماً لها ، يتوقع منها الخلل والزلل والهوى كان أبعد الناس عن الوقوع في الظلم والعدوان .


وإذا استرخى عن استشعار ذلك حل محله ظن الكمال والكِـبْر ؛ فيُزين الشيطان له عمله ، ويزيده إغواء بأن يوهمه أن هذه الظنون هي الثقة بما ما معه من الحق ، والعزة على أهل الباطل .


ومن اتهم نفسه رأى نفسه في كل وقت محتاجاً إلى التعرف على أسباب العدل ، ورآها محتاجة إلى النصيحة والتقويم .


وإذا فرط في عمل القلب فقد وقع في الظلم والجور دون أن يعلم .


ومن أسباب العدل : أن ينظر إلى أعماله السابقة ، وأحكامه السالفة ، وكذلك أحوال الظلمة ؛ فكثير من الناس يكون جوره وظلمه بسبب غضبه وتوتره واضطراره إلى علاج الحالة في ضيق من الزمان أو المكان ، أو ضغط الأحوال والأشخاص الذين يحيطون به ؛ فإذا تجرد من هذه المؤثرات فقد يظهر له جور أو ظلم أو عدوان ؛ فإذا قومها فرأى فيها سداداً وتوفيقاً حمد الله تعالى عليه ، وإن رأى غير ذلك راجع نفسه وذاكرها ؛ حتى يقيمها على أمر الله ، ومن ترك تقويم الماضي ومراجعته عاد إلى جوره مرة أخرى دون أن يشعر .


ومن أسبابه : الشجاعة الأدبية مع من يخافهم أو يحبهم أو يرجوهم ؛ فهو قوي شجاع عند تكبير محبيه أو شماتة أعاديه ؛ فإن جرب من نفسه ضعفاً عندها وخوراً في مواجهة ذلك فهو محل للحيف والظلم ؛ فليكن على حذر .


ولهذا كانت البيعة العظيمة التي قال عنها عبادة بن الصامت رضي الله عنه : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكارهنا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالعدل أين كنا لا نخاف في الله لومه لائم . رواه النسائي وهو صحيح ، وأصله في "الصحيحين" .


وتأمل في الشجاعة أمام المبغَضين قول الله تعالى : "وَلاَ يَجْرِمَنكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتقْوَى" .


قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "منهاج السنة" (5/126، 127) : ( .. ومعلوم أننا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة ، مثل الملوك المختلفين علي الملك ، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين، وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل ، لا بظلم وجهل ، وإن العدل واجب لكل أحد وعلي كل أحد في كل حال ، والظلم محرم مطلقاً لا يباح بحال قط ،قال تعالي : ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار ، وهو بغضٌ مأمور به ، فإن كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه ، فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس فهو أحق أن لا يظلم ، بل يعدل عليه ) .


والشجاعة وإن كانت خلقاً جبلياً إلا إنه يُمكن اكتسابه بالتعويد والتربية ، وتدريب النفس عليه ؛ فيحصل لطالب هذا الخلق من الشجاعة ما ليس عند آخرين من الشجاعة التي جبلوا عليها ؛ بل أقوى منها ، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم : "إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه" حديث جيد رواه الدارقطني عن أبي هريرة .


ومن أسباب العدل : تصور آثار الظلم وعواقبه في الدنيا والآخرة :


فالظلم والجور يدوران حتى يعودان إلى من فعلهما ، وبالظلم تشيع الفوضى ، وتنتشر الشحناء ، وتكون العقوبة في النفس والمال والولد .


ومن أسباب العدل : أن يجعل نفسه مكان من يتعامل معه أو يحكم عليه ؛ فإذا كان في مكانه أراد منه في معاملته أو حكمه أن يكون قائماً بالقسط مستكملاً أسباب العدل ؛ فإذا استشعر ذلك كان هو معه كذلك .


من كلام الإمام ابن تيمية في عدله مع المخالفين من أهل البدع :


قال رحمه الله بعد ذكر الغالين في الصوفية والجافين عنهم (11/17) : ( والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله ؛ كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ؛ ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده ، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين ، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطىء ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب . ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه ، عاص لربه ) .


وقال في معرض كلامه على بلوغ نصوص الشريعة بعض أهل التصوف (5/252) : ( .. بل هم متفاضلون في السمع والفهم كتفاضل معرفتهم ، وإيمانُهم بحسب ذلك ؛ حتى يثبت أحدهم أموراً كثيرة والآخر لا يثبتها ) .


.. ( وهذا يبين لك أن هؤلاء كلهم مؤمنون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر ـ وإن كانوا متفاضلين في الإيمان ـ إلاَّ من شاق الرَّسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ) أهـ.


وقال (3/357) : ( وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق ، والروافض معروفون بالكذب . والخوارج مرقوا من الإسلام ، وهؤلاء نابذوا الإسلام ) ..


.. ( وأما القدرية المحضة فهم خير من هؤلاء بكثير ، وأقرب إلى الكتاب والسنة ؛ لكن المعتزلة وغيرهم من القدرية هم جهمية أيضاً ، وقد يكفرون من خالفهم ، ويستحلون دماء المسلمين ؛ فيقربون من أولئك ) ..


.. ( وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة ؛ بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة ، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة ؛ حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة ) .


وقال عن المعتزلة (13/97) : ( .. والذي عليه عامتهم تعظيم علي وعائشة ؛ فإنهم يقولون : إن هؤلاء تابوا من قتاله ، وكلهم يتولى عثمان ، ويعظمون أبا بكر وعمر ، ويعظمون الذنوب ؛ فهم يتحرون الصدق ؛ كالخوارج ، ولا يختلقون الكذب ؛ كالرافضة ، ولا يرون أيضاً اتخاذ دار غير دار الإسلام ؛ كالخوارج ، ولهم كتب في تفسير القرآن ، ونصر الرسول ، ولهم محاسن كثيرة .. ) .


إلى أن قال ( .. والأشعرية ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم ، وبينوا ما بينوه من تناقضهم ، وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة ؛ فحصل بما قالوه من بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير ) .


وذكر رحمه الله (3/353) في شرح حديث الافتراق أصلين في تكفير الفرق ثم قال : ( ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنًا وظاهرًا ، لكن فيه جهل وظلم ؛ حتى أخطأ ما أخطأ من السنة ؛ فهذا ليس بكافر ولا منافق ، ثم قد يكون منه عدوان وظلم فيكون فاسقًا أو عاصيًا ، وقد يكون مخطئًا متأولاً مغفورًا له خطأه ، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه ) أهـ .


3. أن يُستبقى للمخالفين من أهل الشهادتين أصل صحة إسلامهم :


فلا يُحكم على معين منهم بكفر ؛ بمجرد قوله الكفر أو فعله له قبل إقامة الحجة التي يكفر منكرها ، وقبل اجتماع الشروط وانتفاء الموانع ، ولا يُحكم عليه أيضاً بمجرد انتسابه إلى فرقة تقول الكفر أو تعمل به .


أما تكفير المعين إذا قال الكفر أو فعله ؛ فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد حكايته أقوال أهل السنة في تكفير الجهمية : ( .. وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة فإنـهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بـهم ثم إنـهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً ؛ فيتعارض عندهم الدليلان ، وحقيقة الأمر أنـهم أصابـهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع ؛ كلما رأوهم قالوا : من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع ، قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين ؛ إلا إذا وُجِدت الشروط وانتفت الموانع ؛ يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ؛ فإن الإمام أحمد مثلاً قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن .. [وذكر دعوتهم للكفر وإكراههم للناس عليه ثم قال] : ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم ؛ فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها ، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب ، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه ، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم ؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والاجماع ، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنـهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون : القرآن مخلوق ، وأن الله لا يُرى في الآخرة ، وقد نُقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قوما معينين ، فإما أن يُذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر ، أو يحمل الأمر على التفصيل ؛ فيقال : من كُفِّر بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير ، وانتفت موانعه ، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه ، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم).


وهذا ظاهر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة أصحابه ؛ فرغم وجود بل كثرة من قال الكفر أو فعله إلا في عهده إلا إنه لم تُجر عليهم أحكام الكفر ظاهراً ؛ فأخذها المرجئة ولبراليو العصر ليقولوا : إنه لا أحكام للردة في الإسلام ، وأخذها من نظر إلى العمومات بأنها تنطبق على كل قائل للكفر أو فاعل له ، وأيضاً لكل منتسب إلى ملة الكفر من أهل القبلة . وأهل الحق قالوا أخذوا بالعمومات وبالهدي العملي له صلى الله عليه وسلم فقالوا بتحقق الردة والخروج من الملة بشروط ذلك .


أما تكفير المنتسب إلى ملة تقول الكفر أو تفعله من أهل القبلة بمجرد انتسابه إلى هذه الملة فيرى كثيرون أن هذا ظلم تأباه أصول الشريعة ؛ لأن مقتضى هذا العدل أن نبقى على اليقين وهو إقرارهم ظاهرا بالشهادتين ، وأن لا يؤاخذ المرء إلا بما أظهره هو مما يخالفها من قول أو فعل ، ومن أمثلة ذلك ملة الرفض التي يُعلم بالضرورة أن المقالات التي يقولونها والعقائد التي ينتحلونها شرك أكبر في توحيد الربوبية والإلهية ، وكفر أكبر في الأسماء والصفات ، ولكن بعض المخالطين لهم في الدوائر الحكومية والشركات يأخذون الحكم بالعموم ؛ ليكون حكماً لكل منتسب إلى ملة الرفض ؛ بل يجرون أحكام الكفر بمجرد اسم الشخص أو عائلته أو بلدته .


وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (3/352و353) في شرح حديث الافتراق أصلين في تكفير الفرق ؛ فقال : ( أحدهما : أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا ؛ فإن الله منذ بعث محمدًا r وأنزل عليه القرآن ، وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف : مؤمن به ، وكافر به مظهرٌ الكفر ، ومنافق مُسْتَخْفٍ بالكفر . ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة ، وذكر أربع آيات في نعت المؤمنين ، وآيتين في الكفار ، وبضع عشر آية في المنافقين ) .


وقال: (..عامة المخطئين من هؤلاء تجري عليهم أحكام الإسلام التي تجري على غيرهم ، هذا مع العلم بأن كثيراً من المبتدعة منافقون النفاق الأكبر وأولئك كفار في الدرك الأسفل من النار ؛ فأكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون ؛ بل أصل هذه البدع هم المنافقون الزنادقة ممن يكون أصل زندقته عن الصابئين والمشركين ؛ فهؤلاء كفار في الباطن ومن عُلم حاله فهو كافر في الظاهر أيضا ... ومثل المنافقين المظهرين للإسلام فأنـهم تجري عليهم أحكام الإسلام وهم في الآخرة كافرون ؛ كما دل عليه القرآن في آيات متعددة . . . وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يُحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنـهم مخالفون للرسل وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنـها كفر ، وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين ؛ مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض ، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض ؛ فليس لأحد أن يُكفِّر أحداً من المسلمين ، وإن أخطأ وغلط ؛ حتى تقام عليه الحجة ، وتبين له المحجة ، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك ؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ) .


وقال 28/474 رحمه الله بعد أن ذكر غالية الشيعة : ( .. يُقتلون باتفاق المسلمين ، وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في علي وغيره ، مثل النصيرية والإسماعيلية الذين يقال لهم بيت صاد وبيت سين ، ومن دخل فيهم من المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع ، أو ينكرون القيامة ، أو ينكرون ظواهر الشريعة ؛ مثل الصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ، وحج البيت الحرام ، ويتأولون ذلك على معرفة أسرارهم ، وكتمان أسرارهم ، وزيارة شيوخهم ، ويرون أن الخمر حلال لهم ، ونكاح ذوات المحارم حلال لهم ؛ فإن جميع هؤلاء الكفار أكفر من اليهود والنصارى ؛ فإن لم يظهر عن أحدهم ذلك كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار ، ومن أظهر ذلك كان أشد من الكافرين كفراً ..) .


وقال تقي الدين السبكي في "قضاء الأرب في أسئلة حلب" (ص524) بعد أن قال بتكفير غلاة الرافضة والقدرية النفاة للعلم قال : (.. ثم ذلك إما في شخص خاص ، وشرطُه مع ذلك اعتراف الشخص به ، وهيهات يحصل ذلك .. وإما في فرقة ؛ فإنما يقال ذلك من حيث العلم الْجُمْلي ، وأما على أناس بأعيانهم فلا سبيل إلى ذلك إلا بإقرار أو بينة ، ولا يكفي أن يقال هذا من تلك الفرقة ؛ لأنه مع الصعوبة من جهة ما قدمناه يتطرق إليه شيء آخر وهو أن غالب الفرق عوام لا يعرفون الاعتقاد وإنما يحبون مذهباً فينتمون إليه ، من غير إحاطة بكنهه ؛ فلو أقدمنا على تكفيرهم جر ذلك فساداً عظيماً باطلاً .. ) .


وقال ابن مفلح في الفروع : ( .. وقال شيخنا : نصوصه صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفَّر الجهمية لا أعيانهم , قال : وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقا , حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي قال : ومذاهب الأئمة أحمد وغيره مبنية على التفصيل بين النوع والعين ) .


وقال الإمام ابن القيم عن شهادة الفساق : ( .. فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام , ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم . فهؤلاء أقسام : أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له , فهذا لا يكفر ولا يفسق , ولا ترد شهادته , إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى , وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا , فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم , وكان الله عفوا غفورا ) .


4. أن يكون الأصل في المخالف من أهل البدع بقاء حرمة المسلم :


فلا يُهجر ولا يُنفَّر من شخصه بقول أو فعل . إلا بشرطين : الأول : أن تكون مخالفته فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد ، والثاني : أن يكون الهجر نافعاً في قطع فساد مخالفته أو التقليل منه ، أو زجر غيره عن مثل فعله . فإن لم يكن نافعاً وجب البقاء على هذا الأصل ؛ لزوال السبب المبيح للخروج عنه .


أما قول المخالف وفعله سواء كانا مبنيين على اجتهاد سائغ ، أو تقليد جائز ، أو على غير ذلك من المخالفة للقطعيات ؛ فإن بيان دين الله وتعليم العلم والدعوة إليه من أعظم القرب وأحسن الأعمال ؛ فكيف إذا كان هذا البيان دعوةً إلى أصل ، أو توضيحاً لضروري ؛ فإنه من أفضل الأعمال وأوجبها ، وإنما قد يُراعى تأخير بيان بعض الأمور رعاية لمصلحة أعظم ، أو مفسدة أشد ؛ لمعنى في المخالف أو في غيره .


وهذا هو الذي تميز به أهل السنة والجماعة وهو أنهم جمعوا بين طرح منهجهم بجلاء لا يجاملون فيه أحداً من بيان مسائل الدين الكبار ، ومحاربة البدع قولاً وفعلاً ، وبين معاملة أشخاص المخالفين بما تقضيه الشريعة ، ويحقق مقاصدها بقواعد المصالح والمفاسد والعدل والإنصاف ، والرحمة الإحسان ، وعلى ذلك مضى الأئمة ، وكان من أبرز متأخريهم الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ فلا ينقضي عجبك من تبحره وطول نفسه في إيضاح مسائل الدين ونقض شبه المخالفين ، وهو مع ذلك حسن المعاملة للمخالفين تنظيراً وتطبيقاً .


قال رحمه الله في كلامه عن هجر المبتدع (28/210) : ( .. فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد ؛ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأموراً بها ، كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك : إنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية . فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة . وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف ، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي . وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة ، فلو ترك رواية الحديث عنهم لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم . فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب : كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس . ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل ) ..


.. ( وكثير من أجوبة الإمام أحمد ، وغيره من الأئمة ، خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤول حاله ، أو خرج خطاباً لمعين قد علم حاله ، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ، إنما يثبت حكمها في نظيرها ) ..


.. ( فإن أقواماً جعلوا ذلك عاماً ، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به ، فلا يجب ولا يستحب ، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات . وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية ، فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية .. ) . أهـ المقصود من كلامه رحمه الله .


وقال رحمه الله في موضع آخر في نحو ذلك (10/365) : ( .. وإنما قررت هذه القاعدة ليُحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه .. ) .


وقال بعد ذكر بعض شطحات الصوفية (5/253) : ( وهذا يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك ، ثمَّ من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده ، وهذا يبين أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله ـ وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته ـ إلاَّ من كان منافقاً يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول فهذا ليس بمؤمن ، وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقاً فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك ، وهو ممن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم ) ..


.. ( ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه صلى الله عليه وسلّم لم تدخل أمته الجنة ؛ فإنهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة ؛ بل يدخلونها ، وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم ، وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعرف الله به ، وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه لم يُحمَّل ما لا يطيق ، وإن كان يحصل له بذلك فتنة لم يحدث بحديث يكون له فيه فتنة ) . أهـ .


وقال (28/206) : ( وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم ؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله ؛ فإن كانت لمصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً ، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك ؛ بل يزيد الشر ، والهاجر ضعيف ، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته ، لم يشرع الهجر ؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر ) ..


.. ( والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ؛ ولهذا كان النبـي صلى الله عليه وسلّم يتألف قوماً ويهجر آخرين . كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم ؛ لمَّا كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم ؛ فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم ، وهؤلاء كانوا مؤمنين ، والمؤمنون سواهم كثير ؛ فكان في هجرهم عز الدين ، وتطهيرهم من ذنوبهم ، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة ، والمهادنة تارة ، وأخذ الجزية تارة ، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح ) ..


.. ( وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل ؛ ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع ؛ كما كثر القدر في البصرة ، والتجهم بخراسان ، والتشيع بالكوفة ، وبين ما ليس كذلك ، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم ، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه ) .


ولهذا يرى هؤلاء أن أولى من ينطبق عليه هذا الحكم هم المنسوبون ـ بالتقليد ـ إلى بدعة الأشاعرة أو بعض البدع العملية كالموالد التي لا شرك فيها ولا غلو ، ونحو ذلك مما انتشر في العالم الإسلامي ويرون في ذلك أشياء منها ما هو صحيح بل قطعي ظاهر ومنه ما هو محل اجتهاد بين أهل السنة قديما وحديثاً ؛ فيرون أموراً :


1. أن ينصروا على من ظلمهم ولو من أهل الحق :


قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن رد على الجهمية في الفتنة (5/555) : ( وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كُلَّاب ، وكان له فضل وعلم ودين . ومن قال : إنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ـ كما يذكره طائفة في مثالبه ، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك ـ فهذا كذب عليه . وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين ردَّ عليهم ؛ فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى . وقد ذكر مثل ذلك عنهم الإمام أحمد في الردَّ على الجهمية ؛ وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من السالمية ، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الَّذين ينفرون عنه لبدعته في القرآن ؛ ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه . ولا يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا هم شرَّ منه ، وهو خير وأقرب إلى السنة منهم ) .


2. أن يُستر ما لم يظهروه من المخالفات ، ولا يُمتحنوا فيها :


جاء سير أعلام النبلاء 10/311 أن في قَامَ رَجُلٌ إلى البخاري ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ، مَخْلُوقٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يُجِبْهُ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: الْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ وَالامْتِحَانُ بِدْعَةٌ .


3. أن لا يُهجروا ولا يقاطعوا :


لا سيما في مواقع نفوذ هذه الفرق ؛ كالذي ذكره الإمام ابن تيمية عن مواقع نفوذ البدع المنتشرة في زمنه ، وكذلك في غيرها إذا كان ذلك يؤدي إلى مفسدة أعظم ؛ كحمله على التعصب لطريقة قومه ، أو بحثه عمن يعينه ويتواصل معه ، أو تؤدي إلى قطيعة ومنافرة دون تحقيق مصلحة الهجر في حقه ، وأن رعاية مصلحة التأليف مع هذا أظهر من مصلحة هجره .


وفد مضى نقل كلام العلماء في ذلك .


4. أن يُعاونوا في وجوه الخير ؛ إذا لم يوجد أمثل منهم .


كدعمهم في مراكز ومدارس أسلامية لا يعلِّمون فيها البدعة ، لاسيما في بلاد الكفر ، وقد لا يعتنون بمذهب السلف ، ولكنهم يحمون في هذا البلد هوية المسلم من الذوبان في الكفار ، أو يُعنون بدعوة الكفار ، ويرى آخرون أن يُكتفى بعدم عرقلة مشروعاتهم أو صد الناس عنهم ، أو تنفيرهم منهم مع عدم وجود البديل .


قال شيخ الإسلام ابن تيمية (13/ 96) : ( وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير ، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين ، وهو خير من أن يكونوا كفارًا . وكذلك بعض الملوك قد يغزوا غزوًا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثمًا بذلك ، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارًا فصاروا مسلمين ، وذلك كان شرًَا بالنسبة للقائم بالواجب ، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير .. ودخوله في حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرًا ؛ فانتقل إلى خير مما كان عليه ..) أهـ .


ويرون أن لا يُمنع ولا ينفر آحاد المسلمين من الالتحاق بمثل هذه المدارس أو الجماعات حتى وإن كان فيها بعض البدع والمخالفات إذا لم يوجد غيرها قال الإمام ابن تيمية بعد ذكره للطرق الصوفية ومجموعاتهم :


(10/364) : ( .. قد يقترن بالحسنات سيئات إما مغفورة ، أو غير مغفورة ، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً ؛ فإذا لم يحصل النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف ؛ وإلا بقي الإنسان في الظلمة ؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة ؛ إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه ، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية ؛ إذا خرج غيره عن ذلك ؛ لما رآه في طرق الناس من الظلمة ) .


.. ( وإنما قررت هذه القاعدة ليحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه، ويعرف أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمور به شرعا : تارة يكون لتقصير بترك الحسنات علما وعملاً، وتارة بعدوان بفعل السيئات علما وعملاً وكل من الأمرين قد يكون عن غلبة، وقد يكون مع قدرة . فالأول: قد يكون لعجز وقصور، وقد يكون مع قدرة وإمكان . والثاني: قد يكون مع حاجة وضرورة، وقد يكون مع غنى وسعة، وكل واحد من العاجز عن كمال الحسنات. والمضطر إلى بعض السيئات معذور .. ) .


إلى أن قال : ( .. فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائما بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان ).


5. أن لا يُنفر من كتبهم التي ألفوها في غير المخالفة :


ويقولون بأنه كان ولا يزال أهل السنة والجماعة يتتلمذون على العلماء الذين عرفوا ببدع ومخالفات في توحيد الإلهية والأسماء والصفات والبدع العملية ، ويعتنون بكتبهم ويتهادونها ؛ وربما شرحها بعضهم ؛ كالذي فعله الإمام ابن القيم في شرحه منازل السائرين للهروي والذي بين فيه أخطاءه بتلطف ، واعتذر له عن بعضها مما يُعد مخالفة كبيرة .


6. أن يُحسن بهم الظن ويُلتمس لهم العذر في المخالفة ؛ ما أمكن ذلك .


لاجتهاد أو تقليد :


وقال رحمه الله في فيما نُسب إلى بعض الميتدعة من الشطحات ومستنكر الأقوال والأفعال ، ومواقف الناس منهم كما في "الفتاوى" (10/378) قال : ( .. وقد يغلو كل واحد من هذين حتى يخرج بالأول إنكاره إلى التكفير والتفسيق في مواطن الاجتهاد ، متبعاً لظاهر من أدلة الشريعة ، ويخرج بالثاني إلى الإقرار بما يخالف دين الإسلام مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بخلافه ، إتباعاً في زعم لما يشبه قصة موسى والخضر، والأول يكثر في الموسوية ومن انحرف منهم إلى يهودية و الثاني يكثر في العيسوية ومن انحرف منهم إلى نصرانية .


والأول : كثيراً ما يقع في ذوي العلم لكن مقروناً بقسوة وهوى . والثاني : كثيراً ما يقع في ذوي الرحمة لكن مقروناً بضلال وجهل . فأما الأمة الوسط : فلهم العلم والرحمة .. ) أهـ .


وقال (27/95) : ( وكان ابن فورك في مخاطبة السلطان قصد إظهار مخالفة الكرامية ، كما قصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم ، وكما كفرهم عند السلطان . ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ، ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد ؛ بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره : فإنه هو ظلم نفسه ) ..


.. ( وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق ، يتبعون الرسول فلا يبتدعون . ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه . وأهل البدع مثل الخوارج يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ويستحلون دمه . وهؤلاء كل منهم يرد بدعة الآخرين ، ولكن هو أيضاً مبتدع ؛ فيرد بدعة ببدعة ، وباطلاً بباطل ) .


وقال عن عقيدة وحدة الوجود (2/367) : ( .. وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه ، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين ، الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس ؛ فهؤلاء تجد فيهم إسلامًا وإيمانًا ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي .. ) أ.هـ.


*(23/346) بعد كلامه عن تكفير المعين قال : ( .. وهكذا الأقوال التي يُكفَّر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون عنده ولم تثبت ، أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها ؛ فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحقّ ، وأخطأ فإن الله يغفر له خطأَه كائناً ما كان سواء كان في المسائل النظرية ، أو العملية . هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام ، وما قَسَموا المسائل إلى أصولٍ يَكْفُر بإنكارها ، ومسائل فروع لا يَكْفُر بإنكارها ؛ فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ، ولا عن التابعين لهم بإحسان ، ولا أئمة الإسلام ، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع .. ) .


قال (10/371و372) : ( وإنما المقصود هنا : أن ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه ؛ إما لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه ، وإما لعدم قدرته ) أهـ.


ثم قال (2/379) : ( ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السر أشد كفرًا وإلحاحًا من ظاهره، فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه كثير من الناس.


ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمها، ظانًا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة وهو لا يعلم مراد قائلها، وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين، فلا يفهمون حقيقته" أ.هـ.


وقال رحمه الله عن بعض العلماء المناظرين في البدع الاعتقادية (5/563) : ( .. لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول ، وحصل اضطراب في المعقول به ؛ فحصل نقص في معرفة السمع والعقل ، وإن كان هذا النقص هو منتهى قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته ؛ فالعجز يكون عذرًا للإنسان في أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام ، هذا على قول السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به ) ..


.. ( وأما من قال من الجهمية ونحوهم : إنه قد يعذب العاجزين ، ومن قال من المعتزلة ونحوهم من القدرية : إن كل مجتهد فإنه لا بد أن يعرف الحق ، وإن من لم يعرفه فلتفريطه ، لا لعجزه ، فهما قولان ضعيفان ، وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً ) أ.هـ.


لغلبة أمر :


قال عن الذكر بتكرار لفظ الجلالة "الله" (10/567): ( وما نقل عن أبي يزيد والنوري والشبلي وغيرهم من ذكر الاسم المجرد فمحمول على أنهم مغلوبون ؛ فإن أحوالهم تشهد بذلك ، مع أن المشايخ الذين هم أصح من هؤلاء وأكمل لم يذكروا إلا الكلمة التامة ، وعند التنازع يجب الرد إلى الله والرسول ؛ فليس فعل غير الرسول حجة على الإطلاق ) أهـ .


وقال (5/484) : ( وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع ، ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والفقه والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال ويحكي من مقالات الناس ألوانًا ، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره لعدم علمه به لا لكراهته لما عليه الرسول ) أهـ.


مراعاة لقواعد المصالح والمفاسد :


وقال 19/218 : ( .. وكثيراً ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً بل وإماماً وفي نفسه أمور من العدل ‏يريد أن يعمل بها فلا يمكن ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله‎ ‎نفساً إلا وسعها) ‎.


لجهل :


وقال (3/355) بعد ذكره وجهين لتغليط مقالات أهل البدع : ( الثالث : أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها ؛ لكن مع هذا قد يخفي كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم ؛ لما يوردونه من الشبهات ، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا ؛ وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة ؛ فهؤلاء ليسوا كفارًا قطعًا ؛ بل يكون منهم الفاسق والعاصي ؛ وقد يكون منهم المخطئ المغفور له ؛ وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه ) أهـ .


لظهور البدعة وشيوع المخالفة :


وقال رحمه الله (3/239) : ( ومع هذا فقد يكثر أهل الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة ؛ حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئًا ـ عند الجهال ـ لكلام أهل العلم والسنة ؛ حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء ؛ فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها حتى يكون العقوبة بعد الحجة .. وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة ) أ.هـ .