الرئيسة   هموم أمة   هل من مشمر لوقف التنصير في بنجلاديش؟

هل من مشمر لوقف التنصير في بنجلاديش؟

images.jpeg
تعد بنجلاديش ثالث أكبر تجمع للمسلمين على مستوى العالم، ويبلغ عدد سكانها 140 مليون نسمة، 89% منهم من المسلمين وعلى الرغم من أن الحكومة البنجلاديشية علمانية، إلا أن المسلمين يمارسون جميع شعائرهم الدينية، ولديهم حرية إنشاء المدارس والمساجد والمؤسسات الإسلامية والإغاثية، ويوجد نحو 30 ألف مدرسة إسلامية، بجانب المدارس الحكومية، كما تنتشر الكتاتيب ومراكز تحفيظ القرآن في كل القرى، لكن الإمكانات مازالت ضعيفة أمام احتياجات المجتمع البنجالي المسلم.

ذكرنا أن نسبة المسلمين في بنجلاديش تبلغ 89% من إجمالي عدد السكان البالغ 140مليون نسمة, بينما لم يتجاوز عدد النصارى فيها عن 50 ألف نسمة في العام 1947م، وفي عام 1971م بلغوا 200 ألف ومع نهاية العشرية الأولى من القرن 21 بلغوا نحو 2 مليون، في خطوات ثابتة نحو هدف معلن من قبل المنظمات التنصيرية منذ عشرات السنين بتنصير 20 مليون حتى العام 2020، بجهود تصاعدية يبذلها جيش المنصرين الذي يزيد على 30 ألف منظمة وعلى رأسهم منظمة "الرؤية العالمية"، و"كاريتاس"، و"جمعية الشبان "المسيحية"" الذين تركزت جهودهم في بناء الكنائس في كل مكان، حتى في المناطق التي لا يوجد بها أي فرد "مسيحي"، فارتفع عدد الكنائس في بنجلاديش من 13 كنيسة عام 1960 إلى أكثر من 500 كنيسة حاليًا، وهناك أيضًا منظمة قوة الإنقاذ، والبعثة اللوثرية التنصيرية، وكنيسة اليوم السابع".

يعتبر التنصير أخطر ما يحيط بالمجتمع البنجالي بصفة عامة، حيث بسطت البعثات التنصيرية شبكاتها في أرض بنجلاديش لاصطياد الفقراء والسذج من الناس، ويستغل المنصرون الكوارث الطبيعية من فيضانات وزلازل فيهرعون إلى تقديم الخدمات الإغاثية، وإعادة بناء المساكن، بجانب المعونات المادية وبناء المدارس وتعليم أبناء المسلمين في مدارس البعثات الراقية.. ولا يجد المواطن الفقير سوى المنصرين أمامه يتعلق بهم ويبتعد عن دينه أمام لقيمات خبز أو خيمة تقيه البرد القارس.

وبجانب التنصير يواجه المسلمون في بنجلاديش فتنة "القاديانيين" الذين أفسدوا عقائد المسلمين وشوَّهوا معالم الدين الإسلامي ببدعهم وأفكارهم الهدَّامة.

ولعل ما يشجع على التمدد التنصيري في البلاد الحكومات العلمانية التي تمنح كافة التسهيلات للمنصرين وفق اعتراف "الأب لينتو" – في وقت سابق لوسائل الإعلام - بأنه "لا يمر شهر دون أن تأتي مجموعة من الناس ليعلنوا اعتناق "المسيحية" في كنيسة كاكريل، ليس هناك أية مشكلات تعوق الدعوة إلى "المسيحية""، مضيفًا أن "الحكومة لم تتوان عن تقديم أي دعم لنا.. نحن أقلية لكننا نمتلك نفوذًا في مجتمعنا"... "لقد أنشأ "المسيحيون" العديد من المدارس والكليات، ككلية نوتردام التي تقع في قلب العاصمة، إضافة إلى كلية سانت زفير"، ويدرس آلاف الطلاب في هذه المدارس والكليات.

ومن الأمثلة المحزنة التي نقدمها للعالم الإسلامي لعله يتحرك أنه أُنشئ مستشفى تنصيري عام 1965م في قرية "معلوم جات" في منطقة تشيتاجانج، ولم يكن يوجد بها نصراني واحد، أما اليوم فبلغ عدد النصارى بها أكثر من 70 ألفًا، وتم منع رفع الأذان في المساجد القريبة من المستشفى، وصدر أمر بعدم رفع الأذان في ثلاثة مساجد أخرى تبعد 10 كم عن المستشفى!!

كما تقوم المنظمات بتنظيم حملات إساءة للقرآن والرسول بصورة علنية، كما تدعم بعض المرشحين في الانتخابات الذين وصل كثير منهم إلى البرلمان، ومقاعد الحكومة، ويمثلون غطاء أو خط دفاع لأنشطة المنصِّرين.

والأدهى من ذلك أن جيش المنصِّرين ذلك ركز أنشطته في المناطق الحدودية للتمهيد لفصلها عن بنجلاديش، بل قدم أسلحة للحركة الانفصالية بقبيلة "جاروهيل" التي قبلت النصرانية وشنت حرب عصابات ضد الحكومة في مناطق شيتاجانج الجبلية للحصول على الاستقلال... فهل يتحرك العالم الإسلامي؟!!

تقوم المنظمات التنصيرية الدولية بعمل دؤوب من أجل تنصير مسلمي بنجلاديش، مستخدمة في ذلك الوسائل غير المشروعة وغير الأخلاقية، وذلك ما توضحه حقائق ومعلومات مدهشة مقتبسة من تقرير حكومي داخلي أعده المدير العام لقسم المنظمات غير الحكومية لحكومة بنجلاديش، والذي يفضح تصرفات خطيرة تقوم بها هذه المنظمات، مما يمس سيادة البلاد واستقلالها، فأراد المدير وهو موظف حكومي جريء إصدار إشعار للفت الأنظار إلى عديد من المنظمات غير الحكومية ذات النفوذ الواسع، الأمر الذي أدى بسفراء ثلاث دول غربية قوية تقدم مساعدات للبلاد إلى زيارة (خالدة ضياء) رئيسة الوزراء آنذاك، وهددوها بقطع المساعدات الغربية لبنجلاديش إن أصرت الحكومة على إصدار الإشعار، فنقلت السيدة المذعورة عقب هذه الزيارة مدير القسم إلى قسم حكومي آخر؛ من أجل إرضاء أولئك الأجانب، كما تنازلت عن كل الإشعارات الحكومية في هذا المجال اختراقًا لقوانين البلاد وأنظمتها.

لقد انقضَّت المنظمات غير الحكومية على بنجلاديش منذ إنشائها كالنسور الجائعة، ويتضح ذلك عندما نعلم أن تلك المنظمات تصرف ثمانية آلاف مليون (تاكا) من مجموع المساعدات الخارجية التي تبلغ عشرة آلاف مليون (تاكا) سنويًّا إلى المنظمات غير الحكومية إما مباشرة، أو تنفق تحت إشرافها باعتبارها جزءًا من ميزانيتها لتنمية البلاد، كما تجمع هذه المنظمات تبرعات أخرى من المؤسسات الأجنبية باسم تنمية أوضاع السكان الفقراء في بنجلاديش، وبعض هذه المنظمات تصرح علنًا بكونها ذات طابع تنصيري مثل "قوة الإنقاذ، والبعثة اللوثرية التنصيرية، وكنيسة اليوم السابع" وما إلى ذلك، لكن بعضها الآخر يخفي نشاطه تحت ستار أسماء أخرى.

إن هذه المنظمات لا تنفق إلا جزءًا ضئيلاً من هذه المبالغ الهائلة لصالح الفقراء، بينما تنفق الباقي منها وهو يشكل 80% إلى 95% منها في مجالات الرواتب الباهظة للموظفين، والفلل، والسيارات الفخمة، ونشر النصرانية وفي صورة منح في مجالات الإسكان والصحة والتعليم وغيرها تُعطَى للمتنصرين من المسلمين.

هذه المنظمات غير الحكومية قوية جدًّا، وتتمتع بنفوذ واسع في الأوساط الحكومية، لقد نجح شخص يدعى بيه. مانكين - وهو رئيس منظمة نصرانية أصولية تدعى وورلد فيزن - في قبول ترشيحه من ضمن قائمة حزب عوامي ليج، وفاز بالانتخاب النيابي عن دائرة المنطقة الجبلية لـ شيتاجانج، وذلك عن طريق دفع خمسمئة ألف تاكا – 25 ألف دولار أمريكي -للحزب، فقد فاز بأصوات 16 ألف ناخب نصراني ضد منافسه, رغم أنه محام معروف ووزير سابق في حكومة الحزب البنجالي القومي السابقة, ولم يكن حزب عوامي ليج حتى العام الماضي يتمتع بالأغلبية في البلاد، لكن رحلة الحج التي قامت بها رئيسة الحزب ساعدت في جذب آراء الشعب نحوها، فاستغلت حجها لإثارة عواطف الجماهير الدينية، وبالتالي لكسب أصوات الناخبين لصالح الحزب.

هذا ويَعتبر العلمانيون واليساريون من رجال السياسة البنجالية المنظمات غير الحكومية صديقًا حميمًا لهم، ويقفون أمام مكاتبها من أجل الحصول على مبالغ ينفقونها لصالح مشاريع التنمية الصغيرة في دوائر انتخابهم؛ من أجل كسب الأصوات.

كذلك تقوم هذه المنظمات بحملات ضد القرآن والسنة النبوية، فلقد صدر كتاب ألَّفه كاتب نصراني وقامت بطبعه مؤسسة نصرانية يحتوي على بيانات من سبعة (مسلمين بنجاليين) تنصروا فيما بعد، يسبون فيها الإسلام ويستهزؤون به، مفسرين الآيات القرآنية تفسيرًا خاطئًا، ويتجرؤون على النيل من شخصية رسولنا الكريم والمس بكرامته صلى الله عليه وسلم، ولقد طبعت منظمة نصرانية أخرى (الجمعية النصرانية لداكا) الكتاب مترجمًا إلى اللغة البنجالية، ووزعته مجانًا.

كما تقوم هذه المنظمات في الغالب بتوظيف المتنصرين المرتدِّين، وفي حالة توظيف مسلم ما فهو يعاني العراقيل في سبيل أداء الصلاة، وإن أراد أن يصلي فعليه أن يصلي بعيدًا عن أنظار أصحاب العمل؛ لأنهم يكرهون هذا.

ويواجه المسلمين والدعاةَ عددٌ من التحديات، أهمها علمانية الحكومة، وكثرة الخرافات والمنكرات، ومعاداة المفكرين العلمانيين للإسلام، وكثرة مراكز الإرساليات التنصيرية، وانتشار المنظمات الأجنبية غير الحكومية التي تتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، رغم عدد المدارس الإسلامية الكبير، إلا أنه ينقصها الكثير من الموارد المالية والإمكانات المادية والوسائل التعليمية لتفعيل دورها المجتمعي في نشر الدين الإسلامي، وقد وجَّه العلماء نداءات كثيرة للحكومة لإصلاح العملية التعليمية والاهتمام بالمناهج الدراسية وتطويرها، وبالفعل استجابت الحكومة وكوَّنت "لجنة ترقية وإصلاح التعليم في المدارس".

ولخطورة ما تتعرض له بنجلاديش من هجمة تنصيرية شرسة فقد دعا الشيخ "محمد سلطان ذوق الندوي" مدير جامعة دار المعارف الإسلامية ببنجلاديش وعضو مجلس الأمناء لرابطة الأدب الإسلامي العالمية إلى تعميق العلاقات الثقافية بين دول العالم الإسلامي، خاصة بين الناطقين بالعربية وغير الناطقين بها، من خلال إتاحة الفرص أمام أبناء الدول غير العربية للدراسة في الجامعات العربية ومد جسور التواصل بين الشعوب الإسلامية للحفاظ على الهوية الإسلامية من الحملات الغربية الموجهة إليها لطمسها وتفتيت وحدة الشعوب الإسلامية.

وحذَّر الندوي في حوار مع المجتمع من حملات التنصير المكثفة في بنجلاديش والتي يتفاقم أثرها يومًا بعد يوم، مطالبًا بتنشئة الأجيال على تعاليم الشريعة السمحة في مواجهة الإباحية التي يروجها الغرب.

وأخيرًا، فالأمة الإسلامية تحمل مسؤولية كبيرة لإنقاذ مسلمي بنجلاديش من محاولات التنصير المتوالية، فإذا لم يكن الرد سريعًا ومناسبًا للثقافة والأيديولوجية وأعمال المنظمات غير الحكومية فسيتعرض أي إنسان للخراب الروحي، وبالتالي تدمير العقيدة، وسوف يشرد كل إنسان في بنجلاديش إذا تم السماح للإرساليات التنصيرية بالعمل في البلاد.

ونسأل الله أن يلهم الأمة الإسلامية العمل الصائب للسيطرة على خطط المنصرين وعملائهم من ذوي الاتجاهات المشبوهة والتصدي لها, وإلى الملتقى في قضية جديدة إن شاء الله.
المصدر مفكرة الاسلام