الرئيسة   برامج اعلامية   الجدل حول حرية الرأي
الجدل حول حرية الرأي
اسم المحاضر : سليمان الماجد
تمت الاضافة بتاريخ : 22/7/1433



نص المقطع

س: هناك جدل حول موضوع حرية الرأي، من هؤلاء الذين يتحدثون وبعفوية كثيرًا منهم يقولون: أن حرية الرأي يجب أن لا يكون عليها أي قيود، وللإنسان أن يتحدث فيما شاء، كيف شاء، وفي أي وقت، وفي أي موضوع، وأن الحرية تقتضي أن لا يقيد بأي قيد، رأي، الرأي المقابل يقول: نحن في مجتمع مسلم يحكمنا منهج إسلامي، نحن نطالب بالحرية، لكن في إطار المنهج الإسلامي هكذا يعني.
في مجتمعنا فضيلة الشيخ يقودنا ديننا، ولهذا علمائنا بالنسبة لنا هم الحكم فيما يطرح، فماذا يقول الشيخ سليمان في هذه المسألة ؟
ج: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كثيرًا ما يطرح أبو صالح هذه القضايا الملتهبة، وذلك من معاناته جزاه الله خيرًا، مما يسمع ويرى ويقرأ، نسأل الله عز وجل السداد في القول والعمل.
نعم هذه المسألة لا شك أنها كانت محل جدل كبير بين الناس، في الأزمنة المتأخرة، وهذه الخلافات في هذه المسألة، كانت تداعيات في الحقيقة، لنقل المشروع الغربي إلى العالم الإسلامي، إما بنسخة إسلامية، وإما بنسخة حتى غير إسلامية، الديمقراطية بجميع خصائصها، من غير استثناء، طبعًا يدَّعِى هؤلاء بأن الديمقراطية الغربية في البلاد الإسلامية ستأتي بالإسلام يقينًا، وهذا إذا أردت أن تحمله على أحسن المحامل في هذه المسألة.
ومن ضمن هذه الطروحات قضية الحرية، أو ما يسمى عند بعض الفقهاء، إذا أردنا أن نعَّرب، أو نأخذ اللفظ المصطلح عليه فيه عند الفقهاء، الذي هو حق التصرف، حق التصرف للإنسان بماله، التصرف ببدنه، التصرف بلسانه، حقه في الحسبة، حقه في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حقه في التعبير عن شعوره، كل هذه حقوق تصرف في الحقيقة، سواء قلنا: بأنه حق تصرف، أو أنها حرية، المعنى الذي أراه أنه واحد؛ لأنه إن قلنا حرية، أو حق تصرف، الجميع إما أن يكون مطلقًا، كما يدعي أولئك أصحاب الفريق الأول الذي ذكرت، وإما أن يكون مقيدًا على القول الآخر، الحقيقة لا أَشُكُ ولا أَرتَابُ أبدًا، أن المبدأ الحرية بالإطلاق، أنه مبدأ ليس مبدئًا إسلاميًا، بل هو مبدأ الحقيقة في غاية الخطورة، وهو من حيث الوسيلة، يعني أن أظن ويَغلُبُ على ظني أنه سيؤدي إلى هدم الكثير من ثوابت هذا الدين، بسبب إطلاق مسألة مبدأ الحرية، ومبدأ حق التصرف من غير قيود، بحجة أن الناس سيأخذون بهذه المبادئ عن قناعة، وعن إرادة، وعن رضا، فيكون تبنيهم لهذه المشروعات، أيضًا عن قناعة ورضا، هذه منهجية هي التي قادة الفلاسفة في قديم الزمان، وكثير من المعتزلة غلاة الفلاسفة، إلى الأخذ بنظرية الشك، يقول: الإيمان بالتقليد ليس إيمانًا،أن تُقَلّدَ ليس إيمانًا، لكن المبدأ الأول أن تقول: أن أشُك في كل شيء، أشُك في كل برهان، أشُك في كل دليل، حتى أبنيه على قاعدتها، وعلى أساسه، هكذا بدت الفكرة، ومن هنا بدأ جموح العقل، عن سلطان الشريعة، سلطان الشرعية طبعًا بثوابتها، وبأدلتها.
المسائل الاجتهادية، لم يختلف علماء الإسلام الحقيقة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، والأئمة الأربعة، والأئمة والعلماء الأفاضل، من بعدهم إلى وقتنا الحاضر، لم يختلفوا في هذه المسألة من المسائل الاجتهادية، بابها واسع، وإنما اختلفوا نعم في كون بعض المسائل في منطقة المشتبهة، والرمادية، أنها تكون من الاالمجتهادية أو أنها تكون من القطعيات الضروريات، هذا هو محل الخلاف، وهذا يسير، دائمًا لكل مسألة، عدا الرياضيات فقط، فالمنطق لا يمكن أن تأتي في جانب أدبي، ولا جانب فقهي، ولاجانب شرعي، ولا تفسيري، وأن تجعل حدًا فاصلًا بين المعاني، هذا لا يمكن، لا بد أن يُوقع هناك قدر من التشابه بينهما، هذه المسائل سهلة في الحقيقة، حتى العلماء يعني عذروا المخالف في بعض المسائل، حتى وإن كنت أظن أنا أنها تلحق بالقطعيات، وغيري يظن أنها تلحق بالاجتهاديات نعم.
فالذي أراه والله أعلم من حيث بناء الأصل، لابد من بناء أصل، لا بد من وضع قاعدة، أن هذه الحريات، وحقوق التصرف، كلها مقيدة، ومقيدة بماذا؟ بثوابت الشريعة، دائمًا يطعنون، ما هي ثوابت الشريعة؟ سيعدوا علينا، ويضربوننا بمقرعة الثوابت حتى في الإجتهاديات، هذا صحيح هناك من الجهلة يعتاد على القول في بيئة، ولا في مكان، ولايكون الوضع الإجتماعي قد درج عليها، ثم ينطبع في ظنه وذهنه، أنها قطعية، ثم يبدأ يحاكم الناس عليها، يا أخي لا تؤاخذنا بما يفعله الجهلاء، وأهل الجهل، انظر ماذا يقول العلماء المأصلون، العلماء الربانييون، العلماء العارفون في مثل هذه المسائل، حتى وإن أخطأ كما عبر الإمام الشاطبي يقول: فإنها تكون في العالم أشبه بالزلة النادرة، يعني أن يخالف في هذه القواعد، مثل ما يخطئ الجاهل، والأكثر في فعل الجاهل، قد يخطأ العالم الخطأ القليل، هذا لا اعتبار، العبرة بالمشرع العام، والكثرة الكاثرة من الأئمة، وبالمنهج العام الذي مضى عليه العلماء.
فلذلك أن أعود إلى الجواب الأول، الصحيح هو الاتجاه الثاني، الذي ذكرته، وهو الحرية معتبرة، الحرية طريق، حق التصرف طريق للتنمية الحقة المستدامة، طريق للمراقبة، طريق للمراجعة على جميع الصُعد، أولها الصُعد العلمية، ألا يكون هناك أشياء ظنها الناس شرعية، وليست بشرعية، فلا بد أيضًا من إعطاء حق التصرف والمراجعة للعلماء فيما بينهم، في مراجعة هذه الأشياء، أيضًا في الجوانب الاقتصادية بعض الأشياء الذي يظن أنها قطعية، وليست قطعية، فتراجع، وكذلك الجوانب السياسية، والجوانب العسكرية، والجوانب الأمنية، كل هذه الأشياء حق التصرف هذا، سوف يجعل المراجعة للجميع في الحقيقة، للحاكم والمحكوم، للتابع والمتبوع، وللعالم، والجاهل، للغني، والفقير، يجعل حق التصرف، وحق التعبير المقيد بثوابت الشريعة، وقطعياتها، لا شك أن له أثره ودوره، وهنا نأخذ الحقيقة، ولا نقول نأخذ أيضًا؛ لأن هذه أيضًا هي من صميم هذا الدين، لكن لو قلنا: بأنه مبدأ مثلًا غربي كلمة "الحرية"، فنحن نأخذ بهذا المبدأ، مرتبطًا بثوابت هذه الشريعة، ولذلك أنا أعود إلى العقلانيين الغلاة في العقلنه، والمعتزلة، حين أخذوا بمبدأ الشك بحجة إقامة الأدلة على براهين صحيحة، أدى بهم إلى انفلات العقل، وأدى بهم إلى الزندقة، حتى قال في ذلك أبن أبي الحديد المعتزلي:
تاه الأنام بأسرهم فاليوم صاحي القوم عربد
والله ما موسى ولا عيسى المسيح ولا محمد
عرفوا ولا جبريل وهو إلى محل الملك يصعد
يقول: كأن الفلاسفة يقولون: بأن الأنبياء والملائكة لم يعرفوا شيئًا، يقول:
عرفوا ولا جبريل وهو إلى محل الملك يصعد
من كنه ذاتك غير أنك واحدًا في الذات سرمد
عرفوا إضافات ونفيًا والحقيقة ليس توجد
فليخسأ الحكماء عن حرم له الأملاك سجد
من أنت يا رسطو ومن أفلاط قبلك يامبلد
ومن ابن سيناء حين قرر ما هديت به وشيد
هل أنتم إلا الفراش رأى السراج وقد توقد
فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشدًا لأبعد
نعم حكّموا العقل وعظموه، حتى كان سلطانًا على شريعة الله عز وجل، حتى قالوا: بأنك لا تأخذ في الآيات في أحاديث الصفات وفي آياتها، لا تأخذ بالسمع إلي هو الكتاب والسنة؛ لأنه عرضه للفهم الخاطئ، وإنما تأخذه بمحض العقل، ولكن قائله: هو الرازي رحمة الله تعالى عليه وعفا عنه، قد رجع عن كثير من هذه المقالات، وعاد إلى قراءة الكتاب والسنة ومراجعتها، وهذا يدل على أن الغلو أقول، وإلا العقل حقيقة دليلنا إلى الله عز وجل، لكن الغلو في تعظيم العقل، والخروج به عن سنن الشريعة، وقطعياتها، هو سبيل الضلال، وهو الذي يتجه إليه مع الأسف دعاة الحرية المطلقة، بحجة أنها تدعو إلى الإسلام.