الرئيسة   كلمة الموقع   حجٌ نحو الوحدة

حجٌ نحو الوحدة






الحمد لله وحده أما بعد ..

تأمل فإنك لا ترى أمة قوبة البنيان مرهوبة الجانب إلا وترى الائتلاف والانسجام بين أبناء هذه الأمة قوياً متيناً لا ثغرات فيه .

ولا ترى أمة هي في ذيل القافلة ومؤخر الركب إلا وترى التدابر والحسد والبغضاء منتشراً بين أبنائها .

فهذا هو التناسب الطردي بين الائتلاف والقوة ، وبين الاختلاف والضعف .

ولهذا قال الباري جل شأنه : "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" الآية .

ومن أجله كان مِن أول ما بنى النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع المسلم عليه عند قدومه طيبة : المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار .

إن وحدة المسلمين ليست خلقاً اختيارياً مستحباً ؛ بل هي ـ في الجملة ـ فريضة واجبة :

قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم" .

وقال الله صلى الله عليه وسلم : «إياكم والظن فإنَّ الظن أكذَبُ الحديث ولا تحسَّسوا ولا تَجسسوا ولا تَناجشوا ولا تَحاسدوا ولا تَباغَضوا ولا تَدابروا وكونوا عبادَ الله إخواناً».

إن الأخوة سبب من أسباب تنمية المجتمع وتحقيق أهدافه الدينية والدنيوية : وذلك لأن أي مشروع تنموي في الدين والدنيا لا يقوم إلا على التعاون وبذل النصيحة ؛ فإذا حل محلهما : الحسد والمكيدة وسوء الظن فالنتيجة الحتمية : كبت الأفكار البناءة ، وانهيار المشروعات النافعة ، وحينئذ يقف الماء عن الجريان ؛ فيأسن وتكثر معه الجراثيم الفتاكة التي تستغل حال الركود ، ويموت المجتمع بسبب هذه الجراثيم موتاً تاماً ، أو موتاً دماغياً .

فلهذا لم تكن خلقاً اختيارياً .

في الحج دعوة إلى هذه الوحدة وذلك الائتلاف باجتماع الشعوب ذات الألوان والأعراق واللغات والملابس المتعددة في الزمان الواحد والمكان الواحد واللباس الواحد والذكر الواحد والدين الواحد الذي اجتمع عليه رسل الله حين حجوا إلى بيت واحد من لدن إبراهيم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم . وفي الحج نكرانٌ للذات ، وتجردٌ من حظوظ النفس وشهواتها ، وتذكرٌ من الحاج بتجرده من ملابسه : أصل نشأته وحاله بعد موته ، وهذه أولى الدرجات لتحقيق الأخوة .

وفي الحج فرصة لتعزيز هذه الوحدة وتفعيلها في الواقع من خلال اللقاءات والمؤتمرات والحوارات وتبادل الخبرات في كل صعيد ، وذلك حتى نكون خير أمة أخرجت للناس .

قال الله تعالى : "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ , وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّك رَءُوفٌ رَحِيمٌ" .