الرئيسة   كلمة الموقع   حين تكون الأمم قوية

حين تكون الأمم قوية




الحمد لله وحده أما بعد .. فإن قوة الأمة ليست فقط في سلاحٍ ماضٍ يفعل الأعاجيب .. فقد ملكت دولٌ كبرى قوةً قاهرةً ؛ ففرطت في أسباب قوتها الحقيقية؛ فتمزقت إلى دويلات ، في وقتٍ كانت تبشر بمبادئها ، وتفتخر بمناظريها ؛ فكُفنت في ثوب زفافها ، وأغمضت عينيها مع تبلج فجر مسيرتها .

القوة مفهوم شامل ينتظم جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ومتى أُهمل منها جانب فقد وضعت الأمة في جسدها بذرة فنائها ، وفيروس هلاكها .. طال العهد أو قصر .

القوة مفهوم يساير سنن الله الكونية والإلهية ؛ فلا تتخلف هذه السنن ؛ سواء كانت الأمة مسلمة أو كافرة .



ومن أسباب القوة :

عدل الأمة في نفسها وبين رعيتها ، ومع خصومها ، وما ينتجه ذلك من احترامها لنفسها ولرعاتها ورعاياها ، وقطعها لضياع شيء من ثرواتها البشرية أو المادية أو المعنوية في غير أسباب قوتها .

ومنها: شيوع المحبة والألفة بين أبنائها ؛ فيحل الإيثار مكان الأثرة ، والتعاون بدل التخاذل ، والمنافحة عوضاً عن الوقيعة ، ونشر المحاسن محل تتبع الزلات قال الله تعالى : "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" .

ومنها: أخذها بأسباب القوة المعنوية بحسن الإدارة ، والتوفيق في التدبير ؛ باستلهام عبر التاريخ ، ودروس الحاضر ، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب .

ومنها: أخذها بأسباب القوة المادية ، بما يورث طمأنينةً من أي ضوارٍ تتربص بالعرين ، أو جرذان يعبثن به من داخله .

ومنها : الرباط المحكم المتين بين الراعي والرعية ؛ فترى الراعي يسعى لفلاحهم ، ويراه سعياً لفلاحه هو ، وترى الرعية يسعون لنجاح الراعي ، ويرونه سعياً لنجاحهم .. قوة الحاكم تدفع قوة المحكوم ، وقوة المحكوم تدفع قوة الحاكم ، وحينئذ تدور العجلة ، وينبض القلب بشباب وثاب ونفس متوقدة ؛ فيصلح الفؤاد ، ويستقيم معه بقية الجسد .

إن أسود الأمم وضواري المجتمعات لترتعد فرائصها من أمة بهذه المثابة ، وعلى تلك الحال .

فإذا ذهبت هذه المعاني فأي رجاء في خوض حرب ، أو شهر سلاح فتاك ؟

إن القوة المعنوية لمن يحمل السلاح دفاعاً عن أمته هي التي تجعله يتجلد في حمله ، ويمكث الليالي ذوات العدد في خندقه رضي النفس ؛ لأنه يحفظ حقوقاً ، ويرعى مكاسب ، بُنيت بعرق الجبين ، ودماء القلوب .

وهذه القوة بجميع أجزائها هي التي واجه النبي صلى الله عليه وسلم بها مشركي قريش :

التربية الجادة ، وظلال شجرة الرضوان الذي امتد حتى تفيأ به المسلمون على تخوم حنين ، وذلك حين لم تنفع القوة المادية ، وبنى لذلك شاهقات المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وواجههم صلى الله عليه وسلم بهجر الشهوات لأجل مقاصد الأمة العظمى ، فكان ميلاد قوة النفس في وصف عمير بن وهب الجمحي لأسود بدر : ( البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ) ، وفي حمراء الأسد حين صار المنتكس في غزوة أحد يلاحق المنتصرين في مرأى عجيب وصفه معبد الخزاعي بقوله : (وليس يوصف ما أنذرت بالقيل ) ، ومشهد التلاحم يوم الحديبية بين المسلمين الذي نقله عروة بن مسعود إلى المشركين .. بعد هذا كله قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : "آلا إن القوة الرمي" .

ولا زال أمام أمة الإسلام ، وأمام كل دولة من دوله ، وكل فرد من شعوبها طريقاً مشرعاً لتحقيق هذه القوة .

اختصرت بعض هذه المعاني في قول الباري جل جلاله : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" . فبدأ بالقوة ، ثم ذكر رباط الخيل .

اللهم اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمات . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،،،