الرئيسة   كلمة الموقع   امتحان العدل

امتحان العدل



بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ..

فإن العدل فضيلة مطلقة ؛ لا تقييد في فضله ؛ فهو ممدوح في كل زمان وكل مكان ، وكل حال ، ممدوح من كل أحد ، مع كل أحد ، بخلاف كثير من الأخلاق ؛ فإنه يلحقها الاستثناء والتقييد .

ولهذا اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول ، وما من أمة أو أهل ملة إلا يرون للعدل مقامه .

وبالعدل تحصيل العبودية لله وحده ، وبه تُعطى الحقوق وتُرد المظالم ، وبه تأتلف القلوب ؛ لأن من أسباب الاختلاف الظلم والبغي والعدوان ، وبه يُقبل القول ، أو يعذر قائله ، وبه تحصل الطمأنينة والاستقرار النفسي .

ثم ينتج عن ذلك ازدهار العمران المادي والمعنوي ، ولهذا تلحظ تناسباً طردياً بين شيوع العدل وقوة العمران عند الأمم .

وكان العدل سبباً لإنزال الكتب وإرسال الرسل ، قال الله تعالى : "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" .

وكان من أبرز سمات دعوة شعيب عليه السلام ـ بعد تقرير توحيد الله تعالى ـ إقامةُ القسط في الموازين والمكاييل ، قال الله تعالى : "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين" .

فإذا كان هذا من أجل حفنة شعير أو قبضة حنطة فما بالك في مراد الله تعالى بالعدل في التعامل مع الآخرين والحكم عليهم ؛ مما ترخص الأموال فداء له وهو عرض المرء وكرامته ؟ ، ولهذا قال حسان :

أصوني عرضي بمالي لا أدنسُـه لا بارك الله بعد العرض في المالِ

أحتال للمال إن أودى فأكسِبُـه ولست للعرض إن أودي بمحتالِ

وكان للعادلين أعظم مكان ، وأرقى مقام ، وأبهى صورة ، وأهيب مشهد ؛ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا ".

لقد كان لأهل العدل هذا المقام لأنه ليس دعوى مجردة ، أو أمنية لا عزيمة معها ، أو شعاراً لا معاناة في تحصيله ؛ ولكنه أسباب تتراكم وتجتمع ؛ فمن حققها تحقق عنده العدل وإلا جار في تعامله مع الآخرين ، وفي حكمه عليهم دون أن يشعر .

وإذا أراد المرء أن يمتحن نفسه في العدل ، وأن يمحص دعواه الإنصاف فليتحقق في نفسه أموراً إن وجدها كان حرياً بوصف العدل ، وإن فقدها فهو على خطر :

فمنها : تحصيل العلم الشرعي ؛ فتحقيق المسائل التي يُحكم بها على الآخرين ضروري لتحقيق العدل مع الناس ، ومن قصّر في تحصيله فليس بمعذور أن يحكم أو يتعامل مع أحد بمعاملة ، أو أن يحكم عليه بوصف كفر أو بدعة أو فسق .

ومنها : التأني ، وأن يجعل للزمن مجالاً قبل الكلام في حق شخص أو مؤسسة .

ومنها : العلم بواقع الحال ، من معرفة حال الشخص الذي نتعامل معه ، أو نحكم عليه من ناحية علمه وجهله بما فعله ، والأسباب والدوافع لذلك الفعل ، ومعرفة ما لديه من حسنات قد تغمر ما بدا منه من خطأ أو زلل .

فهذا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعل أمراً عظيماً بتسريب خبر توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لغزوها ؛ فتأنى النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن الفعل أولاً ، ثم سأله عن السبب ؛ بقوله : "ما حملك على هذا" ؟ وهذا يدل أن للأسباب والدوافع تأثيراً في الحكم ، ثم أعفاه من العقوبة ؛ لسابقته في بدر وعظم حسنته حين قال : "وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .

ومنها : اتهام النفس ؛ فإنه بداية تلمس أسباب العدل ، والوقوف على ما يعين عليه ، ومتى كان المرء مزرياً على نفسه متهماً لها ، يتوقع منها الخلل والزلل والهوى كان أبعد الناس عن الوقوع في الظلم .

وإذا استرخى عن استشعار ذلك حل محله ظن الكمال والكِـبْر ؛ فيُزين الشيطان له عمله ، ويزيده إغواء بأن يوهمه أن هذه الظنون هي الثقة بما ما معه من الحق ، والعزة على أهل الباطل .

ومن اتهم نفسه رأى نفسه في كل وقت محتاجاً إلى التعرف على أسباب العدل ، ورآها محتاجة إلى النصيحة والتقويم .

وإن فرط في عمل القلب هذا فقد وقع في الظلم والجور والإجحاف دون أن يعلم .

ومن أسباب العدل : الحذر من الهوى ؛ فإن المرء إذا علم من نفسه عادات في الهوى ولم يعالجها ذهبت به في الظلم كل مذهب .

قال جل شأنه : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" .

ومن أسباب العدل : أن ينظر إلى أعماله السابقة ، وأحكامه السالفة ؛ فكثير من الناس يكو جوره وظلمه بسبب توتره واضطراره إلى علاج الحالة في ضيق من الزمان أو المكان ، أو ضغط الأحوال والأشخاص الذين يحيطون به ؛ فإذا تجرد من هذه المؤثرات فقد يظهر له جور أو ظلم أو عدوان ؛ فإذا قومها فرأى فيها سداداً وتوفيقاً حمد الله تعالى عليه ، وإن رأى غير ذلك راجع نفسه وذاكرها ؛ حتى يقيمها على أمر الله ، ومن ترك تقويم الماضي ومراجعته عاد إلى جوره مرة أخرى دون أن يشعر .

ومن أسبابه : النظر في أحوال الظلمة ؛ فإنك تدرس حالهم محايداً متجرداً بلا مؤثرات أو ضغوط ؛ فتعرف أسباب ظلمهم ودوافعه ؛ فتحرص حينئذ على تجنبها ؛ ولهذا تجد في كبار السن ما لا تجده في غيرهم من نضج الأحكام وكثرة الصواب ، ولكن ليس من الحكمة أن ننتظر حتى نصير كهولاً لنتعلم من أخطائنا ؛ بل نحرص على تحصيل خيرة الكهل المجرب قبل أن نصل إلى عمره ، وهذا مقتضى قول ابن مسعود رضي الله عنه : ( والسعيد من وعظ بغيره ) .

ومن أسبابه : الشجاعة الأدبية مع الأتباع والمتبوعين ، مع شهواته وأغراضه ، عند وظيفته وجاهه ومنصبه وماله ووالده وولده وزوجه وبلده وبيئته وشيخه وتلميذه ، وشجاعته وقوته عند تكبير محبيه أو شماتة أعاديه ؛ فإن جرب من نفسه ضعفاً عندها وخوراً في مواجهتها فهو محل للحيف والظلم ؛ فليكن على حذر .

ولهذا كانت البيعة العظيمة التي قال عنها عبادة بن الصامت رضي الله عنه : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكارهنا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالعدل أين كنا لا نخاف في الله لومه لائم . رواه النسائي وهو صحيح ، وأصله في "الصحيحين" .

وتأمل في الشجاعة أمام المبغَضين قول الله تعالى : "وَلاَ يَجْرِمَنكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتقْوَى" .

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "منهاج السنة" (5/126، 127) : ( .. وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار ، وهو بغضٌ مأمور به ، فإن كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه ، فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس فهو أحق أن لا يظلم ، بل يعدل عليه ) .

والشجاعة وإن كانت خلقاً جبلياً إلا إنه يُمكن اكتسابه بالتعويد والتربية ، وتدريب النفس عليه ؛ فيحصل لطالب هذا الخلق من الشجاعة ما ليس عند آخرين من شجاعتهم الجبلية ؛ بل أقوى منها ، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم : "إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه" حديث جيد رواه الدارقطني عن أبي هريرة .

ومن أسباب العدل : تصور آثار الظلم وعواقبه في الدنيا والآخرة :

فالظلم والجور يدوران حتى يعودان إلى من فعلهما ، وبالظلم تشيع الفوضى ، وتنتشر الشحناء ، وتكون العقوبة في النفس والمال والولد .

ومن أسباب العدل : أن يجعل نفسه مكان من يتعامل معه أو يحكم عليه ؛ فإذا كان في مكانه أراد منه في معاملته أو حكمه أن يكون قائماً بالقسط مستكملاً أسباب العدل ؛ فإذا استشعر ذلك كان هو معه كذلك .