الرئيسة   اصدارات   فقه الفتن - دراسة في ضوء نصوص الوحي والمعطيات التأريخية لسلف الأمة

فقه الفتن - دراسة في ضوء نصوص الوحي والمعطيات التأريخية لسلف الأمة

العنوان: فقه الفتن - دراسة في ضوء نصوص الوحي والمعطيات التأريخية لسلف الأمة

دار النشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع - الرياض

أصل الكتاب: أطروحة نوقشت بالمغرب بجامعة ابن زهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير شعبة الدراسات الإسلامية وحاز بها المؤلف درجة دكتوراه الدولة في الآداب بتقدير حسن جداً

تأليف: د. عبدالواحد إدريس الإدريسي

عدد الصفحات: 776

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأستغفره، وأستهديه وأتوكل عليه، وأثني عليه خير الثناء، نحمده على ما ينعم به علينا من السراء والعافية، ونستعين به على ما يصيبنا من الضراء والبلاء، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. وأشهد ألا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن المتدبر لكثير من النصوص القرآنية والحديثية وما تنطوي عليه من أسرار ومقاصد؛ يلحظ أن الشارع الحكيم يتجه بالأمة ويرتقي بها في مدارج السمو والرفعة، ويحرص على سد منافذ الفساد فيها على المستوى الفردي والجماعي، حتى يتقوى عضدها وتظل متماسكة في وجه عدوها قوية لا تلين ولا تنحل. وإذا كان صلاح حال الأفراد وانتظام أمورهم مقصداً عظيماً للشريعة، فإن انتظام أمر الأمة وجلب الصلاح لها، ودفع الضر والفساد عنها أسمى وأعظم.

وعلى ضوء هذا تُفسَّر كثير من التوجيهات القرآنية والنبوية التي تحث على مكارم الأخلاق الفردية والجماعية، وتصور المسلمين على أنهم بيضة واحدة، وكتلة واحدة متعاضدة ومتناصرة، تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.

وبنفس هذه المعاني تفسر نصوص أخرى تحذر الأمة من الفتن والنزاعات التي تفت عضدها وتضعف شوكتها.

وإذا كان الشق الأول من توجيهات الوحي قد حظي بعناية العلماء في كل عصر؛ من خلال مصنفات فقهية أو حديثية أو تفسيرية، فإن الشق الثاني منه لم يحظ بما يستحقه من الاهتمام، شأنه شأن كثير من القضايا المرتبطة بالفكر السياسي والاجتماعي الإسلامي.

وإن المتأمل في تاريخنا الإسلامي يخلص إلى أن الأخطار الداخلية التي تصدر عن بعض عناصر الأمة سواء بتأويل معتبر، أو بتأويل لا يسوغه الشرع ولا العقل، أم بغير اجتهاد ولا تأويل، أعظم مما سواها من تربصات الأعداء وكيدهم لدولة الإسلام، وإن أشد السيوف التي سلت على أهل القبلة، وأعظم الفساد الذي حل بالمسلمين وجرى عليهم إنما كان من طوائف تنتسب إلى القبلة في غالب أمرها. وهو ما أنبأ به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لما قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليها عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً".

فقد كتب على هذه الأمة - كما دل هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة - أن يكون بأسها من داخلها وبين جنباتها من ذوي رحمها وأبنائها الذين ينتمون إليها.

ومن هنا فإن البحث في هذا الشق من البأس الذي يصيب المسلمين بالغ الأهمية؛ لأنه بحث في أشد وأعظم الأخطار المحدقة بالأمة؛ إذ لا خطر أفظع من اقتتال أهل القبلة، ولا ضرر أكبر من أن تراق دماء المسلمين بأيدي المسلمين. وهذه الأهوال والأخطار وقعت في ماضي الأمة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واقعة لا محالة في حاضرها ومستقبلها. فليس لزعماء الأمة وعلمائها وفضلائها وفطنائها إلا أن يعملوا على اتقاء أشد الأضرار، ويضيقوا دائرة الفتن والابتلاءات حتى لا تتسع إلا بالقدر الذي لا يمكن الاحتراز منه. وأن يوجهوا الناس ويربوهم على المفاهيم والأفكار الوقائية التي تذوب معها الأحقاد والضغائن، ويستخلصوا من سلوك السلف واجتهادهم فيما ابتلوا به منهاجاً مجتمعياً سلمياً، من شأنه أن يقي المسلمين اليوم كثيراً من المصارع والمهالك.

وهذا ما ترومه هذه الأطروحة - إن شاءالله - مقتدية في ذلك بفقيه الفتن؛ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، الذي كان يقول: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني".

فالسؤال والبحث في الفتن سؤال وبحث في أخطر وأغلظ الشرور، وليس ذلك مخافة أن يدرك الآحاد والأفراد فقط، بل هو أيضاً بقصد تنوير عقول أجيال المسلمين، وتبصيرهم بالشرعة والسبيل الموصل إلى شاطئ النجاة؛ حيث الحفاظ على البيضة وتقوية الشوكة وإعزاز الملة. فالمسلمون محتاجون إلى التذكير بالفتن وأهوالها، مرة بعد أخرى حتى يتأدبوا بالتوجيهات الشرعية الواردة فيها، ويعرفوا ما يلزمهم لاتقاء أخطارها وأضرارها، وسبيل التخلص من قبضتها، والسلامة من لهيبها.

ولهذه المقاصد اهتم بها العلماء فقد قال أبو عمرو الداني مبيناً الباعث له على الكتابة في الموضوع وغرضه منه: "قد بعثني ما أخذه الله عز وجل من الميثاق العهد على أهل العلم والرواية في نشر ما علموه، وأداء ما سمعوه أن أجمع في هذا الكتاب جملة كافية من السنن الواردة في الفتن وغوائلها، والأزمنة وفسادها، والساعة وأشراطها؛ لكي يتأدب بها المؤمن العاقل، ويأخذ نفسه برعايتها، ويجهدها في استعمالها والتمسك بها، ويتبين له بذلك عظيم ما حل بالإسلام وأهله من سفك الدماء ونهب الأموال واستباحة الحرم وغير ذلك مما يُذهب الدين ويضعف الإيمان، فيعمل نفسه في إصلاح شأنه خوفاً منه على فساد دينه وذهابه".

ولا يخفى أن عناية العلماء بهذا الموضوع وما يرتبط به من قضايا وأحكام أقل من عنايتهم بكثير من الأبواب والمجالات الأخرى، مع أنه لا يخلو - في الغالب - زمان ولا مكان من وجود فتن في ديار المسلمين. ثم إن أكثر الذين اهتموا به كان هاجسهم مقتصراً علىالتأريخ وجمع الأخيار للاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي وقعت في دولة الإسلام.

وإننا إذا استعرضنا المؤلفات التي اهتمت بالموضوع نجدها يسيرة كما أنها تناولته من زويا مختلفة، وأشير في هذا الصدد إلى تلك الأبواب التي خصصها أصحاب الجوامع والسنن؛ كالبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم، حيث نجد ثروة غنية من الأخبار التي تنص على كثير من الفتن وأحكامها، وفي المنحى نفسه تندرج شروح العلماء لهذه المرويات كابن حجر في فتح الباري والنووي في شرحه لصحيح مسلم، وابن العربي والمباركفوري في شرحيهما لجامع الترمذي.

ونجد نوعاً آخر من الاهتمام بهذا الموضوع من خلال المصنفات التي أفردته بالتأليف، كما عرضت لها في الباب التمهيدي.

أما في عصرنا الحالي، فقد اعتنى بموضوع الفتن بعض الدارسين؛ منهم من اهتم بالجانب التاريخي، فبحث ما وقع في عهود الخلفاء من فتن واشنغل بنقد الروايات والأخبار، وأذكر من هؤلاء: د. يوسف العش في كتابه: "الدولة الأموية والأحداث التي سبقتها ومهدت لها ابتداء من فتنة عثمان"، ود. أمين القضاة في: "الخلفاء الراشدون - أعمال وأحداث". ود. سليمان بن حمد العودة في: "عبدالله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام" ود. جميل عبدالله المصري في: "أثر أهل الكتاب في الفتن والحروب الأهلية في القرن الأول الهجري".

ومنهم من اهتم بجمع الأحاديث الواردة في الفتن، كما فعل د. مصطفى العدوي في: "التصحيح المسند من أحاديث الفتن وأشراط الساعة"، ود. عبدالعزيز دخان في أطروحته: "أحاديث فتنة الهرج في كتب السنة". وضمّن هذه الأطروحة تفصيلات تاريخية، وجمعاً وترتيباً للأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة الواردة في فتن الهرج.

واختار آخرون بعض نصوص الفتن أو بعض قضاياها، فكتب د. محمد الشباني: "مختارات من أحاديث الفتن"، وألف د. عبدالحميد طهماز "العواصم من الفتن في سورة الكهف".

وقصر باحثون آخرون كلامهم في الموضوع على ما يحدث في عصرنا من فتن كا فعل د. فهمي هويدي في: "حتى لا تكون فتنة"، ود. جمال بدوي في: "الفتنة الطائفية في مصر جذورها وأسبابها".

وأغلب هذه الكتابات والدراسات لم تهتم بالأحكام التي يمكن استخلاصها من خلال النصوص القرآنية والحديثية، ولا بالقواعد والضوابط التي تبصر العقل المسلم بما يلزمه عند حلول الفتن، ولم يحض هذا الجانب بالتفصيل المطلوب عند من اهتم به؛ لأنه لم يكن ضمن أولولياته.

ولذلك كان لا بد من استنطاق نصوص الوحي، واستدعاء قواعد الفقه والأصول؛ لتنزيلها وتطبيقها على مختلف الشدائد والأهوال التي تهدد جماعة المسلمين في محاولة للتأصيل لفقه خاص تستبرئ به الأمة لدينها ووحدتها، ويحتاط به أفرادها وكتلها لبيضة الإسلام ومنعة دولته وعزة أهله، وهو: فقه الفتن، الذي اخترته عنواناً رئيساً لهذا البحث.

إن هذا الفقه (فقه الفتن) مرشح لخدمة وحدة الأمة الإسلامية، وصيانة كلياتها ومبادئها، إنه يدفع المسلمين إلى الاجتماع على محكمات الدين؛ المتفق عليها في كل وقت ويحن، ويرشدهم إلى المسلك الفاضل في التعامل فيما يختلفون فيه؛ وهو التغافر والتماس بعضهم الأعذار لبعض، حتى يصونوا وحدتهم، ويستجمعوا قوتهم لنصرة الدين، ومواجهة المنكرات التي تنشر في غفلة حرّاس العقيدة، وانشغال منهم بالنزاع في مسائل الفروع.

كما أنه يقوِّم أفكار ومناهج المسلمين، ويبعد عنها الإفراط الذي يولد الغلو والتشديد، حتى إن كثيراً من الفروع انقلبت بسببه إلى أصول يميز بها المؤمن من الكافر، وأصبحت معقداً للولاء والبراء، فتاهت العقول والجهود فيما يعود بالضرر على جماعة المسلمين، ويبعد عنها التفريط الذي يفضي إلى التسيب والتهاون في الدين، فتضيع محكمات الدين وحدوده، وتنتهك قطعياته، ويخرق إجماع علماء الأمة بدعوى الاجتهاد وتغير الزمان والعصر والحرية وما إلى ذلك مما يبدعه العقل القاصد إلى التحلل من رباط الشرع، أو المريض المقبل على الشبهات والشهوات.

وقد اخترت الخوض في معترك هذا الموضوع وأنا أعلم أن التأصيل لفقه الفتن يقتضي نخل الشريعة من بدايتها إلى نهايتها، واستقراء مصادرها ومواردها، ومعرفة قواعدها وضوابطها، واستيعاب مقاصدها وأسرارها ومداركها ومسالكها، وإمعان النظر في أصولها وفروعها، والإحاطة بكلياتها وجزئياتها، ثم إنه يحتاج إلى تتبع تاريخ هذه الأمة ومحطاتها، وأنواع البلايا والرزايا التي حلت بأهلها في مختلف أيامها وقرونها، ومختلف انفعالات العلماء فيها، واختلاف الأئمة والقادة عندها.

ولذلك فإن هذا الفقه لا يمكن أن يكون نافعاً مقبولاً إلا إذا كان نتيجة أو عصارة جهود مضنية، تبحث في جميع علوم الشريعة، وهو ما عز الوصول إليه في زماننا، لضعف الهمم عما كان عليه السابقون من إحاطة واسعة واطلاع شامل.

ولكن مع ذلك فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وإن شرط الإلمام بجميع العلوم الشرعية واللغوية لا يفيد اشتراط المصير إلى نهاياتها ومبالغها، إذ يحتاج الواحد منها إلى عمر بكامله، وأحسب أنه يكفي الوصول إلى الغرض منها، ومراجعته كلا اقتضى الأمر ذلك، إذ وجد القدر الأدنى الذي لا يعذر الباحث بجهله.

وليس المراد بمصطلح الفقه - هنا - معناه الضيق الذي يقصره على معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، وإنما نعديه إلى مدلوله الواسع الذي يشمل الفقه في آيات الله وفي سننه في الكون والحياة والنفس والمجتمع، وهو المفهوم المراد من استعمال هذا اللفظ في القرآن والسنة.

كما لا أريد بلفظ الفتن جميع الأنواع التي تندرج ضمنه عند الإطلاق، كفتنة النساء، وفتنة المال، وفتنة الشيطان، وفتنة الأولاد، وفتنة الدجال... وإنما أقصد النوع الأكبر منها، وهو النوع الذي استأثر باهتمام الصحابة رضوان الله عليهم، فقد سأل عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال للصحابة الذين كانوا في مجلسه: "أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟" ونلاحظ هنا أنه أطلق لفظ الفتنة ومراده أحد أنواعها فقط؛ وهو النوع الأكبر؛ ولذلك لما أجابه حذيفة رضي الله عنه بقوله: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي"، قال له: "ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر...". وفي رواية أنه قال: "ليس أسأل عن هذه، إنما أسأل عن التي تموج كما يموج البحر". ثم إنه رضي الله عنه سأل عما يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويندرج ضمن هذا ما أوحى له ربه من الآيات والأقوال والمعاني التي بلغها لأصحابه. وها يفيد أن دراسة هذا الموضوع وأمثاله من الموضوعات لا بد أن يُنطلق فيها من نصوص الوحي - قرآناً وسنة - مع الاستعانة بما أثر عن سلف هذه الأمة وفضلائها.

وهذا البحث مقسم بعد المقدمة إلى باب تمهيدي، وثلاثة أبواب رئيسة، وخاتمة.

تناولت في الباب التمهيدي مفهوم الفتن، وعناية الشريعة بهذا الموضوع، فدرست فيه:

1 - مفهوم الفتن في اللغة والاصطلاح: وبينت أن للفظ الفتنة معنيين هما الأكثر شيوعاً، والأقرب إلى الأفهام؛ الأول: هو الاختبار والابتلاء، وهذا المعنى تندرج ضمنه الأنواع الأخرى التي لم يفصل البحث فيها، أما الثاني: فهو الاختلاف والقتال والفرقة التي تحصل بين العباد، ويندرج ضمن هذا المعنى الفتن الكبيرة التي تموج كموج البحر.

2 - الفتنة في القرآن: تتبعت فيه مفهوم الفتنة في القرآن، وأبرزت أن المفهوم الغالب لها هو الابتلاء والاختبار والامتحان والتمحيص، أي: ابتلاء العباد واختبارهم حتى يميز صادقهم من كاذبهم.

3 - بيانه صلى الله عليه وسلم للفتن، وعناية السلف بهذا الموضوع: أظهرت فيه عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان ما ينتظر الأمة من المحن والمصائب، بعد أن لم يجب إلى رفع بأسها الداخلي، وأنه صلى الله عليه وسلم بين رحمة بأمته أنواع الشرور التي تنتظر المسلمين في مستقبلهم، وحرص على تبليغ ذلك، والإخبار به في محافل ومناسبات عدة، كما تؤكده روايات الصحابة رضي الله عنهم، ثم ذكرت اهتمام السلف رضوان الله عليهم بهذا الموضوع الخطير وسؤالهم عنه، منذ وقت مبكر من عمر دولة الإسلام، وأن هذا كان قبل تطاير الفتن وانتشارها.

4 - وختمت هذا الباب بالحديث عن اهتمام العلماء المؤلفين بهذا الموضوع من خلال ما أبدعوه فيه من تصانيف.

ودرست في الباب الأول مرحلة الصحابة رضوان الله عليهم وما وقع في عهدهم من فتن واختلافات ونزاعات؛ لأنها أصول لغيرها، ولأن ما جرى بين الصحابة يحتج به كثيراً فيما يقع بين المسلمين من فتن. كما أن كثيراً من أحكام الفتن وفقهها إنما أخذ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الذين أرشدوا الأمة إلى السنة في قتال المسلمين بعضهم لبعض،وهم الذين رووا ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتن.

وقد بدأت هذا الباب بفصل؛ بينت فيه منزلة الصحابة رضوان الله عليهم ومكانتهم عند الله وعند رسوله وعند المسلمين، حتى نعصم أقلامنا وأفواهنا أن نقول في حقهم مالا يليق بشرفهم ومنزلتهم. ثم تحدثت في فصل ثان عن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وهي خلافة النبوة الراشدة التي لا فتنة فيها بحمد الله.

وبعد ذلك درست في فصل ثالث مرحلة علي رضي الله عنه، وهي الخلافة الراشدة الرابعة التي اتسمت بانتشار الفتن وتوسعها، وفي ضمنها وقفت مع مرحلة الحسن بن علي رضي الله عنهما، حيث اصطلح المسلمون وزالت فرقتهم واستئنفت جماعتهم. ثم ألمحت إلى الفتن الأخرى التي وقعت بعد الخلافة الراشدة بحضور بعض الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرت في فصل رابع مختلف الاتجاهات التي تنجم في الفتن.

وبحثتفي الباب الثاني فقه الفتن من خلال مجالات الشريعة ومسالكها، فنبهت إلى أن الشريعة الإسلامية تسعى بما فيها من عقائد وعبادات ومعاملات وعقوبات وآداب... إلى القضاء على بوادر الفتن، وأن المسلمين قادرون على التخلص من الصعاب والكروب التي قد تحل بهم إذا نهلوا من تعاليم الإسلام وهديه. وهكذا جمع هذا الباب أربعة فصول، خصصت الأول لفقه الفتن من خلال العقيدة الإسلامية والعبادات الشرعية، وذكرت في الثاني فقه الفتن من خلال مكارم الشريعة وآدابها، وعرضت في الثالث فقه الفتن من خلال مقاصد الشريعة، أما الرابع فضمنته فقه الفتن من خلال السياسة الشرعية.

وجمعت في الباب الثالث مختلف أحكام الفتن التي يحتاج إليها المسلمون قبل وأثناء، وبعد تطاير الفتن. فدرست في الفصل الأول: ما يلزم المسلمين لدفع وقوع الفتن، وفي الفصل الثاني: ما يسن للمسلمين عند وقوع الفتن، وتطرقت في الفصل الثالث إلى جملة من القواعد والضوابط التي يستعان بها في فقه الفتن.

ثم ذيلت البحث بخاتمة ذكرت فيها أهم نتائج هذا البحث، وبعض الآفاق العلمية التي يفتحها.

وما كان لهذا البحث أن يتم لولا فضل الله تعالى علي ومعونته لي، ومن فضله سبحانه أن منَّ علي بأستاذي الجليل الدكتور محمد جميل، الذي أشرف على هذا البحث، وتابعه منذ مراحله الأولى إلى أن استوى على سوقه، فقوم ما فيه من اعوجاج، وسدد ما فيه من أخطاء وعثرات، كل ذلك بوجه طلق وسعة صدر وخلق رفيع، فله مني كل الشكر، والله أسأل أن يجزيه عني خير الجزاء، وأن يجزل له الخير في الدنيا والآخرة.

كما أسأله سبحانه أن ينفع بهذا العمل، وأن يوفقني لغيره من صالحات الأعمال، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.




فهرس الموضوعات

الموضوع الصفحة

المقدمة................................................................................. 11

باب تمهيدي: مفهوم الفتن وعناية الشريعة بالموضوع......................................... 21

1 - مفهوم الفتن في اللغة................................................................ 23

2 -الفتنة في القرآن..................................................................... 35

3 -بيانه صلى الله عليه وسلم للفتن وعناية السلف بالموضوع................................. 60

أ - بيان النبي صلى الله عليه وسلم للفتن................................................... 60

ب - عناية الصحابة رضوان الله عليهم بموضوع الفتن....................................... 65

ج - عناية التابعين بالفتن................................................................. 71

4 - التأليف في الفتن.................................................................... 74

الباب الأول: أصول الفتن وجذورها....................................................... 87

الفصل الأول: منزلة الصحابة وشرفهم حتى يعلم قدرهم قبل النظر فيما شجر بينهم............. 89

الفصل الثاني: خلافة النبوة التي لا فتنة فيها................................................. 103

المبحث الأول: خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما................ 107

المبحث الثاني: خلافة عثمان رضي الله عنه.................................................. 155

الفصل الثالث: خلافة النبوة الراشدة المصحوبة بالفتنة، وأبرز ما تلاها من الفتن................ 177

المبحث الأول: خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما كان فيها من الفتن................. 178

1 - فتنة الجمل......................................................................... 182

2 - فتنة صفين......................................................................... 190

3 - إيقاف الفتنة بإصلاح الحسن بين المسلمين............................................. 205

المبحث الثاني: أبرز ما كان من الفتن بعد الخلافة الراشدة.................................... 211

1 - ولاية معاوية....................................................................... 211

2 - ولاية يزيد......................................................................... 224

3 - فتنة الحرة.......................................................................... 233

4 - احتراق الكعبة وهدمها.............................................................. 243

الفصل الرابع: اتجاهات الناس ومذاهبهم في الفتن............................................ 247

المبحث الأول: مذهب من يرى القتال..................................................... 250

المبحث الثاني: مذهب من يرى ترك القتال واعتزال الفتنة..................................... 260

المبحث الثالث: اختلاف مذاهب العلماء في الحكم على ما وقع بين الصحابة................... 268

الباب الثاني: فقه الفتن في سياق مسالك الشريعة الإسلامية................................... 283

الفصل الأول: فقه الفتن في سياق مسلك العقيدة والعبادات الشرعية........................... 285

المبحث الأول: فقه الفتن من خلال العقيدة الإسلامية........................................ 286

المبحث الثاني: فقه الفتن من خلال سلك العبادات الشرعية................................... 317

الفصل الثاني: فقه الفتن في سياق مكارم الشريعة............................................ 337

الفصل الثالث: فقه الفتن في سياق مقاصد الشريعة.......................................... 349

الفصل الرابع: فقه الفتن في سياق السياسة الشرعية.......................................... 367

الباب الثالث: أحكام الفتن............................................................... 403

الفصل الأول: ما يلزم المسلمين لدفع وقوع الفتن............................................ 405

المبحث الأول: أسباب الفتن.............................................................. 407

المبحث الثاني: تعظيم حرمة المسلم......................................................... 431

المبحث الثالث: لزوم الجماعة والطاعة..................................................... 455

المبحث الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر............................................ 479

الفصل الثاني: ما يلزم المسلمين عند وقوع الفتن............................................. 509

المبحث الأول: حكم البغي وأصناف البغاة.................................................. 512

المبحث الثاني: القتال بين المسلمين......................................................... 543

المبحث الثالث: ما يسن في الفتن.......................................................... 582

الفصل الثالث: فقه الفتن؛ قواعد وضوابط.................................................. 609

المبحث الأول: قواعد أصولية في فقه الفتن.................................................. 612

المبحث الثاني: قواعد فقهية في فقه الفتن.................................................... 639

المبحث الثالث: ضوابط فقهية في فقه الفتن................................................. 673

خاتمة البحث............................................................................ 697

الفهارس................................................................................ 703

فهرست الآيات......................................................................... 705

فهرست الأحاديث والآثار................................................................ 726

لائحة المصادر والمراجع................................................................... 753

فهرس الموضوعات....................................................................... 773