الرئيسة   بحوث ورسائل   قواعد فقه التعامل مع المخالفين

قواعد فقه التعامل مع المخالفين

بسم الله الرحمن الرحيم

قواعد فقه التعامل مع المخالفين :

كان من سنن الله تعالى في خلقه أن جعلهم مختلفين في أشياء كثيرة : في ألسنتهم وألوانهم ، وفي طبائعهم وميولهم النفسي والعقلي والعاطفي ، وفي آرائهم ونظراتهم في الدين والنفس والمجتمع وما يحيط بهم :

قال تعالى : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)" هود .

وقال سبحانه : "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)" البقرة .

وكان ذلك لحكم عظيمة من أوضحها : الابتلاء والامتحان ؛ ليظهر من يُعَظِّم الحق ومن لا يُعَظِّمه ، وليُعرف ـ أيضاً ـ جزاء العاصي والمطيع :

قال جل شأنه : "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)" المائدة .

ومن هذه الحِكَم : شحذُ العقل للمزيد من التدبر والتأمل في القرآن والنفس والآفاق .

والمخالف هو كل من خالفك في أي شيء ؛ فهو الوثني والملحد والكتابي والمرتد والمنافق والمبتدع بدعة اعتقادية والمبتدع بدعة عملية ، وهو المنازع في المسائل الفقهية القطعية والظنية ، وكذلك في المناهج المختلفة ، سواء كانت دعوية أو سياسية أو عملية أو في أي صعيد . فكل من لا يرى رأيك أو عملك فهو لك مخالف .

وكل هؤلاء المخالفين ينبغي أن يعاملوا بقواعد العدل التي دلت عليه الشريعة . وإن كان الكلام في أكثره هنا إنما هو على المخالفين من أهل السنة .

وهذه القواعد وإن كان أكثرها ينتظم كل مخالف من أهل القبلة وغيرهم إلا أن محل البحث هم المخالفين من أهل السنة ؛ كالمنسوبين للأشعرية والصوفية .

الأثر المقصدي والشرعي لفقه الخلاف :

إذا تحقق فقه الخلاف كما أراده الله تعالى فإن لذلك آثاراً عظيمة في النفس والمجتمع ؛ فمنها :

1. تحقيق العبودية لله :

يتحقق بإحياء فقه الخلاف أشرف المعاني ، وأجل المقاصد : إنه توحيد الله ، وتمام العبودية له جل شأنه في خطرات الإنسان ، وتفكيره تجاه الآخرين ، وفي تعامله معهم .

2. يحصل به التمحيص والامتحان :

فالخلاف مضيق لآراء الناس ومواقفهم ، وعند المضايق يذهب اللب ، وإذا ذهب اللب فلا تسأل عن ضياع حقوق المخالف ؛ بل ضياع الحق نفسه في أحيان كثيرة .

فالرأي الذي يعلنه الشخص مرآة لعقله وفكره أو أتباعه أو متبوعيه ، والسائد عند كثير من الناس أن المخالفة والنقد انتقاص لعقله وتسفيه لرأيه وعدوان على محبيه ، وحينئذ يبدأ العدوان على المخالفين .. وهو عدوان ظاهره فيه الرحمة : محبة الحق ، وباطنه فيه العذاب : محبة النفس والانتصار لها .

إن أخطر ما في العلاقة بالمخالف هو كثرة اضطراب الموازين في التعامل معه ؛ مما يؤدي إلى العدوان عليه وظلمه وبخسه حقه ، لاسيما إن كثيراً ممن يتكلم في مخالفه إنما يُحدِّث نفسه ، أو يخاطب من هو على مثل رأيه ؛ فلا يسمع إلا ثناء المعجبين بقوله ؛ مما يزيده ضعفاً في بصيرته .

وقد نبه الحق تبارك وتعالى إلى مثل ذلك في قوله جل شأنه : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)" المائدة .

وقال تعالى : "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " .

وقد قال بعض أهل التأوبل منهم الحسن البصري : للاختلاف خلقهم . أي ابتلاء وامتحاناً .

3. بعث التفكير ، ونفض غبار التقليد :

فيحصل بفقه الاختلاف صبر النفس على الاستماع إلى الآخرين ، وإلى وجهات نظر متعددة ؛ فينظر إلى المسائل التي يعرض لها بزوايا مختلفة تكشف له محل الغموض ؛ فيحصل من التحقيق ، وكثرة الصواب ما لا يخطر له على بال .

4. تحقيق الألفة ، وقطع أسباب الشحناء :

إن العلاقة بالمخالف من الأهمية بمكان ؛ لأن اختلال ميزانها يؤدي إلى الاختلاف المذموم المفضي إلى فساد الأحوال في الدين والدنيا .

قال الله عز وجل : "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)" آل عمران .

وكان مما امتن الله تعالى به على الرعيل الأول تآلف قلوبهم ، ولهذا حذرهم من التفرق والاختلاف فقال الله تعالى : "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) " آل عمران .

ولم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المجتمع والدولة ـ بعد هجرته ودخوله المدينة ـ إلا بعد أن آخى بين المهاجرين والأنصار .

وحين ضاع فقه الاختلاف نهاية القرن الثالث ظهرت آثار مدمرة من الشحناء والعداوات انقشعت أغبرتها على ضياع المصالح ، وتسلط الأعداء ، وكان من أبرز مظاهر هذه العصور الضعف السياسي والاقتصادي والعلمي والعسكري .

وكان من آثاره على الصعيد الجهادي أنه لم تفتح في هذه الحقبة بلدان جديدة ؛ بل صار أكثر عمل الجند رد هجمات الأعداء ، أو الارتماء في أتون الحروب الداخلية .

وأعرض هنا لبعض مظاهر العداوات والشحناء التي نشأت بسبب غياب هذا الفقه :

على "باب الأزج" :

في سنة 494 هـ في "البداية والنهاية" (12/160) في ترجمة منصور أبي المعالي الجيلي القاضي
قال : ( .. كان شافعيا في الفروع أشعريا في الأصول ، وكان حاكما بباب الأزج ، وكان بينه وبين أهل باب الأزج من الحنابلة شنآن كبير ، سمع رجلا ينادي على حمار له ضائع ؛ فقال : يدخل باب الأزج ، ويأخذ بيد من شاء . وقال يوما للنقيب طراد الزينبي : لو حلف إنسان أنه لا يرى إنسانا فرأى أهل باب الأزج لم يحنث ؛ فقال له الشريف : من عاشر قوماً أربعين يوما فهو منهم ، ولهذا لما مات فرحوا بموته كثيرا . أهـ .

امتحان وتسفيه :

في سنة 545 هـ في "البداية والنهاية" (12/227) ابن أبي القاسم بن أبي الحسن أبو المفاخر النيسابوري قدم بغداد فوعظ بها ، وجعل ينال من الأشاعرة ؛ فأحبته الحنابلة ، ثم اختبروه ؛ فإذا هو معتزلي ؛ ففتر سوقه ، وجرت بسببه فتنة ببغداد ، وقد سمع منه ابن الجوزي شيئا من شعره من بذلك :

مات الكرام ومروا وانقضوا ومضوا ومات من بعدهم تلك الكرامات

وخلفوني في قوم ذوي سفه لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا

غبر في وجوههم :

في "طبقات الشافعية الكبرى" (1/651) في ترجمة أبي نصر القشيري : ( .. فإن الأستاذ أبا نصر قام في نصرة مذهب الأشعري ، وباح بأشد النكير على مخالفيه ، وغبر في وجوه المجسمة ) .

تهم وظنون ووشايات :

سنة 469 هـ في "طبقات الشافعية الكبرى " : ( .. لما وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية ، وقام الشيخ أبو إسحاق في نصر أبي نصر بن القشيري لنصره لمذهب الأشعري ، وكاتب نظام الملك في ذلك ، وكان من ذلك أن الشيخ أبا إسحاق اشتد غضبه على الحنابلة وعزم على الرحلة من بغداد ؛ لما نال الأشعري من سب الحنابلة إياه ، وما نال أبا نصر بن القشيري من أذاهم .. ثم كتب الشيخ أبو إسحاق رسالة إلى نظام الملك يشكو الحنابلة ، ويذكر ما فعلوه من الفتن ، وأن ذلك من عاداتهم ، ويسألـه المعونة .. ثم أخذ الشريف أبو جعفر بن أبي موسى وهو شيخ الحنابلة إذ ذاك وجماعته يتكلمون في الشيخ أبي إسحاق ويبلغونه الأذى بألسنتهم ؛ فأمر الخليفة بجمعهم والصلح بينهم بعد ما ثارت بينهم في ذلك فتنة هائلة قتل فيها نحو من عشرين قتيلا .. وأخذ الحنابلة يشيعون أن الشيخ أبا إسحاق تبرأ من مذهب الأشعري ؛ فغضب الشيخ لذلك غضبا لم يصل أحد إلى تسكينه ، وكاتب نظام الملك ؛ فقالت الحنابلة : إنه كتب يسألـه في إبطال مذهبهم .. ) .

تعصب وسفك دماء :

في عام 514هـ في "وفيات الأعيان" (2/98) : ( .. وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد ؛ لأنه تعصب للأشاعرة ، وانتهى الأمر إلى فتنة قُتل فيها جماعة من الفريقين .. ) .

تهجير :

في سنة 550 هـ في "الوافي بالوفيات" عن الخطيب البغدادي : ( .. وخرج إلى الشام لما آذاه الحنابلة بجامع المنصور، وحدّث بدمشق ) .

ولكن الشياطين كفروا :

في "سير أعلام النبلاء" (14/75) في ترجمة البكري : ( .. وفد على النظام الوزير، فنفق عليه، وكتب له توقيعا بأن يعظ بجوامع بغداد، فقدم وجلس، واحتفل الخلق، فذكر الحنابلة ، وحط وبالغ، ونبزهم بالتجسيم ، فهاجت الفتنة، وغلت بها المراجل، وكفر هؤلاء هؤلاء، ولما عزم على الجلوس بجامع المنصور؛ قال نقيب النقباء : قفوا حتى أنقل أهلي، فلا بد من قتل ونهب . ثم أغلقت أبواب الجامع ، وصعد البكري ، وحوله الترك بالقسي، ولقب بعلم السنة، فتعرض لأصحابه طائفة من الحنابلة ، فشدت الدولة منه، وكبست دور بني القاضي ابن الفراء ، وأخذت كتبهم، وفيها كتاب في الصفات، فكان يقرأ بين يدي البكري، وهو يشنع ويشغب، ثم خرج البكري إلى المعسكر متشكيا من عميد بغداد أبي الفتح بن أبي الليث. وقيل: إنه وعظ وعظم الإمام أحمد، ثم تلا: "وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا" فجاءته حصاة ثم أخرى، فكشف النقيب عن الحال، فكانوا ناسا من الهاشميين حنابلة قد تخبئوا في بطانة السقف، فعاقبهم النقيب .. ) .

فتنة :

في سنة 538هـ في "العبر" (2/453) في ترجمة أَبي الفتوح الأَسفَراييني محمدُ بن الفضل بن محمد ( .. وجعل شعارَه إِظهارَ مذهبِ الأَشعريّ، وبالغ في ذلك حتى هاجَت فتنة كبيرة بين الحنابلة والأَشعرية . فأُخرج من بغداد ، فغاب مدةً ثم قدم وأَخذ يُثيرُ الفتنةَ ويبثّ اعتقاده . ويذمُّ الحنابلة . فأُخرج من بغداد وأُلزم بالإِقامة ببلده ) .

سنة 495هـ في "البداية والنهاية" (12/161) : ( .. وفيها قدم عيسى بن عبد الله القونوي ؛ فوعظ الناس ، وكان شافعيا أشعريا ؛ فوقعت فتنة بين الحنابلة والأشعرية ببغداد .. ) .

سنة 716 هـ في "البداية والنهاية" (14/75) : ( .. وفيه وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية بسبب العقائد وترافعوا إلى دمشق ) .

الجزية على أتباع أحمد :

في سنة 567هـ في "العبر" (3/49) في ترجمة أَبي حامد البَرُّوي الطُوسي الفقيه الشافعي محمد بن محمد : ( .. قدم بغداد وشغب على الحنابلة ، وأَثار الفتنة .. وقيل إِن البروي قال : لو كان لي أَمر لوضعت على الحنابلة الجزية ) .

نبش القبور بين الطرفين :

في سنة 587هـ في "العبر" (3/93) في ترجمة نجم الدين الخُبوشاني محمد بن الموفّق الصوفي الزاهد الفقيه الشافعي : ( .. ثم عمد إِلى قبر أَبي الكيزان الظاهري، وكان من غُلاة السنّة وأَهل الأَثر فنبشه وقال : لا يَكون صِدّيق وزِنْديق في موضع وَاحد . يعني هو والشافعي فثارتْ حنابلةُ مصر عليه ، وقويت الفتنةُ ، وصار بينهم حملات حربية .. ) .

وانظر في هذا "مرآة الجنان" (3/328) .

وفي عام 480 هـ في "ذيل طبقات الحنابلة" (3/256) في ترجمة سعد الله بن نصر : ( .. توفي آخر نهار يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شعبان سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن من الغد إلى جانب رباط الزوزني بمقبرة الرباط . قال ابن الجوزي : دفن هناك إرضاء للصوفية ؛ لأنه أقام عندهم مدة في حياته فبقي على ذلك خمسة أيام ، وما زال الحنابلة يلومون ولده على هذا ، يقولون : مثل هذا الرجل الحنبلي أي شيء يصنع عند الصوفية ؟ فنبشه بعد خمسة أيام بالليل ) .

أخرجوه في "إزار" :

في عام في "ذيل طبقات الحنابلة" (4/12) وذلك حين ذكر مآخذ الحافظ عبدالغني المقدسي على كتاب "معرفة الصحابة" لأبي نعيم ، فسمع بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخُجندي طلب الحافظ عبد الغني، وأراد إهلاكه فاختفى الحافظ . قال ابن رجب عن أحد الرواة : ( .. وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحراني قال : ما أخرجنا الحافظ من إصبهان إلا في إزار . وذلك أن بيت الخجندي أشاعرة ، كانوا يتعصبون لأبي نعيم. وكانوا رؤساء البلد .. ) .

لا يخرجون للجمعات !!

سنة 447 هـ في "البداية والنهاية" (12/227) ( .. وفيها وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة ؛ فقوي جانب الحنابلة قوة عظيمة ، بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجمعة ولا الجماعات .. ) .

تكفير وغوغائية :

في عام 715 هـ في "المنتظم" () : ( .. يوم الثلاثاء ثاني شوال ، وهو يوم يسمى بـ "فرح ساعة" خرج من المدرسة متفقه يعرف بالاسكندراني ، ومعه بعض من يؤثر الفتنة إلى سوق الثلاثاء ؛ فتكلم بتكفير الحنابلة ؛ فرمى بآجرة ؛ فدخل إلى سوق المدرسة واستغاث بأهلها ؛ فخرجوا معه إلى سوق الثلاثاء ، ونهبوا بعض ما كان فيه ، ووقع الشر وغلب أهل سوق الثلاثاء بالعوام ، ودخلوا سوق المدرسة ؛ فنهبوا القطعة التي تليهم منه ، وقتلوا مريضا وجدوه في غرفة ) فحضر الحرس ( .. فدفعوا العوام ، وقتلوا بالنشاب بضعة عشر ، وأنفذ من الديوان خدما لإطفاء الثائرة ، ولحمل المقتولين إلى الديوان حتى شهدهم القضاة .. ) .

في سنة 835 هـ في "إنباء الغمر بأبناء العمر" ( .. في هذه السنة ثارت فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشاعرة بدمشق ، وتعصب الشيخ علاء الدين البخارى نزيل دمشق على الحنابلة ، وبالغ في الحط على ابن تيمية ، وصرح بتفكيره ؛ فتعصب جماعة من الدماشقة لابن تيمية ، وصنف صاحبنا الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين جزءا في فضل ابن تيمية ، وسرد أسماء من أثنى عليه من أهل عصره ؛ فمن بعدهم .. وأرسله إلى القاهرة، فكتب له عليه غالب المصريين بالتصويت ، وخالفوا علاء الدين البخارى في إطلاقه القول بتفكيره ، وتكفير من أطلق عليه أنه شيخ الإسلام .. ) .

دم حلال ! :

في سنة 705 هـ في "مرآة الجنان" (4/180) : ( .. وقعت فتنة شيخ الحنابلة ابن تيمية ، وسؤالهم عن عقيدته ، وعقدوا له ثلاث مجالس وقرئت عقيدته الملقبة بالواسطية ، وضايقوه ، وثارت غوغاء الفقهاء له وعليه ، ثم إنه طلب على البريد إلى مصر ، وأقيمت عليه دعوى عند قاضي المالكية ؛ فاستخصمه ابن تيمية .. ثم نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه‏ ) .

مرافعة .. ثم إيقاف الدروس :

في سنة 580هـ في "السلوك" (1/197) : ( .. جرت فتنة بين الأشاعرة والحنابلة ، سببها إنكار الحنابلة على الشهاب الطوسي تكلمه في مسألة من مسائل الكلام في مجلس وعظـه ، وترافعوا إلى الملك المظفر بمخيمه ؛ فرسم برفع كراسي وعظ الفريقين ، وقد أطلق كل من الفريقين لسانه في الآخر‏ ) . ‏

حرق المساجد :

في سنة 495هـ في "البداية والنهاية" (13/22) : في ترجمة نظام الدين مسعود بن علي : ( .. وكان حسن السيرة ، شافعي المذهب ، له مدرسة عظيمة بخوارزم ، وجامع هائل ، وبنى بمرو جامعا عظيما للشافعية ؛ فحسدتهم الحنابلة ، وشيخهم بها يقال له شيخ الاسلام ؛ فيقال : إنهم أحرقوه ، وهذا إنما يحمل عليه قلة الدين والعقل ؛ فأغرمهم السلطان خوارزم شاه ما غرم الوزير على بنائه ) .

تعصب .. وتحرق :

عام 543 هـ في "العبر" (2/463) : ( .. وأَبو الحجاج الفِنْدَلاوي يوسف بن دوباس المغربي المالكي. كان فقيهاً عالماً صالحاً حُلْوَ المجالسة، شديدَ التعصُّب للأَشعريّةِ، صاحبَ تحرُّق على الحنابلة . قُتل في سبيل الله في حصارِ الفرنج لدمشق مقبلاً غَيْرَ مُدْبِر بالنّيْرَب أَوّلَ يومٍ جاءَت الفرنجُ .. ) .

ضلال وزيغ :

في عام 580 هـ في "تاريخ اليمن" : في ترجمة أحمد بن محمد البريهي ثم السَّكسكي : كان ينسخ (.. الكتب ويوقفها ، حتى وقف أكثر من مائة كتاب في مدينة إب .. وشرط في وقفه لها أنها على أهل السنّة ، دون المبتدعة من الأشعرية وغيرهم ، وكتب في غالبها بيتين من الشعر هذا أحدهما :

هذا الكتاب لوجه الله موقوفُ منّا على الطالب السني موصوفُ

ما للأشاعرة الضلال في حسبي حـقّ ولا للذي بالزيغ معروفُ

لا رحمه الله :

في عام 450 هـ في "تاريخ دمشق" (55/265) : ( سمعت أبا غالب من أبي علي بن البنّا الحنبلي بن الحنبلي قال : لما مات القاضي أبو يعلى بن الفرَّاء ذهبت مع أبي إلى داره ، وكان يسكن بآخرة باب المراتب ؛ فلقينا أبو مُحَمَّد التميمي الحنبلي الفقيه فقال له أبي : مات القاضي أبو يعلى
فقال التميمي : لا رحمه الله ، فقد جرى على الحنابلة جرية لا تنغسل إلى يوم القيامة، فهجره أبي إلى أن مات ) .

قال في "الوافي في الوفيات" : ( يعنـي الـمقالة فـي التشبـيه ) .

قلع مذهبكم ، وقطع ذكركم :

سنة 560 هـ في "البداية والنهاية" (12/249) في ترجمة مرجان الخادم : ( .. كان يقرأ القراءات ، وتفقه لمذهب الشافعي ، وكان يتعصب على الحنابلة ، ويكرههم ، ويعادي الوزير ابن هبيرة وابن الجوزي معاداة شديدة ، ويقول لابن الجوزي : مقصودي قلع مذهبكم ، وقطع ذكركم ، ولما توفي ابن هبيرة في هذه السنة قوي على بن الجوزي وخافه ابن الجوزي ؛ فلما توفي في هذه السنة فرح ابن الجوزي فرحا شديدا ..) .

هذه لمحة لبعض مظاهر العداوات والشحناء التي أورثتها العصبية والظلم والعدوان على المخالفين .

يقول الإمام ابن تيمية بعد ذكر الخلافات العقدية : ( .. وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها ، وأمرائها وكبرائها ، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها.. وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا ، وإذا اجتمعوا أصلحوا وملكوا ؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب ) .

5. تحقيق المقاصد في شمول وإتقان :

فإن تضييع فقه الاختلاف ينتج عزلاً لأهل المنهج الحق وتناقصاً في قوة نفوذهم وسلطانهم .

وقد ظهر هذا فيما تقدم عرضه مما وصل إليه تنازع المختلفين .

وحين تأخذ لمحة تاريخية لآخر القرن الثالث الهجري ترى أن الناس حين بدأوا بإهمال مقومات هذا الفقه ؛ كمخاطبة العواطف والقلوب من خلال الرقائق والإيمانيات ، واستخدام الرصيد الأخلاقي في التعامل مع الناس ؛ كالحلم والتواضع والصبر وطلاقة الوجه ، واستعمال السياسية الشرعية ، واعتبار قواعد المصالح والمفاسد ، والتعاون مع السلاطين ، واحتمال المفاسد الدنيا لأجل المصالح العليا حتى بدأت الآثار تظهر بعد تصرم القرون المفضلة ضعفاً وتشرذما ، وعلى إثر ذلك حتى بدت النتائج المرة : ظهور الشرك الأكبر بالطواف على القبور والأضرحة ودعاء غير الله؛ مما لم يكون موجوداً في القرون الأولى ، وكان لأهل السنة قوة ظاهرة وتأثير في المشهد العام .

ولكن لا زالوا يعرضون عن هذه الأمور ، أو يهملونها ؛ فما أطل القرن التاسع إلا وقد صارت البدع العملية والاعتقادية المخالفة لمنهج القرون المفضلة ظاهرة لا يمكن إنكارها ، واكتسح المخالفون لهذا المنهج من الغلاة الشارع العام ، واستمرت الحال منذ ذلك القرن ، إلى حين قيام الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله بدعوته الإصلاحية التجديدية ؛ فأحيا رحمه الله ما اندرس منه ، وجدد ما عفا .

وقد ترسخ عند العامة بسبب حالة القحط في المنافحين عن هذا المنهج في هذه الحقبة ، وبسبب قلة الأتباع وانتشار البدع ترسخ عندهم أن ما عليه العالم الإسلامي من هذه المفاسد الكبرى هي الحال التي كانت عليها القرون المفضلة .

أما في التاريخ المعاصر فمنذ الانطلاقة الأولى للصحوة المعاصرة ، وما جاء بعد انطلاقتها بقليل من توجهها إلى العناية بعقيدة القرون المفضلة بالمنافحة عن هذا المنهج والتفرغ له ـ وقد أحسنوا في هذا ـ إلا أن حالة الحماس والنشوة التي ترافق قيام الحركات بأنواعها أذهلتها عن تقويم التجربة التاريخية القديمة في التعامل مع البدع التي استقرت وقوي أصحابها ؛ فكان بينهم وبين مخالفيهم نوع من المنافرة والمفاصلة والشدة ، وإن لم تصل إلى ما كان في عصور الانحطاط الغابرة .

وبالنظرة السريعة إلى هذه التجربة خلال الثلاثين عاماً الماضية ترى إهمال هذا الفقه باتباع منهج التنفير لم يغير في خرائط الانتماءات إلى المناهج الأخرى ؛ فبقي كل على منهجه وطريقته ، والذي بقي في اليد بعد هذه التجربة حنظل من الإحن وعلقم من العداوات ؛ فيما لم يتحقق اختراق يذكر لهذه الاتجاهات ، والمكاسب القليلة التي قد نجنيها من هذا المنهج لا تسوغ تلك القطيعة .

بل حمل ذلك بعض غلاة المخالفين إلى البحث عن هوية كاد ينساها ؛ ليعود إلى إحيائها مكايدة لمن نافره وقاطعه .



وهذه أهم قواعد التعامل مع المخالفين :

قواعد عمل القلب

1. الخشية :

وكان من أعظم صفات العلماء هي الخشية والعمل المخلَص ، قال جل شأنه : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقال الله تعالى : "أمن هو قانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" .

وزوال الخشية أو نقصها فهي من أعظم أسباب العدوان على المخالفين وبخسهم حقوقهم ؛ حيث يحل محلها الهوى .

فليست أزمة قبول الحق والإذعان له أزمة علمية ، أو معضلة في البحث والتحقيق ، ولكن الأزمة الكبرى هي في التجرد من الهوى ، والمؤثرات المتعلقة به .

وهوى الإنسان يكون في نفسه وفي والده وولده ، وفي منصبه وجاهه ، وفي ماله ووطنه وعشيرته ، وما يراه وفاء لشيخه ، أو رعاية لتلاميذه وأتباعه ومحبيه أن يقول أو يفعل ما يخذلهم .

وقد عرف إبراهيم عليه السلام أن تعلق المشركين بآلهتهم ليس لأنهم يعتقدون نفعها وضرها ؛ فعقولهم أكبر من ذلك ، ولكن مصالحهم وأهوائهم ارتبطت بهذه الأوثان : من العادات والمألوفات ، وشبكة المصالح المادية والاجتماعية ، ومكاسب السدنة وأقربائهم وأتباعهم ؛ فكان بقاء الوثن سبباً من أسباب بقاء هذه المصالح فتمسكوا به ولهذا قال الله تعالى على لسانه عليه السلام : "وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين" .

وصارت روابط العرق أو البلد أو الإقليم أو الحزب وعلاقة الشيخ بالتلميذ تدفع حتى بعضاً من المهتمين بالشأن الإسلامي إلى العمى عن رؤية الحق ، ومن ثم العدوان على المخالفين .

ولعل أظهر ما يدل على ذلك أن بعض المسائل الفقهية التي قوي فيها الخلاف ؛ بل ثبت فيها الأخذ بالقولين من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة والعلماء من بعدهم ترى في بعض الأزمنة أو الأمكنة عدواناً مبينا على المخالف فيها ؛ فتُساء به النيات ، وتذهب فيه الظنون كل مذهب ، ثم لا ترى وصفاً مؤثراً لهذا العدوان إلا مخالفة السائد في هذا المكان أو ذلك الزمان .

ومما يؤكد وقوع الهوى أن بعض المسائل ضعف فيها الخلاف حتى قال صار قول الجماهير بل أئمة المذاهب الأربعة وعلمائها بخلاف هذا القول ، ولكن حين صار السائد في نفس المكان هو قول القلة صارت المسألة توصف بأنها محل اجتهاد من أهل العلم ، والأخذ بخلاف قول الجماهير له ما يسوغه .

ألم يظهر أن الرابطة المكانية هي السبب الرئيس إن لم يكن الوحيد في الاختيار ؟ ألم يقع بهذا تحييد لدلالة النص ، ومراد الباري ، ومقصد الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأجل هذه المعاني الترابية ؛ فأين الخشية الباعثة على التجرد من الهوى ، ولهذا قال الله تعالى : "ألم ص كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٱتَّبِعُوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَۗ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ" . فنبه إلى الأخذ بالمنزل بلا حرج ، وحذر من خطر المتعلقات الأرضية في الصد عن ذلك فقال : "ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَۗ " .

ولا عجب ـ حينئذ ـ أن ترى أن غالب أهل المكان الذي يسود فيه مذهب ، أو يعتاد الناس فيه على قول أن يكون الراجح عند الواحد منهم في غالب المسائل هو ذلك المذهب ، أو ما اعتاده الناس من الأقوال !! فهل كانت العقول والفهوم متساوية بهذه الدرجة حتى تتوافق في نتائج الأفكار ؟

ولهذا كانت الحالة الصحية هي في عهد الصحابة : أن ترى الاختيارات المختلفة في تلاميذ الأستاذ الواحد ، وأهل المحلة الواحدة ؛ فضلاً عن الإقليم ، أو البلد .

وتظهر آثار الهوى في مظاهر منها : عدم العناية بتأصيل المسائل التي قد تخالف سائداً ، وكراهة بحثها ، خشية من الوصول إلى نتائج لها تبعات . ومنها : أنك تراه إذا حط أحد على مبغض له لم يدافع عنه بطلب محاسنه ؛ بل تظهر منه علامة الإعجاب والرضا . وإن حط أحد على محبوب بدا غضبه ، وثارت ثائرته . ومنها حياؤه من عرض طروحات صحيحة يقول أو يعمل بها فريق ، أو تيار آخر .

2. أن يكون مقصود المخالفة براءة الذمة بالبيان للأمة :

ينطوي قلب المؤمن على نية حسنة وسريرة صافية ؛ فهو لا يريد من مخالفته لأحد إلا تعظيم الحق والبحث عن الحقيقة ، ولا غرض له فيما سوى ذلك ؛ كتقديس النفس أو الهوية أو الانتصار لهما ، ومتى علم الله ذلك منه حصل له من القبول ومحبة الخلق وانتفاعهم به ما يرفع الله به قدره ، ويخلد به ذِكْره .

وقد تشوهت هذه المعاني السامية عند بعض الناس ؛ فحل محل الإخلاص : الرياء والتصنع ، ومحل الحرص على الهداية : محبة النفس والدوران حول الذات وتعظيم الهوية الترابية من بلد أو عرق أو حزب أو عادة ومألوف .

فأصبح النزاع والخلاف المعلن لله وهو في الحقيقة بين الذوات ، أو الهويات المختلفة ؛ فما أعظم الذنب وأكبر المصيبة إذا جعل المخالف تعظيم الله لافتة يخفي تحتها أخس المعاني الترابية .

وإذا بلغ الأمر هذا الحد فلا تسأل عن الفوضى العلمية ، ولا عن التدابر والعدوان على المخالفين من كل فريق .

ومن المعلوم أن البيان للأمة بنشر العلم ، والنقض على أهل البدع والمخالفات لا يتوقف على رضا أحد أو سخطه ؛ فإن الله تعالى ما أنزل الكتب وبعث الرسل ، ولا حمًّل العدول هذا العلم إلا للقيام بواجب نشره ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (1/221) بعد ذكره الرد على المخالف :
( .. وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح ، وابتغاء وجه الله تعالى ؛ لا لهوى الشخص مـع الإنسان : مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية ، أو تحاسد .. أو تنازع على الرئاسة ، فيتكلم بمساويه مظهراً للنصح ، وقصده في الباطن الغضُ من الشخص ، واستيفاؤه منه ؛ فهذا من عمل الشيطان ، و«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى» .. ) .

وقال : (28/221) في هجر العاصي : ( .. وإذا عرف هذا ، فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله ؛ فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله ، وأن تكون موافقة لأمره ؛ فتكون خالصة لله صواباً . فمن هجر لهوى نفسه ، أو هجر هجراً غير مأمور به : كان خارجاً عن هذا ، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ، ظانة أنها تفعله طاعة لله ) ..

.. ( فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله ، وبين الهجر لحق نفسه ؛ فالأول : مأمور به ،
والثاني : منهى عنه ؛ لأن المؤمنين أخوة .. ) ..

.. ( وهذا لأن الهجر من «باب العقوبات الشرعية» فهو من جنس الجهاد في سبيل الله ، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا ، ويكون الدين كله لله . والمؤمن عليه أن يعادي في الله ، ويوالي في الله ؛ فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه ؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية .. ) ..

.. ( فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر ، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك ، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك ؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله ، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه ، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه ) أهـ .

وقال في "الاستغاثة" (1/380) ( .. أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العدل والإيمان والرحمة ؛ فيعلمون الحق الذين يكونون به موافقين للسنة ، سالمين من البدعة ، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم.. ويرحمون الخلق ؛ فيريدون لهم الخير والهدى والعلم ، لا يقصدون الشر ابتداءً ؛ بل إذا عاقبوهم وبيَّنوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق ..) .

3. أن يحرص على الانتفاع من المخالف :

من أعظم أسباب تأبي الحق على القلوب الكبرُ ، وإشعار المرء نفسه أو الآخرين بأنه إنما بُعث إليهم هادياً لا يقبل مع ذلك توجيها أو تصحيحاً من أحد ، وأن على الناس الاستماع إلى قوله وتوجيهاته ونصائحه .

وأكمل الأحوال أن يوطن المرء نفسه للانتفاع من المخالف مهما كانت ديانته وجنسه ، وأن يعلم أن هذا من أظهر علامات حسن قصده من إظهار الخلاف .

وهذا يوطن لأمرين مهمين :

الأول : تهيئة النفس لقبول الحق ؛ فزوال الكبر سبب من أسباب ذلك .

والثاني : التواضع للخلق ، وهذا يبعثهم على الاستماع إليك في حال من الطمأنينة والأمان ؛ لأن المخالف قد سل سخيمة نفسه ، ورفع حالة التوتر والاحتقان التي يشعر بها بسبب مخالفتنا ، أو بسبب ما يراه من علوية البعض بأنه ما خالف أو ناظر إلا لإهداء ما عنده من الحق .

وبعض المسائل وإن كانت قطعية ظاهرة والشك فيها قد يكون كفراً إلا أن إظهار التنَزل الجدلي طريق صحيح لإزالة التوتر ؛ فالله عز سبحانه وتعالى قد قال : "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" ، ويقول تعالى : "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة" ؛ فما الذي يدعو إلى التفكر مع كون القضية قطعية إلا توطين نفس المخالف على قبول الحق .

وعن قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت أتى حبر من الأحبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون ! قال : سبحان الله ! وما ذاك ؟ قال : تقولون إذا حلفتم : والكعبة . قالت : فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال : "فمن حلف فليحلف برب الكعبة" . قال : يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا ! قال : سبحان الله وما ذاك ؟ قال تقولون : ما شاء الله وشئت . قالت : فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال : "فمن قال ما شاء الله فليقل معها ثم شئت" .

فقد سمع صلى الله عليه وسلم من اليهود في أمور عقدية ، ولم يأنف أن يقول به حين وافق الحق .

4. أن يحرص على انتفاع المخالف لا ظهور القول ، أو معقد الهوية :

فيكون الباعث على المخالفة ، أو مجادلة المخالف هو انتفاعه بما تراه من الحق ؛ لا أن يكون القصد إرغامَه وإظهارَ خطئه عند الناس .

وحين كره السلف المناظرات فلعلهم إنما رأوا سبب ذلك قلة الانتفاع منها ؛ لأن أكثرها إنما يراد منه إظهار الغلبة أو إذلال المخالف ومراغمته ، ونتائج هذه المناظرات إنما تزيد المخالف عنادا ، وتزيد أتباعه صدوداً .

قال حسن الزعفراني كما في "الإبانة الكبرى" لابن بطة (1/127) سمعت الشافعي يحلف وهو يقول : ( ما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة, وما ناظرت أحدا ما فأحببت أن يخطئ ) .

وكان يقول كما في "السنن" للبيهقي : ( ما كلمت أحدا قط إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه ) .

والمناظرة والجدل المشروعان إنما هي حين يكون الطرفان كلاهما مستعدين لقبول الحق .

قواعد العلم واليقين :

ما وقع عدوان على مخالف إلا كان أكثر أسبابه جهل المعتدي فيما يتكلم فيه ، أو جهله بكيفية التعامل مع المخالف في مثل هذا الخلاف .

وحتى نعرف صحة هذا التقرير النظري فإن المتأمل في حال الأمة يرى أن أكثر نزاع المختلفين ، الذي يؤدي إلى هذا العدوان هو في الجهلة والمقلدين لا في أهل العلم والمحققين ، وما قد يقع من بعض أهل العلم فهو على وجه الندرة ، أو الزلة .

فمن أراد أن يعرف أثر العلم في كل شيء ، ومنه التعامل مع المخالف ؛ فلينظر إلى أثر الجهل : إنه وضع الشيء في غير موضعه ، وهو الجمع بين المفترقات والتفريق بين المتماثلات ، وإعطاء الشيء حكماً مبنياً على الوهم والشك ، أو العصبية وإظهار الغلبة .

ومن المعلوم أن حكم المرء لا يكون صحيحاً في شيء إلا بمعرفة دليل ما قال به ، ومعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، ومعرفة منهج السلف في ذلك ، والإجابة على أدلة المخالفين ، ومتى ما فرط في شيء من ذلك فحكم على أحد أو أبدى رأياً فيه قبل ذلك فقد اعتدى على المخالف بجهله .

وحتى لو أصاب الحق في نفس الأمر فهو آثم لتفريطه ، وهذا معنى ما قاله بعض أهل العلم : أخطأ وإن أصاب ؛ كالقاضي يحكم بعقوبة المتهم بغير بينه ولا إقرار ولا قرينة فهو مخطئ آثم ؛ وإن كان المتهم في نفس الأمر مجرماً .

قال الإمام ابن تيمية في "منهاج السنة" (5/83) : ( .. لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ؛ ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت ، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات ، وجهل وظلم في الكليات ) .

5. أن يحقق المسائل :

فالاكتفاء في مثل هذه القضايا بالثقافة العامة والمطالعات السريعة ، والبناء على ذلك في نتائج نظرها إنما هو نوع من اعتبار الجهل والظن .

فلا تبرأ ذمة العالم إلا بإمعان النظر فيها ، وتحقيق القول في مآخذها وقواعدها .

والمسائل العلمية المتعلقة بالحكم على أي شيء ، ومنه الحكم على المخالف تمر بمراحل هي :

1. تخريج المناط ؛ وهو استخراج ما يحتمل أن يكون علة للحكم ومقصدا له ، وما يتبعه من تنقيح المناط ، وما ينتجه ذلك من حكم المجتهد في المسألة بكونها كفراً أو فسقاً أو بدعة ؛ كقوله بعد الاجتهاد : إن الحكم بغير ما أنزل الله على وجه التشريع العام كفر أكبر مخرج من الملة .

2. تحقيق المناط ، وهو إنزال الحكم على الواقعة الجديدة ؛ كقوله بأن قانون تشريع إباحة الربا في الحالة المعين هو هذا الكفر .

3. التحقق والتثبت من أن الذي نتعامل معه قد قال أو فعل ما يوجب أو يجيز عقوبته ؛ فكثير من الناس يبني على مجرد الإشاعة ، أو على ما يقال في وسائل الإعلام ، وعلى النقل الذي يتغير عند الشخص الواحد أكثر من مرة ؛ فكيف عند طول السلسلة .

4. التحقق من قيام الحجة التي يكفر منكرها ، ووجود الشروط وانتفاء الموانع .

5. وصف الفاعل بآثار فعل المخالفة ؛ بـأن يقال عن شخصه : إنه كافر أو فاسق أو مبتدع .

6. إظهار هذه الأحكام أو إخفاؤها بالنظر إلى المصالح والمفاسد ، واختلاف الأزمنة والأمكنة ، واختلاف الأشخاص الحاكمين والمحكوم عليهم .

وكل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى جمع علمي ، ثم تأمل وموازنة ، ثم إصدار الحكم .

فهل استقصى الناس في مخالفاتـهم للآخرين هذه المراحل ، أو أن واقع كثيرين هو ارتجال إصدار الأحكام ، والتسرع في تطبيقها عليهم ؟

6. أن ينبذ التقليد :

فليس من العدل ولا من العلم أن يقلد المرء غيره في الحكم على الآخرين ، وما يترتب عليه من التعامل معهم بهجر أو تنفير أو عقوبة ، أو الحكم على أحد بكفر أو فسوق أو بدعة ؛ فما كان قطعياً فلا تقليد فيه لظهوره ، وما كان محل اجتهاد أهل العلم ، أو مشكوكاً فيه لم يجز لأحد أن يخرج من المقطوع به ، وهو حرمة عرض المسلم ، ولزوم وفائه جميع حقوقه بأمر مشكوك فيه لا يعرف وجهه ولا دليله ، والعالم المستدل فيما يختار من أقوال ، وفي مواقفه : يجد ما يُخرجه من العهدة ، ويبرئ به الذمة ، ولكن ما الذي يُخرج المقلد ؟

والتقليد إنما أُبيح على خلاف الأصل ، وهو وجوب النظر والاستدلال أُبيح لدفع حاجة أو ضرورة في عبادة أو معاملة ؛ فما هي الضرورة والحاجة في الحكم على الآخرين بحكم ، أو معاملتهم بما يُخشى معه بخس أعظم حقوقهم ؟

ولو فقه المسلمون خطر التقليد ، ووكلوا علم ما لم يحققوه إلى العلماء الربانيين ، وجعلوا لهم القياد في مواجهة المخالفة وأهلها لما وقع العدوان والظلم على المخالف ؛ مما اختلت به الموازين ، واضطربت معه الأحكام ، وتشوهت به الصورة ، وأعرض عن الحق بسببه فئام من الخلق .

7. أن يتثبت ويتبين :

يقع الظلم والعدوان على المخالف بسبب العجلة وأخذ الكلام من مصادر غير معتبرة ؛ إما في ورعها ، وإما في ضبطها وحسن فهمها ، ولهذا قال الله تبارك وتعالى : "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" .

قال الإمام مالك رحمه الله كما في "التمهيد" (1/67) : ( .. إن هذا العلم دين ؛ فانظروا عمن تأخذونه ، لقد أدركتسبعين ممن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين ، وأشار إلىالمسجد ؛ فما أخذت عنهم شيئا ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا ، إلا أنهملم يكونوا من أهل هذا الشأن ) .

وقال الإمام السبكي رحمه الله كما في "قاعدة في الجرح والتعديل" ص 93 : ( كثيراً ما رأيت من يسمع لفظةً فيفهمها‎ ‎على غير وجهها ؛ فيُغير على الكاتب والمؤلف ومن ‏عاشره واستن بسنته .. مع أن المؤلف لم‎ ‎يرد ذلك على الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل ) .

نماذج لأحكام لم يحقق الكلام فيها ، واعتدي فيها بسبب ذلك على المخالف :

التفريق في التعامل مع المخالف بين مسائل الفروع والأصول :

جعل بعضهم الفروع والأصول ، أو العقائد والفقهيات هي المفرق لما يسوغ فيه الخلاف ، وما لا يسوغ ، وبنوا على ذلك أحكاما في التكفير ، بل واستحلال عقوبته ، أو حتى قتله .

وهذا التفريق بدعة أحدثها المخالفون لأهل السنة ، وجعلوها سيفاً مصلتاً عليهم ؛ لحملهم على أن يأخذوا بقولهم ؛ فاستعدوا عليهم السلاطين ، وعزلوهم بسببها من وظائفهم ، وجردوهم من إمامة الناس في الصلاة ، والتدريس والفتوى والوعظ .

وقد حقق هذه المسألة الإمام ابن تيمية رحمه الله ؛ فرأى أنه لا يفرق في ذلك بين الأصول
والفروع ؛ فقال في "مجموع الفتاوى" (1/207) : ( .. والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ، ومن سلك سبيلهم ، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه ، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره ) .

وقرر في هذا الموضع أنه لا يوجد ضابط صحيح للتفريق بينها ، وأن كون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي بحسب حال المعتقدين ؛ فليس هو وصفاً للقول في نفسه ؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة ؛ أو بالنقل المعلوم صدقه عنده ، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعاً ولا ظناً ، وأن ذكاء المحكوم عليه وعدمه مؤثر في هذا .

كما قرر أن من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالاً يجعلونها واجبة في الدين ، بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه ، ويكفِّرون من خالفهم فيها ، ويستحلون دمه ؛ كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم .

أقول : وقد صار الحكم على الناس بالبدعة مبنياً على هذه المسألة ، دون أن يعرف المتكلم فيها دليلاً أو ضابطاً .

اعتبار مسائل البدع العملية من قضايا الاعتقاد :

فلو سلمنا بالتفريق بين مسائل الفروع والأصول ، والقطعية والظنية فإن مسائل البدع العملية التي يختلف فيها الناس ، وتبنى على الاستنباط هي من مسائل الفقه والظن لا من مسائل القطع واليقين ، وتكون في أبواب الفقه ، وليست في أبواب العقائد ، وعلى التسليم بالفرق فإن محل مصنفات البدع العملية هو قسم الفقه وليس قسم العقيدة .

والبدع العملية هي التي تكون في الصلوات ؛ كدعاء ختم القرآن فيها ، والأذكار ؛ كالذكر الجماعي ، والأعياد ؛ كالمولد واليوم الوطني ، وتعليق التمائم من القرآن ، والتعريف في الأمصار .

وهذا وإن كان اصطلاحا إلا أنه بسبب هذا التصنيف وقع الانطباع عند الناس أن الخلاف في هذه المسائل لا يقبل الاجتهاد ، وأن المخالف المعين فيها من أهل البدع .

وإذا استثنينا ما يقع في بعض الموالد من الشرك بالله فإن من رام الإنصاف لا يجد فرقاً بين الحكم ببدعية المولد وبدعية دعاء الختم في الصلاة ؛ فكلاها عمل ، وكلاهما مبني على أدلة نظرية ليس عند أحد الفريقين دليل يحسم به الخلاف .

أما المولد النبوي فهو بلا ريب داخل في حد البدعة بجلاء ووضوح ؛ كدرجة الوضوح في بدعية دعاء الختم في الصلاة ؛ وذلك لأنه اجتمع في المولد سمات العيد الشرعي ، ولأن الأعياد محددة بأوجه تعبدية محضة اُختير فيها الزمان على وجه لا يُعقل معناه على التفصيل ؛ فصارت من الدين المحدد ؛ فتكون الزيادة على ما قدره الشارع وحدده بدعة ، هذا عدا ما فيه من المضاهاة للمشروع ؛ ولانقطاع الأعياد التي كانت قبل الإسلام ، وبقائها منقطعة إلى تصرم القرون المفضلة .

وأما دعاء الختم في الصلاة فهو عبادة محضة ، وقد أُحدث في عبادة أخرى وهي الصلاة على وجه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة بحديث أو أثر صحيحين أو ضعيفين .

فعلى هذا : لا وجه لاعتبار هذه البدعة أمرا يسوغ الخلاف فيها ، والأخرى لا يسوغ الخلاف فيها مع تساويهما في طرق الاستدلال والاستنباط .

وقد صارت هاتين المسألتين والحكم فيهما على المخالف معقداً للمفاصلة ، وسبباً لتفرق الناس .

ويكون العمل بهذه الخلافيات وإنكارها بحسب قواعد السياسة الشرعية التي ستأتي إن شاء الله .

الهجر في غير موضعه :

فالخطأ في مسألة الهجر وعدم تحقيق القول فيها أدى إلى اعتقاده ديناً مقصوداً لذاته لا يتغير
بتغير الأشخاص والأمكنة والأزمنة ؛ بينما دلت الشريعة وقواعدها على أن الهجر إنما هو وسيلة لزجر العاصي ؛ فإن كان مؤدياً هذا الغرض وإلا استبقى المسلمُ مع المخالف الحقوق المتعلقة بإسلامه .

وقد وقع بسبب ذلك الاعتداء على المخالف ، وفاتت بذلك الفرص للتأثير على المخالفين لا سيما من أهل البدع المعلظة ، حتى صار رؤساؤهم يحبون أن يُهجر أتباعهم ؛ لما فيه من تحصينهم من تأثير الآخرين .

قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله في كلامه عن هجر المبتدع في "مجموع الفتاوى" (28/210) : ( .. فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد ؛ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأموراً بها .. ) .

واعتبر رحمه الله في هذا الموضع قوة الهاجر وضعف المهجور ، وأنه لا يلزم المسلم في مواقع نفوذ المخالفين أن يهجرهم .

وقرر أن أقواماً جعلوا ذلك عاماً ، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به . وأنه قد وترتب على ذلك تفرق المسلمين وتسلط الأعداء .

بين النوع والعين :

في هذا الباب وقع ما يُعد من أعظم العدوان على المخالف ؛ فبسببه وقع التكفير والتفسيق والتبديع على المعين .

وبسببه حصل الاقتتال في هذه الأمة ، وبدت ظاهرة الغلو والعنف .

وإنما كان مقصود الشريعة في هذه الأسماء أمران :

الأول : الإعذار إلى من كان متصفا بهذه الصفة ؛ ليقلع عن فعله ، أو أن تكون الحجة قد قامت عليه ؛ فيقع مقصود الشريعة بأن لا يعاقب إلا بعد إعذاره .

قال الله تعالى : "رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" .

وقال صلى الله عليه وسلم : "لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل" رواه الشيخان من حديث ابن مسعود .

الثاني : إنذار المتردد ، ومن في قلبه مرض أن لا يسلك سبيلهم .

أما تطبيق ذلك على الأعيان من أهل القبلة فليس حتماً لازماً ؛ فلو تركه المرء لم يكن مخالفاً لمقصود الشريعة في وضع هذه الأسماء .

والفعل وإن كان يُسمى كفراً بيقين فلا يجب الحكم على الفاعل بالكفر ، وإجراء أحكامه الظاهرة مادام متأولا في ذلك ، أو مستتراً به ، أو متنصلاً مما نُسب إليه .

ولا يعني هذا منع أو تحريم إلحاق الوصف به ؛ بل يجوز ذلك ، عند تحقق الشروط ، وانتفاء الموانع، وظهور الحجة التي يكفر منكرها ، وهذا إنما يكون للحاكم ، وليس لآحاد الناس .

وقد أخطأ في ذلك كثير من الناس فظنوا أن تكفير المعين هو مثل معرفة الكفر والحذر منه ؛ فمن لم يُظهر تكفير من فعل كفرا أو قاله فقد فرط في حق الإيمان ؛ بل غلوا في ذلك ؛ فرأوا أنه لا يصح لهم إيمان إلا بذلك .

والناظر في هديه صلى الله عليه وسلم يظهر بجلاء أنه لم يقم أحكام الكفر على من ظهر منه ذلك سواء كان من المؤمنين ؛ كحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه ، حين وُجدت منه مظاهرة للمشركين على المؤمنين ؛ بل إن آية البراء من المشركين التي كُفِّر به كثيرون قد نزلت فيه رضي الله عنه ، أو كان من المنافقين الذي بدت منهم مقالات الكفر ؛ كقولهم : ليخرجن الأعز منها الأذل ، وكقولهم : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ، وقول الآخر للنبي صلى الله عليه وسلم : اعدل .

وقد بين الإمام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (12/487) سبب الخطأ والانحراف في هذه المسألة بتقريره أن القائلين بالكفر بمجرد فعل ذلك أو قوله قد أصابـهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع ، وأنهم كلما رأوهم قالوا : من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع ، قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين ؛ إلا إذا وُجِدت هذه الشروط ، وانتفت تلك الموانع .

وأوضح أن الإمام أحمد والأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ، وأيد هذا بأن الإمام أحمد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن وذكر دعوتهم للكفر وإكراههم للناس عليه ثم قال : ( .. ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم ؛ فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها ، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب ، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه ، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم ) أهـ .

وقد أورث الخطأ في تأصيل هذه المسألة أحكاما جائرة بالكفر ، وظلما للمخالفين بوصف المعين منهم بالمبتدع ، حتى صرنا نسمع من البعض وصف من تلبس ببدعة عملية بأنه مبتدع فتراهم يقولون : جاء المبتدع وذهب ، ويقولون للمعينين : أولئك المبتدعة .

ومثل ذلك الحكم على المعين بأنه هالك ، أو أن الطائفة المعينة هالكة بمجرد قول أو فعل .

والحكم بالهلاك على المعين هو كالحكم بالكفر لا بد له من اجتماع شروط وانتفاء موانع . والمقصود من حديث : كلها في النار إلا واحدة هو تبيين أسباب الهلاك ؛ ليحذرها الناس لا أن تُطبق على المعين .

قال الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (3/179) : ( ليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا ؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه ، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة ، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته ؛ وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك : فهذا أولى ؛ بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا ، وقد لا يكون ناجيا ، كما يقال من صمت نجا ) أهـ . أي : ولا يلزم أن من تكلم هلك .

ومن المعلوم أن من جاء بأسباب النجاة الاعتقادية ثم وقع منه موبقات عظيمة ؛ كقطع الطريق والقتل والظلم في الأعراض فإنه قد يُعذب حتى مع سلامة معتقده ، وقد يُعفى عن صاحب البدعة بتأويل يُعذر فيه مثله ، أو بحسنات ماحية ؛ فصح أن المقصود بذلك الحث على استكمال أسباب النجاة ؛ لا أن تكون هذه اسما يفرق به بين أعيان الخلق في النجاة والهلاك .

وقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (5/253) بعد ذكر بعض شطحات الصوفية : ( .. وهذا يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك ، ثم من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده ، وهذا يبين أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله ـ وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته ـ .. وكل من أظهر الإسلام ، ولم يكن منافقا فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك ، وهو ممن يخرج من النار ؛ ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم ) ..

.. ( ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه صلى الله عليه وسلم لم تدخل أمته الجنة ؛ فإنهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة ؛ بل يدخلونها ، وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم ، وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعرف الله به ، وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه لم يحمل ما لا يطيق .. ) ..

.. ( فهذا أصل عظيم في تعليم الناس ، ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها ؛ كالقرآن والحديث المشهور ، وهم مختلفون في معنى ذلك ) . أهـ.

وذكر رحمه الله (3/352و353) في شرح حديث الافتراق أصلين في تكفير الفرق ؛ فقال :
( أحدهما : أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقا .. ) ..

.. ( .. ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنا وظاهرا .. وقد يكون مخطئا متأولا مغفورا
له خطـأه ، وقد يكون مع ذلك معـه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه ) أهـ .

معذرة المخالف :

وهذه المعذرة ينبغي أن تُعتبر في الحاكم على الناس بأي حكم ، وكذلك في المحكوم عليه ، أما في الحاكم فظاهر ؛ حيث ينتفع بذلك في اعتبار معذرته ، وأما في المحكوم عليه فينبغي أن يعذر الحاكم عليه ؛ مادام مجتهدا متحرياً للحق .

قال الإمام ابن تيمية في "الفتاوى" (28/234) : ( .. وإن كان المخطئ المجتهد مغفورًا له خطؤه ، وهو مأجور على اجتهاده ، فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب ؛ وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله ) .

وأسباب هذه المعذرة كثيرة ؛ فمنها :

الحسنات الماحية :

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "الاستقامة" (1/297) عن الغناء الصوفي : ( .. والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والإخلاص والصلاح غمرت حسناتهم ما كان لهم فيه وفي غيره من السيئات أو الخطأ في مواقع الاجتهاد ، وهذا سبيل كل صالحي هذه الأمة في خطئهم وزلاتهم . قال تعالى : "والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون" وذلك كالمتأولين في تناول المسكر من صالحي أهل الكوفة ، ومن اتبعهم على ذلك ، وإن كان المشروب خمرا لا يشك في ذلك من اطلع على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة ، وكذلك المتأولون للمتعة والصرف من أهل مكة .. وكذلك المتأولون في بعض الأطعمة والحشوش [إتيان المرأة في الدبر] من أهل المدينة ، وإن كان لا يشك في تحريم ذلك من اطلع على نصوص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .. ) .

وقال رحمه الله تعالى (1/156) في السماع الصوفي أيضاً : ( .. وإن كان من المشايخ الصالحين من تأول في ذلك ، وبتأويله واجتهاده يغفر الله له خطأه ، ويثيبه على ما مع التأويل من عمل صالح ، فذلك لا يمنع أن يقال ما في الفعل من الفساد ، إذ التأويل من باب المعاريض في حق بعض الناس تدفع به عنه العقوبة ، كما تدفع بالتوبة والحسنات الماحية ، وهذا لمن استفرغ وسعه في طلب الحق ) .

التأويل السائغ ، أو ما يسوغ من مثله :

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله (1/156) في السماع الصوفي : ( .. وإن كان من المشايخ الصالحين من تأول في ذلك ، وبتأويله واجتهاده يغفر الله له خطأه ويثيبه على ما مع التأويل من عمل صالح ، فذلك لا يمنع أن يقال ما في الفعل من الفساد ، إذ التأويل من باب المعاريض في حق بعض الناس تدفع به عنه العقوبة ، كما تدفع بالتوبة والحسنات الماحية ، وهذا لمن استفرغ وسعه في طلب الحق ) .

وقال في "الاستقامة" (2/189) : ( .. فالاستحلال الذي يكون في موارد الاجتهاد ، وقد أخطأ المستحل في تأويله ـ مع إيمانه وحسناته ـ هو مما غفره الله لهذه الأمة من الخطأ في قوله : "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" ؛ كما استحل بعضهم بعض أنواع الربا ، واستحل بعضهم نوعا من الفاحشة ، وهو إتيان النساء في حشوشهن ، واستحل بعضهم بعض أنواع الخمر ، واستحل بعضهم استماع المعازف ، واستحل بعضهم من دماء بعض بالتأويل ما استحل ) .

وقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (19/191) : ( لا ريب أن المجتهد إذا أخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد يعفى عنه خطؤه ، ويثاب ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ، لذا يعذر كثير من العلماء والعباد، بل والأمراء فيما أحدثوه لنوع اجتهاد ؛ فإن كثيرا من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ، ولم يعلموا أنه بدعة ، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة ، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها ، وإما لرأي رأوه ، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم ، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى : "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" ، وفي الصحيح أن الله قال : "قد فعلت" ) .‏

التقليد السائغ ـ، أو ما يسوغ من مثله :

قال ابن تيمية رحمه الله "مجموع الفتاوى" : (10/371و372) : ( وإنما المقصود هنا : أن ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه ؛ إما لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه ، وإما لعدم قدرته ) أهـ.

وقال عن المقلدة في عقيدة وحدة الوجود في المرجع نفسه (2/367) : ( .. وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه ، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين ، الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس ؛ فهؤلاء تجد فيهم إسلاما وإيمانا ، ومتابعة للكتاب والسنة ؛ بحسب إيمانهم التقليدي .. ) أ.هـ .

وقال الإمام ابن تيمية في مصطلح "تسليم الحال" وهو معذرة الشيخ في بعض المخالفات :
( .. وأما إذا قيل : ذلك بمعنى أنه صواب أو صحيح فلا بد من دليل على تصويبه . وإلا فمجرد القول أو الفعل الصادر من غير الرسول ليس حجة على تصويب القائل أو الفاعل ، فإذا علم أن ذلك الاجتهاد خطأ كان تسليم حاله بمعنى رفع الذم عنه لا بمعنى إصابته ، وكذلك إذا أريد بتسليم حاله وإقراره أنه يقر على حكمه فلا ينقض ، أو على فتياه فلا تنكر ، أو على جواز اتباعه لمن هو من أهل تقليده واتباعه ، بأن للقاصرين أن يقلدوا ويتبعوا من يسوغ تقليده واتباعه من العلماء والمشايخ فيما لم يظهر لهم أنه
خطأ ، لكن بعض هذا يدخل في القسم الثاني الذي لم يعلم مخالفته للشريعة ) .

ثم قال في نفس المرجع (2/379) : ( ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق ، وهذا السر أشد كفرا وإلحادا من ظاهره ؛ فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه كثير من الناس ) ..

.. ( ولهذا تجد كثيرا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ، ويتواجد عليها ويعظمها ، ظانا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة ، وهو لا يعلم مراد قائلها ، وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين ، فلا يفهمون حقيقته ) .

وقال رحمه الله في هذا المرجع عن بعض العلماء المناظرين في البدع الاعتقادية (5/563) :
( .. لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول ، وحصل اضطراب في المعقول به ؛ فحصل نقص في معرفة السمع والعقل ، وإن كان هذا النقص هو منتهى قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته ؛ فالعجز يكون عذرا للإنسان في أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام ، هذا على قول السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به ) ..

.. ( وأما من قال من الجهمية ونحوهم : إنه قد يعذب العاجزين ، ومن قال من المعتزلة ونحوهم من القدرية : إن كل مجتهد فإنه لا بد أن يعرف الحق ، وإن من لم يعرفه فلتفريطه ، لا لعجزه ، فهما قولان ضعيفان ، وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا ) .

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في "الطرق الحكمية" (1/255) عن شهادة الفساق : ( .. فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام , ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم . فهؤلاء أقسام : أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له , فهذا لا يكفر ولا يفسق ) .

غلبة الأمر :

قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (10/567) عن الذكر بتكرار لفظ الجلالة "الله" :
( وما نقل عن أبي يزيد والنوري والشبلي ، وغيرهم من ذكر الاسم المجرد فمحمول على أنهم مغلوبون ؛ فإن أحوالهم تشهد بذلك ، مع أن المشايخ الذين هم أصح من هؤلاء وأكمل لم يذكروا إلا الكلمة
التامة ، وعند التنازع يجب الرد إلى الله والرسول ؛ فليس فعل غير الرسول حجة على الإطلاق ) أهـ .

وقال في "منهاج السنة" (5/113) : ( .. وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا ؛ بل وإماما ، وفي نفسه أمور من العدل ‏يريد أن يعمل بها فلا يمكن ذلك ؛ بل هناك من يمنعه ، ولا يكلف الله‎ ‎نفسا إلا وسعها ) ‎.

الجهل :

قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (5/484) : ( وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع ، ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والفقه والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال ويحكي من مقالات الناس ألوانا ، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره لعدم علمه به لا لكراهته لما عليه الرسول ) أهـ.

وقال رحمه الله في هذا المرجع (4/15) : ( .. فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان النصَ إنما يكون لعدم علمه به ، أو لاعتقاده صحة ما عارضه .. ) .

وقال رحمه الله في هذا المرجع (3/355) بعد ذكره وجهين لتغليط مقالات أهل البدع :
( الثالث : أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها ؛ لكن مع هذا قد يخفي كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم ؛ لما يوردونه من الشبهات ، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنا وظاهرا ؛ وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة .. ) .

وقال رحمه الله في هذا المرجع (19/191) ( .. وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة ، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة ، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها ، وإما لرأي رأوه ، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم ، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى : "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" ، وفي الصحيح أن الله قال : "قد فعلت" ) .‏

وقال بعد ذكره ما يجب من الاعتقاد المجمل (3/327) : ( .. وأما التفصيل : فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده من أن الرسول أخبر به وأمر به ، وأما ما أخبر به الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به ولم يمكنه العلم بذلك فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلا ، وهو داخل في إقراره بالمجمل العام ، ثم إن قال خلاف ذلك متأولا كان مخطئا يغفر له خطأه ؛ إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان ، ولهذا يجب على العلماء من الاعتقاد ما لا يجب على آحاد العامة ، ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك ما لا يجب على من نشأ بدار جهل . وأما ما علم ثبوته بمجرد القياس العقلي دون الرسالة ؛ فهذا لا يعاقب إن لم يعتقده ) أهـ .

استقرار البدعة وشيوع المخالفة :

وقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (3/239) : ( ومع هذا فقد يكثر أهل الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة ؛ حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئا ـ عند الجهال ـ لكلام أهل العلم والسنة ؛ حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء ؛ فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها ؛ حتى يكون العقوبة بعد الحجة .. وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة ) أ.هـ.

8. أن لا يحكم على المعين بما يُنسب إلى طائفته أو بني قومه :

فلا يجوز أن يكفر أحد من أهل القبلة بمجرد انتسابه إلى فرقة تكون منظومةُ عقائدها أو بعضها كفراً ؛ بل إن هذا ظلم تأباه أصول الشريعة ؛ لأن مقتضى هذا العدل أن نبقى على اليقين ، وهو إقرارهم ظاهرا بالشهادتين ، وأن لا يؤاخذ المرء إلا بما أظهره هو نفسه مما يخالفها من قول أو فعل .

ومثال ذلك أهل الملل التي يُعلم بالضرورة أن المقالات التي يقولونها والعقائد التي ينتحلونها شرك أكبر في توحيد الربوبية والإلهية ، أو إلحاد في الأسماء والصفات ؛ ولكن بعض المخالطين لهم يأخذون الحكم بالعموم ؛ ليكون حكماً على كل منتسب إلى هذه الملة ؛ بل يجرون أحكام الكفر بمجرد اسم الشخص الذي يكثر في أهل هذه الفرقة ، أو بمجرد اسم عائلته ، أو بلدته .

وقد قرر الإمام السبكي رحمه الله في "قضاء الأرب في أسئلة أهل حلب" (ص524) بعد أن قال بكفر غلاة الرافضة والقدرية النفاة للعلم وأن من شرط تكفير المعين اعتراف الشخص به ،وأنه يبعد أن يحصل هذا الاعتراف ، وأن التكفير لا ينكر إذا حصل شرطه ، وأنه لا يكفي في ذلك أن يقال : هذا من تلك الفرقة وإن كان يُحكم من حيثالجملة على من اعتقد بمكفر أنه كافر إلى أن قال :
( .. ولقد رأيت تصانيف جماعة يظن بهم أنهم من أهل العلم ، ويتعلقون بشيء من رواية الحديث ،
وربما كان لهم نسك وعبادة ، وشهرة بالعلم تكلموا بأشياء ، ورووا أشياء تنبي عن جهلهم
العظيم .. ويقدمون على تكفير من لا يستحق التكفير ، وماسبب ذلك إلا ما هم عليه من فرط الجهل والتعصب ، والنشأة على شيء لم يعرفوا سواه ، وهوباطل ، ولم يشتغلوا بشيء من العلم حتى يفهموا ؛ بل هم في غاية الغباوة .. ) .

كما قرر الإمام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (3/352و353) في شرح حديث الافتراق أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا ، وأن أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون وقال : ( .. فهؤلاء كفار في الباطن ومن عُلم حاله فهو كافر في الظاهر أيضا ... ومثل المنافقين المظهرين للإسلام فأنـهم تجري عليهم أحكام الإسلام وهم في الآخرة كافرون ؛ كما دل عليه القرآن في آيات متعددة . . . وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يُحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنـهم مخالفون للرسل وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنـها كفر ) .

وقال في "الفتاوى" (28/474) بعد أن ذكر غالية الشيعة : ( .. يُقتلون باتفاق المسلمين ، وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في علي وغيره ، مثل النصيرية والإسماعيلية .. فإن جميع هؤلاء الكفار أكفر من اليهود والنصارى ؛ فإن لم يظهر عن أحدهم ذلك كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار ، ومن أظهر ذلك كان أشد من الكافرين كفراً ..) .

وقال ابن مفلح في "الفروع" (6/154) : ( .. وقال شيخنا : نصوصه صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفَّر الجهمية لا أعيانهم , قال : وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقا , حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي قال : ومذاهب الأئمة أحمد وغيره مبنية على التفصيل بين النوع والعين ) .

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في "الطرق الحكمية" (1/255) عن شهادة الفساق : ( .. فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام , ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم . فهؤلاء أقسام : أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له , فهذا لا يكفر ولا يفسق ) .

فعليه فإن الواحد المعين من الشيعة وغلاة المتصوفة من أتباع الطرق التي عرف من أئمتها
وكتبها كفر في الربوبية أو الإلهية وأقر بانتسابه إلى هذه الملة أو تلك الطريقة ، ولم يظهر منه المكفِّر
المعين فالأصل أن لا تُجرى على أحد منهم أحكام الكفر إلا بعد اليقين أن القول أو الفعل الصادرين
منه يعدان كفرا ، وأن المعين قد فعله بنفسه ، وأن الحجة قد قامت عليه ، وإلا استبقينا لهذا المعين
صحة إسلامه .

قواعد العدل والإنصاف :

فإن العدل فضيلة مطلقة ؛ لا تقييد في فضله ؛ فهو ممدوح في كل زمان وكل مكان ، وكل حال ، ممدوح من كل أحد ، مع كل أحد ، بخلاف كثير من الأخلاق ؛ فإنه يلحقها الاستثناء والتقييد .

ولهذا اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول ، وما من أمة أو أهل ملة إلا يرون للعدل مقامه .

وبالعدل تحصيل العبودية لله وحده ، وبه تُعطى الحقوق وتُرد المظالم ، وبه تأتلف القلوب ؛ لأن من أسباب الاختلاف الظلم والبغي والعدوان ، وبه يُقبل القول ، أو يعذر قائله ، وبه تحصل الطمأنينة والاستقرار النفسي .

ثم ينتج عن ذلك ازدهار العمران المادي والمعنوي ، ولهذا تلحظ تناسباً طردياً بين شيوع العدل وقوة العمران عند الأمم .

وكان العدل سبباً لإنزال الكتب وإرسال الرسل ، قال الله تعالى : "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" .

وكان من أبرز سمات دعوة شعيب عليه السلام ـ بعد تقرير توحيد الله تعالى ـ إقامةُ القسط في الموازين والمكاييل ، قال الله تعالى : "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين" .

فإذا كان هذا من أجل حفنة شعير أو قبضة حنطة فما بالك في مراد الله تعالى بالعدل في التعامل مع الآخرين والحكم عليهم ؛ مما ترخص الأموال فداء له وهو عرض المرء وكرامته ؟ ، ولهذا قال حسان:

أصوني عرضي بمالي لا أدنسُـه لا بارك الله بعد العرض في المالِ

أحتال للمال إن أودى فأكسِبُه ولست للعرض إن أودي بمحتالِ

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "الاستقامة" (1/38) : ( .. لو ادّعى عليك رجل بعشرة
دراهم ، وأنت حاضر في البلد ، غير ممتنع من حضور مجلس الحكم لم يكن للحاكم أن يحكم عليك في غَيْبتك ، هذا في الحقوق ؛ فكيف بالعقوبات التي يحرم فيها ذلك بإجماع المسلمين ) ..

.. ( وقد قال سبحانه : "ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، فنهى أن يحمل المؤمنين بغضُهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم ؛ فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان ؟ فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالماً له ) أهـ كلامه رحمه الله .

وكان للعادلين أعظم مكان ، وأهيب مشهد ؛ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا ".

لقد كان لأهل العدل هذا المقام لأنه ليس دعوى مجردة ، أو أمنية لا عزيمة معها ، أو شعاراً لا معاناة في تحصيله ؛ ولكنه أسباب تتراكم وتجتمع ؛ فمن حققها تحقق عنده العدل وإلا جار في تعامله مع الآخرين ، وفي حكمه عليهم دون أن يشعر .

وإذا أراد المرء أن يمتحن نفسه في العدل ، وأن يمحص دعواه الإنصاف فليتحقق في نفسه أموراً إن وجدها كان حرياً بوصف العدل ، وإن فقدها فهو على خطر :

فمنها : تحصيل العلم الشرعي ؛ فتحقيق المسائل التي يُحكم بها على الآخرين ضروري لتحقيق العدل مع الناس ، ومن قصّر في تحصيله فليس بمعذور أن يحكم أو يتعامل مع أحد بمعاملة يكرهها .

ومنها : التأني ، وأن يجعل للزمن مجالاً قبل الكلام في حق شخص أو مؤسسة .

ومنها : العلم بواقع الحال ، من معرفة حال الشخص الذي نتعامل معه ، أو نحكم عليه من ناحية علمه وجهله بما فعله ، والأسباب والدوافع لذلك الفعل ، وأسباب المعذرة ، ومعرفة ما لديه من حسنات قد تغمر ما بدا منه من خطأ أو زلل .

فهذا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعل أمراً عظيماً بتسريب خبر توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لغزوها ؛ فتأنى النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن الفعل أولاً بقوله : يَا حَاطِبُ مَا هَذَا ؟ ، ثم سأله عن السبب ؛ بقوله : "ما حملك على هذا" ؟ وهذا يدل أن للأسباب والدوافع تأثيراً في الحكم ، ثم أعفاه من العقوبة ؛ حين وازن بين سيئاته وحسناته فقال : "وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .

ومنها : اتهام النفس ؛ فإنه بداية تلمس أسباب العدل ، والوقوف على ما يعين عليه ، ومتى كان المرء مزرياً على نفسه متهماً لها ، يتوقع منها الخلل والزلل والهوى كان أبعد الناس عن الوقوع في الظلم والعدوان .

وإذا استرخى عن استشعار ذلك حل محله ظن الكمال والكِـبْر ؛ فيُزين الشيطان له عمله ، ويزيده إغواء بأن يوهمه أن هذه الظنون هي الثقة بما ما معه من الحق ، والعزة على أهل الباطل .

ومن اتهم نفسه رأى نفسه في كل وقت محتاجاً إلى التعرف على أسباب العدل ، ورآها محتاجة إلى النصيحة والتقويم .

وإذا فرط في عمل القلب فقد وقع في الظلم والجور دون أن يعلم .

ومن أسباب العدل : أن ينظر إلى أعماله السابقة ، وأحكامه السالفة ، وكذلك أحوال الظلمة ؛ فكثير من الناس يكون جوره وظلمه بسبب توتره واضطراره إلى علاج الحالة في ضيق من الزمان أو المكان ، أو ضغط الأحوال والأشخاص الذين يحيطون به ؛ فإذا تجرد من هذه المؤثرات فقد يلوح له وجه تعسفه ؛ فإذا قومها فرأى فيها سداداً وتوفيقاً حمد الله تعالى عليه ، وإن رأى غير ذلك راجع نفسه وذاكرها ؛ حتى يقيمها على أمر الله ، ومن ترك تقويم الماضي ومراجعته عاد إلى جوره مرة أخرى دون أن يشعر .

ومن أسبابه : الشجاعة الأدبية مع من يخافهم أو يحبهم أو يرجوهم ؛ فهو قوي شجاع عند تكبير محبيه أو شماتة أعاديه ؛ فإن جرب من نفسه ضعفاً عندها وخوراً في مواجهة ذلك فهو محل للحيف والظلم ؛ فليكن على حذر .

ولهذا كانت البيعة العظيمة التي قال عنها عبادة بن الصامت رضي الله عنه : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكارهنا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالعدل أين كنا لا نخاف في الله لومه لائم . رواه النسائي وهو صحيح ، وأصله في "الصحيحين" .

وتأمل في الشجاعة أمام المبغَضين قول الله تعالى : "وَلاَ يَجْرِمَنكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتقْوَى" .

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "منهاج السنة" (5/126، 127) : ( .. ومعلوم أننا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة ، مثل الملوك المختلفين علي الملك ، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين، وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل ، لا بظلم وجهل ، وإن العدل واجب لكل أحد وعلي كل أحد في كل حال ، والظلم محرم مطلقاً لا يباح بحال قط ،قال تعالي : ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار ، وهو بغضٌ مأمور به ، فإن كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه ، فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس فهو أحق أن لا يظلم ، بل يعدل عليه ) أهـ .

والشجاعة وإن كانت خلقاً جبلياً إلا إنه يُمكن اكتسابه بالتعويد والتربية ، وتدريب النفس عليه ؛ فيحصل لطالب هذا الخلق من الشجاعة ما ليس عند آخرين من الشجاعة التي جبلوا عليها ؛ بل أقوى منها ، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم : "إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه" حديث جيد رواه الدارقطني عن أبي هريرة .

ومن أسباب العدل : تصور آثار الظلم وعواقبه في الدنيا والآخرة :

فالظلم والجور يدوران حتى يعودان إلى من فعلهما ، وبالظلم تشيع الفوضى ، وتنتشر الشحناء ، وتكون العقوبة في النفس والمال والولد .

ومن أسباب العدل : أن يجعل نفسه مكان من يتعامل معه أو يحكم عليه ؛ فإذا كان في مكانه أراد منه في معاملته أو حكمه أن يكون قائماً بالقسط مستكملاً أسباب العدل ؛ فإذا استشعر ذلك كان هو معه كذلك .

فمن القواعد المتعلقة بالعدل :

9. أن يحمل كلام المخالف على أحسنه :

الكلام ملك لصاحبه المخالف ، وهو أولى الناس بتفسيره ، وما دام أنه حمَّال أوجه لم يجز أن
نختار منها ما نشاء للحكم عليه ؛ لا سيما والمرء في سعة من الحكم عليه ؛ فليس التعامل معه بالدرهم والدينار ، ولا في مصاهرته ، وإنما هو حكم أو وصف لا يحتاج إلى أن يتكلم بهما .

وأما الرد والبيان فلا يمنع منه كون الكلام محتملاً ؛ فلو خشي أحد من تأثير كلامه فلينكر ذلك مع الاحتراز له بأن يقول : إن كان المعنى المقصود كذا فهو حق وإلا فهو باطل ، ونحو ذلك .

وفي "التاريخ" لابن عساكر (47/35) قال عمر رضي الله عنه : ( من عَرّض نفسه للتهمة فلا يلومَنّ من أساء به الظن ، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً تجد لها في الخير محملاً ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ) .

وقال الإمام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" ( 31 / 114 ) : ( ومن أعظم التقصير : نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه ، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس ، ثم يُعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر .. ) .

وقد طبق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا‎ ‎الضابط لما تناول قول الجنيد : التوحيد إفراد القدم من الحديث .. فقال في "الاستقامة" : (‏‏1/92) : ( .. هذا الكلام‎ ‎فيه إجمال ، والمحق يحمله محملاً حسناً ، وغير المحق يدخل فيه أشياء .. وأما الجنيد‎ ‎فمقصوده ‏التوحيد الذي يشير إليه المشايخ ، وهو التوحيد في القصد والإرادة وما يدخل‎ ‎في ذلك من الإخلاص والتوكل ‏والمحبة .. وهذا حق صحيح ، وهو داخل في التوحيد الذي بعث‎ ‎الله به رسله وأنزل به كتبه ) ‏‎.

ومنه أيضًا حمله قول بعض الصوفية : ما عبدتك شوقًا إلى جنتك ، ولا خوفًا من نارك ، ولكن لأنظر إليك إجلالاً لك فقال في "الفتاوى" (10/698) : ( .. وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين ، وأرباب الأحوال والمقامات ، يكون لأحدهم وَجْدٌ صحيح ، وذوق سليم ، لكن ليس له عبارة تبين مراده ؛ فيقع في كلامه غلط وسوء أدب ، مع صحة مقصوده ) .

10. أن لا يفجر في خصومته :

فمهما بلغ المخالف في مخالفته فلا يجوز أن يظلم أو يجار عليه ، أو أن يُكذب عليه ، أو أن يُزاد في حديثه ما لم يقله .

وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم : "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر" . ‌

11. أن يقارن خطأه بخطأ غيره ممن عذره :

فإن كان خطؤه مثله أو قريبا منه ، وكان في ظروف مماثلة ، وقد عذرنا غيره ؛ فلتسعه المعذرة أيضاً ، ولا تكن المعاصرة ، أو كون المخالف مقدما عند طائفة حاضرة سبباً للكيل بمكيالين .

قال الإمام ابن تيمية في "الاستقامة" (1/219) عن أهل السماع والنظر المحرمين : ( .. وإن كان فيهم من ولاية الله وتقواهم ومحبته والقرب إليه ما فاقوا به على من لم يساوهم في مقامهم ، فليسوا في ذلك بأعظم من أكابر السلف المقتتلين في الفتنة ، والسلف المستحلين لطائفة من الأشربة المسكرة ، والمستحلين لربا الفضل والمتعة ، والمستحلين للحشوش ، كما قال عبد الله بن المبارك : رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة ، كانت منه الهفوة والزلة لا يقتدى به في هفوته وزلته . والغلط يقع تارة في استحلال المحرم بالتأويل ، وفي ترك الواجب بالتأويل ، وفي جعل المحرم عبادة بالتأويل ؛ كالمقتتلين في الفتنة ، حيث رأوا ذلك واجباً ومستحباً ، وكما قال طائفة مثل عبد الله بن داود الحربي وغيره : إن شرب النبيذ المختلف فيه أفضل من تركه ؛ فالتأويل يتناول الأصناف الخمسة : فيجعل الواجب مستحباً ومباحاً ومكروهاً ومحرماً ، ويجعل المحرم مكروهاً ومباحاً ومستحباً وواجباً ، وهكذا في سائرها ..) ..

.. ( ولكن من ذهب إلى القول المرجوح ينتفع به في عذر المتأولين ؛ فإن عامة ما حرمه الله مثل قتل النفس بغير حق ومثل الزنا والخمر والميسر والأموال والاعراض قد استحل بعض أنواعه طوائف من الأمة بالتأويل ، وفي المستحلين قوم من صالحي الأمة وأهل العلم والإيمان .. لكن المستحل لذلك لا يعتقد أنه من المحرمات ، ولا أنه داخل فيما ذمه الله ورسوله ؛ فالمقاتل في الفتنة متأولا لا يعتقد أنه قتل مؤمنا بغير حق ، والمبيح للمتعة والحشوش ونكاح المحلل لا يعتقد أنه أباح زنا وسفاحا ، والمبيح للنبيذ المتأول فيه ولبعض أنواع المعاملات الربوية وعقود المخاطرات لا يعتقد أنه أباح الخمر والميسر والربا ) ..

.. ( ولكن وقوع مثل هذا التأويل من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان ، صار من أسباب المحن والفتنة ؛ فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك ، وقد لا يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك ، بل يتعدون ذلك ويزيدون زيادات لم تصدر من أولئك الأئمة السادة ، والذين يعلمون تحريم جنس ذلك الفعل قد يعتدون على المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم ويتبعهم آخرون فيزيدون في الذم ما يستحلون به من أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ما حرمه الله ورسوله ، فهذا واقع كثير في موارد النزاع ) .

12. أن يعتبر حسناته ، ويوازنها بسيئاته :

فمن قواعد التعامل مع المخالفين أن يُنسب الفعل الذي خالف فيه إلى بقية أعماله الأخرى ؛ فإن غلب خير الشخص على شره كان الحكم للغالب ، وكان الحكم الجملي عليه بذلك .

إن لبعض الناس قابلية شديدة لعلوق الأشياء القذرة في قلبه فيما لا تقبل علوق الأشياء الخيرة ؛ فتخرج النتيجة المرة البئيسة : أنه لا يراه إلا من خلال أخطائه ، فيسقط اعتباره بالكلية ، ويتولد في قلبه من الحقد والكراهية ما يحمله على العدوان عليه وبخسه حقوقه .

ويزين له الشيطان أنه إنما فعل ذلك نصرة لدينه وغيرة على عقيدته .

فهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل مسيره إلى قريش في سراً ؛ ليجعل من عنصر المفاجأة سببا لحسم المعركة ؛ فقام حاطب بن أبي بلتعة بعمل خطير آثاره مدمرة حيث سعى لتبليغ المشركين بذلك .

فماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ لقد جعل من حسناته سببا للعفو عنه .

وإذا رجعت إلى الواقع وجدت أن أكثر الخلاف وأكثر العدوان على المخالفين راجع إلى ترك هذه القاعدة أو التفريط فيها .

فكثير ممن فوقت لهم سهام العدوان ، وتمزقت الأمة بسببه هو ضياع هذا الأصل .

وقد قال أبو عبدالله الهروي صاحب "منازل السائرين" : ( إن من حقائق التوبة طلب أعذار الخليقة) ؛ فقرر ابن القيم في "المدارج" (1/196) بأن هذا من الاحتجاج المذموم بالقدر ، وأنه يلزم منه عذر عباد الأصنام والأوثان ، وقتلة الأنبياء وفرعون وهامان ونمروذ بن كنعان وأبو جهل وأصحابه وإبليس وجنوده ، وكل كافر وظالم ومتعد حدود الله ومنتهك محارم الله فإنهم كلهم تحت القدر وهم من الخليقة ، أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة ؟

إلى أن قال : ( .. ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به ؛ فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل ، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه ، والكامل من عد خطؤه ، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام ، وافترقت بالسالكين فيه الطرقات ، وأشرفوا إلا أقلهم على أودية الهلكات ) .

وقد اعتبر الإمام ابن تيمية هذه القاعدة في موازنة حسنات الصوفية بسيئاتهم ، ووجد من كثير منهم أو أكثرهم بدع اعتقادية وعملية ؛ كالتي تُنسب إلى المعاصرين منهم فانتهى إلى اعتبار فضلهم بتغليب حسناتهم على سيئاتهم ، وذلك في السماع الصوفي المشتمل على منكرات ومزالق ؛ فقال رحمه الله تعالى في "الفتاوى" (11/428) :

(.. والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والإخلاص والصلاح : غمرت حسناتهم ما كان لهم فيه وفي غيره من السيئات ، أو الخطأ في مواقع الاجتهاد ، وهذا سبيل كل صالحي هذه الأمة في خطئهم وزلاتهم ) .

وقرر في الموضع نفسه أن التارك للدليل الصحيح قد يكون معذورا لاجتهاده ، بل قد يكون صديقا عظيما ، وأنه ليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحا ، وعمله كله سنة .

وقال رحمه الله في جواب سؤال عن الصوفية (11/15) : ( .. ثم الناس في الحب والبغض والموالاة والمعاداة هم أيضاً مجتهدون ، يصيبون تارة ، ويخطئون تارة ، وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما
يحبه ، أحب الرجل مطلقاً ، وأعرض عن سيئاته ، وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقاً ، وأعرض عن حسناته .. ) ..

.. ( .. وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو أن المؤمن يستحق وعد الله وفضله الثواب على حسناته ، ويستحق العقاب على سيئاته ، وإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه ، وما يعاقب عليه ، وما يحمد عليه وما يذم عليه ، وما يحب منه وما يبغض منه ) أهـ .

وقال (13/97) ( .. والأشعرية ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم ، وبينوا ما بينوه من تناقضهم ، وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة ؛ فحصل بما قالوه من بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير ) أهـ .

ومن زغل العلم والدعوة أنك لا تجد مثل هذا المنهج ـ إلا ما ندر ـ في الثناء على الدول والمؤسسات والجماعات والأفراد فيما أحسنوا فيه ، مع التنبيه والنصيحة بالحسنى والممكن فيما أساءوا فيه ، ولكن واقع البعض هو الذم مطلقا دون تقييد ، أو المدح مطلقاً دون تقييد .

وقال ابن القيم : ( .. من قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت ، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يُحتمل منه ما لا يُحتمل من غيره ، ويعفى عنه ما لا يعفى من غيره ؛ فإن المعصية خبث ، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث .. وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ، وكما قيل :

وإذا الحبيب أتى بذنب واحـد جاءت محاسنه بألف شفيع ) .

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى" (28/203) : ( .. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر ، وفجور وطاعة ، ومعصية وسنة وبدعة : استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير ، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر ؛ فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة ؛ فيجتمع له من هذا وهذا ؛ كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ، ويعطى من بين المال ما يكفيه لحاجته ) ..

.. ( هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة ، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ، ومن وافقهم عليه ؛ فلم يجعلوا الناس إلا مستحقاً للثواب فقط ، وإلا مستحقاً للعقاب فقط ) .

13. أن لا يخضع في تعامله معه لتصنيف :

صار عسيرا على كثير من الناس أن يرى إنسانا آخر ، أو يسمع به فضلاً عن يدخل معه في حديث أو علاقة بله أن يختلف معه إلا رأيته في سر أو علن يبحث عمن يكون هذا الشخص ؟ .. في توجهه .. في تاريخه .. في جغرافيته ؛ ليجعل من هذه التصنيفات أساساً للحكم عليه والتعامل معه .

ليس ذلك لفهم النفسيات ومحاولة الوصول إلى حلول لمشاكله ؛ وإنما لأسباب غير مفهومة ؛ حتى صارت هذه التصنيفات قيوداً في حركة المصنِّف عن الانطلاق مع الآخرين ، وعشىً في الرؤية ؛ بما ينتهي ظلما في التعامل ، وجوراً في الأحكام .

ولهذا لا يتحقق تمام العدل مع المخالف إلا بالتخلص من هذه العادة النفسية البئيسة ؛ وذلك لننتفع من الخلق وننفعهم بعيدا عن أي صوارف أو مؤثرات .

نعم قد نحتاج إلى بعض المعلومات عن شخص ما لتزويجه أو توليته إذا كان لآرائه أو خلفياته تأثير عليه في ذلك ، لكننا لا نحتاج إلى ذلك في غير هذه المسائل .

كثيراً ما يخيل للبعض أنه يكون بذلك ذكياً فطناً ينتفع بهذه المعلومات في علاقته معه ، وهذا قد يكون حقاً في بعض الأحيان ، ولكن الأذكى هو من احتمل بعض الخسائر في ذلك ليحصل مصالح أعظم ، يحلق بها في فضاء مفتوح ، ويعدو معها أفق ممتد ، بعيدا عن الظنون والتهم .

وإنما يجني صاحب هذه التصنيفات قطيعة وفسادا ؛ كما قال أبو نهشل الطائي :

أما والراقصاتِ بذات عـرق وربِ البيتِ والركــنِ العتيقِ

لقد أطلقت لي تهمــاً أراها ستحمـلني على مضضِ العقوقِ

وفي "المعجم الكبير" للطبراني (1/365) بسند جيد يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : "أعرضوا عن الناس ألم تر أنك إن ابتغيت الريبة في الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم" .

وروى أحمد في "المسند" (3759) بسند حسن حين نقل بعض الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عمن قال في قسمته : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فقال صلى الله عليه وسلم : "لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" .

فهو تغافل لا غفلة ، وتغاض لا إغضاء :

ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي

وهذا كله لو كان ما يُنسب إليه المخالف ويصنف به منقصة أو جريمة ؛ فكيف لو كانت لمذهب أو رأي أو جماعة أو إقليم ؟

وليحذر المرء أن يذهب لبه وديانته حين يرى حمى التصنيف ، وفوضى التهم ، والالتفاف حول الهويات المتنوعة ؛ فيحمله ذلك على خوض هذا الغمار ، والدخول تحت ذلك الغبار ؛ فصاحب اللب والديانة أكرم على الله من ذلك ؛ قال الطُغْرَائي :

قد رشحوك لأمرٍ إن فطنت لـه فاربأ بنفسك أن ترعى مع الـهمل

هذا ومن أعظم الجور في التصنيف أن نتخذ الموقف ، ونتعامل مع المخالف بما لم يقله هو أو يفعله ، وإنما بقول غيره أو فعله .

ومن الجور في التعامل مع المخالف أن يخضع المرء في تعامله معه لتصنيف بحيث ينظر إلى الآخرين من زاوية مذهبه وحزبه وإقليمه ؛ حتى لو لم يصنف هو أحداً ؛ فلن يكون عادلاً منصفاً إلا إذا جعل ميزان الحكم على الآخرين والتعامل معهم بناء على ما يقولون ويفعلون مجرداً من أي تأثيرات أخرى ، وبحسب الأدلة والقواعد ، وإلا سلك طريق الظلم والعدوان دون أن يدري ، وإن كان ديناً صالحاً .

وأخطر ما في التصنيف هو : حين يُرسخ عند الأتباع ؛ أن المصنَّف شيء "آخر" ، ونوع "مختلف" حتى صار البعض يشك في تدينه وتألهه وقصده ، وصار الناس يسمعون نحواً من هذه الكلمات : رغم أنه .. إلا أنه ، ونحو : ومع أنه كذا فإنه يحافظ على كذا ؛ فكان الصلاح والاستقامة لا تكون إلا له ، فيا لله ماذا فعلت الفرقة بأمتنا ؟

قواعد السياسة الشرعية :

تُسن الأحكام في هذه الشريعة لتؤدي مقاصدها ، وكان من سعتها وشمولها أن جاء في قواعدها العامة ما يعالج بعض الحالات الخاصة بصورة استثنائية ، وكانت هذه الأحكامُ الاستثنائيةُ موافقةً لهذه المقاصد ، متسقة مع تلك الأهداف .

وذلك مثل قواعد تعارض المصالح والمفاسد .

وهذه بعض قواعد التعامل مع المخالف بمقتضى السياسة الشرعية :

14. أن يعتبر اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة والأشخاص :

فلا يظهر في مكان عملاً في مسألة قد استقر الناس على خلافها بحجة أن الخلاف فيها سائغ ؛ فإن هذا مما يزيد الخلاف ويوسع الشقة بين المسلمين ؛ كإظهار المولد في مكان أطبق الناس فيه على عدم شرعيته ، لكن معرفة درجة الخلاف ينفع في معذرة المتأولين في مكان آخر .

ومن ذلك أن يؤخر في بعض الأمكنة محاربة بعض البدع العملية الجلية ؛ كتأخير إنكار صلاة الرغائب من أجل معالجة شرك أكبر في الربوبية والإلهية .

15. أن لا يمتحن المخالف في معتقده :

كان السلف يرون امتحان المرء لإخراج مكنونات معتقداته من البدع .

جاء في "سير أعلام النبلاء" (10/311) أن رجلا قام إلى البخاري ، فقال : يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن ، مخلوق هو أم غير مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه. فأعاد عليه القول ، ثم قال في الثالثة ، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة .

وإظهار المعتقدات المستترة بامتحان الناس فيها وإن كان يُعتبر ـ بادي الرأي ـ من حرب الآراء المخالفة في وكرها ، ومن كبتها قبل أن تخرج إلى الناس ، أو ما يسمى بالحرب الاستباقية إلا إنها تنطوي على مفاسد أعظم من ذلك ؛ فمنها :

دفع صاحبها إلى إظهارها والمنافحة عنها ؛ فإن الرأي حين يكون حبيس الأضلاع فإنه لا يُنسب إلى معتقدِه ، لكنه إن ظهر صار منسوباً إليه ، وأصبح أكثر استعدادا لتبنيه ، والدفاع عنه . كما أنه يدفعه إلى مراغمة مخالفيه وممتحنيه بالصدع بمعتقده .

أن الممتحِن بإظهاره قول المبتدع يُكوِّن أتباعاً ، أو مستمعين لصاحب البدعة ؛ بل ومعجبين بطريقته ؛ فكان رضاه هو بعدم إعلان خواطره خيراً من امتحانه ، وإظهارها للناس .

وقد دل هدي النبي صلى الله عليه وسلم على الإعراض عما ظهر فيما أعلنه المنافقون من كلمات الكفر ، وجُعلت أسماء المنافقين سراً عند بعض أصحابه ، وما نعموا به من مزايا المجتمع المسلم بقبولهم أعضاء فيه تجري عليهم به أحكام الإسلام الظاهر ، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أعيانهم ، ولم يوجه هذا إلا بأنه صلى الله عليه وسلم اعتبر السياسة ووازن بين المصالح والمفاسد .

فإذا كان هذا هديه فيما ظهر من الكفر فما الظن به فيما أخفاه الناس من المعتقدات ؟

ونحو ذلك أن يبحث عن عقائد العلماء ؛ فيجعل الشخصَ محوراً لذلك ، ولا قصد له في المسألة ، ويعلل بعضهم ذلك بقصد التحذير من الاغترار بكلامه ، وسيأتي الكلام على عدم صحة هذا المنهج في قاعدة : توجيه التعرية للقول لا القائل .

وهذا يختلف عن البحوث العلمية والكتب التي تتخصص في عقيدة عالم معين ؛ إذْ إن هذا عمل علمي يراد منه جمع آرائه وتنسيقها وموازنة القواعد الجامعة لكلامه ؛ فهذا عمل علمي لا يقل نفعا وفائدة عن مصنفات تبحث في فقه إمام معين ؛ فلا وجه لتحسس البعض من هذا المنهج .

16. أن توجه التعرية والإسقاط للقول المخالف لا لقائله :

إذا كانت المخالفة في قضية علمية أو منهجية وقد أعلن صاحبها قوله أو منهجه فلا إشكال هنا في ذكر القول والقائل ، وقد درج العلماء على ذلك حتى في المسائل الفقهية التي يقوى فيها الخلاف دون تجريح أو اتهام للنيات ؛ فما الظن في القضايا المنهجية ؟

وكذلك لو كان النقض على كتاب معين ؛ فلا تثريب في ذكر الكتاب والكاتب .

وهذا كله لأن كاتبه رضي بإظهار رأيه وقرن اسمه به ؛ فلم يعد بذلك ملكاً له ؛ بل صار مشاعاً لجميع الأمة .

ولكن تقع صورة أخرى تزيد على ما ذُكر وهي توجيه الجهود لإسقاط شخص معين بسبب مخالفة منهجية معينة ، وذلك بطريقين :

الأولى : التجريح الشخصي ، وتسخير قواميس الهجاء لتشويه صورته عند الناس ؛ وذلك بتكفيره أو جعل وصف المبتدع قرينا لاسمه ، تنفيراً للناس من الاستماع إليه ، والتأثر به ، وربما أدخلوا مع ذلك بعض السلوك الشخصي ؛ كسيرته الأخلاقية أو المالية أو العائلية .

الثانية : جمع أخطائه ومخالفاته حتى في المسائل الاجتهادية ؛ لتكون في موضع واحد ، وذلك لتتجمع أجزاء الصورة التي تجمعت في ذهن مخالفه لتكون مجتمعة واضحة عند بقية الناس ، وذلك ليحذروا ما قاله أو ما سيقوله .

وصارت هذه الطريقة تُسمى في الوقت الحاضر بـ "منهج الإسقاط والتعرية" أي أن يُسقط الشخص من أعين الناس ، ويعرى على حقيقته أمامهم .

وإذا أردنا محاكمة هذه الطريقة إلى منهج الكتاب والسنة ، ومقتضى السياسة الشرعية ، وقواعد المصالح والمفاسد فإن الناظر في هديه صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يستخرج قاعدة كلية وهي أن الأصل في نشر العلم ، والنقض على المخالفين هو البيان العام ، وأن الاستثناء أو النادر هو ترك بيان بعض العلم في أحوال خاصة رعاية لمصالح أعظم ، أو درءاً لمفاسد أكبر .

كما أن الأصل في التعامل مع الأفراد المخالفين هو ترك بيان اسمه ، والإعراض عن الدوران حول ذاته ، وإذا وقعت التسمية فإنما هي على وجه الندرة والاستثناء .

وهذا ظاهر بيِّن في منهج القرآن حين لم يذكر أسماء المشركين في مكة ، ولا أسماء المنافقين في المدينة ؛ كما جعل صلى الله عليه وسلم أسماء المنافقين سراً عند بعض أصحابه رغم شدة خطرهم .

ولكن حين كان الأمر يتعلق ببيان العلم والرد على الأقوال الباطلة وفضح شبه المشركين وطرائق المنافقين فإن منهج القرآن والسنة كان قوياً حاسما لا مواربة فيه ، وما ذلك إلا لأن الإعذار والإنذار الذي لأجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل ، وأخذ الله به الميثاق على الذين أوتوا العلم لا يتحقق إلا بهذه الطريقة الواضحة من العرض والبيان ، وإذا تحقق مقصود البيان فلا يبقى أثر وفائدة تذكران لتسمية الأفراد في ظل تحقق هذه المقاصد العظيمة .

ولهذا كان بعض الناس في هذه المسألة طرفي نقيض فمنهم من كرس حياته للدوران حول ذوات أشخاص المخالفين لحربهم ، وأهمل ما هو أهم من ذلك وهو المنهجية العامة في البناء العلمي والتربوي سواء كان ذلك بنشر العلم أو بالنقض على المخالفين ورد شبههم دون جعل الشخص محوراً لذلك .

ومنهم من أهمل البيان العلمي والتربوي وحتى الرد المنهجي الذي لا يستهدف الأشخاص تغليبا لمراعاة شعور الأفراد بالامتعاض حين تُنقض مناهجهم ، وتُبيَّن أخطاؤهم .

وكلا الطرفين قد قلب المنهج الشرعي الصحيح ؛ فالأولون جعلوا الأشخاص محورا للرد ؛ ولو بالعدوان عليهم ، وارتكاب مفاسد أعظم بحجة رعاية المنهج ، والآخرون جعلوا الأشخاص محورا للرعاية أو المجاملة ؛ ولو على حساب المنهج .

فصار الأصل ـ عند كلا الطرفين ـ استثناء والاستثناء صار أصلاً ؟

والمنهج الصحيح ما ذكرناه من العناية ببيان العلم ، والقيام بمهام التربية ، وأن يكون الأصل مع المخالفين الرد على أفكارهم ونقض أقوالهم دون مواربة ، مع عدم التعرض لأشخاصهم إلا في استثناءات نادرة ، شرطها أن لا تعود على الأصل بالإبطال .

قال الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (6/485) : ( .. كما اختلف الصحابة رضي الله عنهم والناس بعدهم في رؤية النبـي صلى الله عليه وسلّم ربه في الدنيا ، وقالوا فيها كلمات غليظة ؛ كقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : من زعم أن محمداً رأى به فقد أعظم على الله الفرية ، ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجرا ولا تقاطعاً ) .

كان وضوحاً في الطرح ، وبعدا عن المقاطعة .

إن المنهج في بيانه ونصرته لا يحتاج إلى معركة تستهدف الشخص ؛ إلا إذا جاء ذكره تبعاً لنقض قول المخالف ، دون مفاسد أكبر .

كما أن الشريعة قد جعلت لفطنة أتباعها بعد عملية التعرية المنهجية هامشاً يتحركون فيه للحذر من تأثير الطرائق المنحرفة .

وأعظم شبهة للمبالغين في منهج إسقاط المخالف وتعريته هي ما يرونه من خطر تغريره بالناس ، وتأثرهم بمنهجه ؛ فلا سبيل إلى رد باطله إلا بهذا المنهج .

وانتهاج هذه الطريقة يعكس عند صاحبها إحباطاً ، أو قلةً في الثقة في حجته ، أو ضعفاً في قدرته على إقناع الناس بصحتها .

وإلا فإن أعظم حصار لفكرة المخالف إنما تكون في بيان العلم بالحجة والبرهان ، ولهذا كانت الغالبة في الكتاب والسنة ؛ فكان المنهج الظاهر الأكثر : هو تعرية المنهج ؛ دون اعتبار للأشخاص .

ثم إن خطر التغرير وإضفاء الشرعية كان موجوداً في عهد النبي صلى عليه وسلم في المنافقين الذي يسعون إلى تقويض الدولة المسلمة ، وكانت لهم كثرة عددية ، وامتدادات اجتماعية في أمة تعظم شأن القبيلة ، ولهم علاقات منتظمة مع اليهود ؛ لتحقيق أغراض الطرفين بإلقاء الشبة والإرجاف والتخذيل ، ولا أدل على هذا التأثير والحضور من نزول سورة بكاملها جاءت لتبين طرائقهم وتعري مناهجهم ؛ حتى سُميت بالفاضحة ، ومع هذا كله ظلت الأسماء سراً ، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يجري على المنافقين أحكام الإسلام الظاهرة ؛ بل كان مع شيء من التلطف والحنو ، ظهر ذلك حيث استغفر لهم وصلى على ميتهم ، وقال لابن زعيمهم حين أراد قتل والده لِما رآه الابن من كثرة مكائده .. قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : "بل نحسن صحبته ما دام معنا" ، وحين مات أعطى ابنه قميصه ليكفنه فيه .

نعم قد نُهي عن الاستغفار لهم ، وعن الصلاة على من مات منهم ، ولكن هذا المنهج العام في التعامل مع المنافقين لم ينسخ ، ولم ينه عنه .

فإن قيل : كان البيان العام من الكتاب والسنة ببيان العلم ورد الشبهة والنقض على المخالف في عهده صلى الله عليه وسلم كافياً عن إسقاط الأشخاص ، وهذا لا يتحقق في زماننا بسبب ضعف البيان العام !

فيقال : قد أقررنا بكفاية البيان العام عن التعرية ، وأما تقصيرنا في البيان فلا يجوز أن نجمع إليه خطأ منهجياً آخر باتباع سياسات تخالف منهج الكتاب والسنة .

والمتأمل في الواقع يلحظ أن الأزمة الحقيقية التي دعت البعض إلى انتهاج هذه الطريقة إنما هي أزمة تربوية عند الجماهير ؛ حيث يرى الداعية الغيور أنه لا وقت عندهم للاستماع إلى الحجج ؛ فيجعل من منهج التعرية وتسمية الأشخاص طريقة سريعة لتحريك الذهن الخامل عند هذه الجماهير مستفيدا من معرفتهم به وثقتهم فيه ؛ وذلك لأن ذكر اسم المخالف أكثر حضورا وإلحاحا في ذهن المستمع من الحجة والبرهان التي تحتاج إلى ذهن حاضر ومقارنة وتأمل .

وهذه الأزمة عند المستمع ينبغي أن تعالج من جذورها بالدعوة والتربية .

ثم إن مخالفك لا يعجز عن انتهاج طريقتك عند جمهوره ومحبيه ؛ فتبقى النزاعات بين الغوغاء ؛ مما يزيد فرقة الأمة وتشتتها .

أما صاحب الحجة والبرهان فهو الذي يملك بهما ناصية الحقيقة بكل جدارة ، وأتباعها وإن كانوا قلة إلا إنهم أعظم بركة من عامة قلوبها غلف وآذانها صم وعيونها عمي ، وكما قيل في المثل : أن تقود مجموعة قليلة من الأسود خيرا من أن تقود قطيعاً كبيرا من الخراف .

وإذا ارتفعنا بعلوية طافحة الأضواء بعيداً عن قتام المختلفين وغبار المتنازعين فإن فيما قررناه من المنهج أعظم العبودية لله حين يكون التعظيم للبرهان والدليل ، وهو الذي أراده الله منا أن نودعه قلوب المدعوين ؛ ليكونوا عابدين لله على بينة وبصيرة لا على تقليد وعمى ؛ فههنا نجاتهم وسلامتهم .

وإذا أردت أن تقرر أصلاً من الشريعة في التعامل مع أصحاب المناهج المنحرفة فإنها لم تأت
بدليل قاطع بترك التعرية الشخصية مطلقاً ، ولا باعتبارها مطلقاً ، وحين ظن المختلفون وجود أحد الدليلين وقع الخلاف ، والتحقيق في هذا أن القضية منوطة بمقتضى أحكام السياسة الشرعية ، وقواعد المصالح والمفاسد ، وهذه الأحكام ونلك القواعد تقتضي أن يكون الأصل هو ما ذكرناه ، وما عداه استثناء قد يوجد سببه وقد لا يوجد .

وفهم هذا الأصل واعتباره يجعل خلاف الناس بعد ذلك إنما هو في تحقيق المناط لا في تخريجه ؛
أي : هل وجدت مصلحة تعريته أولا ؛ فإذا سُلِّم هذا فالخلاف في تحقيقه مسألة يسيرة جداً ؛ لأنها مبنية على تحقق المصلحة أو عدمها ، وإمكان الوصول إلى هذا سهل قريب من خلال استجلاء العبر من التاريخ القديم والمعاصر وإجراء الدراسات الكاشفة .

أما إذا فُهم أنها دلالة نصية من الشريعة لا تختلف بها الأحوال ولا الأشخاص ولا الأمكنة ولا نتائج دراسة المصالح والمفاسد فهنا قد يصل المرء إلى تعطيل مقاصد الشريعة في العلاقة مع المخالف : من احتوائه أو تقليل شره ، أو تحقيق مصالح أكبر من مفسدة ترك الكلام في شخصه ؛ فيحتاج الباحث إلى أن يعيد النظر في تأصيل المسألة .

ولا يشكل على هذا عند البعض إلا شدة نكير السلف من التابعين ومن بعدهم على أهل البدع ، وهجرهم إياهم والتحذير منهم ، وهذا غير مشكل ؛ فإذا قررنا هنا أن هذه المسألة مبناها على اعتبار المصالح والمفاسد التي تُبنى على اختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال ، وأن الهجر والتضييق والتسمية كانت نافعة في ذلك الوقت ؛ لكثرة أهل السنة وقوتهم ، وضعف أهل البدع ؛ فليس لأحد أن يدعي أن السلف جعلوا ذلك قاعدة لا تنخرم .

وقد نبه إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كلامه عن هجر المبتدع في "مجموع الفتاوى" (28/210) واعتبر هناك أن التضييق على المخالفين من أهل البدع مبناه على اعتبار المصالح والمفاسد حتى في التعامل مع البدع المغلظة ؛ كالتجهم ، ونقل عن أحمد أنه وجه أهل السنة في خراسان بمدارة الجهمية فيها ؛ لكونها موطن نفوذهم وانتشارهم .

ويقول في هذا الموضع : ( .. وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف ، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي . وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة ) .

بل ذهب في هذه الأحوال إلى التعاون معهم في أمور الجهاد والعلم ؛ مما سيأتي ذكره في قاعدة لاحقة إن شاء الله .

وحمل في الموضع نفسه اختلاف كلام أحمد في التعامل مع المبتدع بين شدة ولين باعتبار هذه القاعدة ؛ فقال : ( .. وكثير من أجوبة الإمام أحمد ، وغيره من الأئمة ، خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤول حاله ، أو خرج خطاباً لمعين قد علم حاله ، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ، إنما يثبت حكمها في نظيرها ) ..

.. ( فإن أقواماً جعلوا ذلك عاماً ، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به ، فلا يجب ولا يستحب ، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات . وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية ، فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية .. ) .

وفي موضع آخر (10/365) ذكر اختلاف الحال ، وأثره في التعامل مع أهل البدع من الطرق الصوفية ، وذكر مخالطتهم وبقاء المريد معهم ، ثم قال رحمه الله : ( .. وإنما قررت هذه القاعدة ليُحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه .. ) .

وقال (28/206) : عن الهجر : ( .. فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله ؛ فإن كانت لمصلحةٍ في ذلك راجحة ، بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً ، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك ؛ بل يزيد الشر ، والهاجر ضعيف ، بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته ، لم يشرع الهجر ؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر ) .

وقال في الموضع نفسه : ( .. وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل ؛ ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع ؛ كما كثر القدر في البصرة ، والتجهم بخراسان ، والتشيع بالكوفة ، وبين ما ليس كذلك .. وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه ) .

ومن مفاسد التعرية ـ التي لا تعتبر القواعد ـ : قطعُ الطريق على أهل المنهج الحق لإصلاح المتبوع والتابع من أهل البدع ، أو تقليل شرهما .

وذلك أن الحدود الفاصلة تظل في خرائط انتماءات المخالفين من المشايخ المتبوعين ، أو المناهج الدعوية أو الطرق المبتدعة تظل هذه الحدود في تلك الخرائط باهتة ، والجدران قصيرة يتنقل الناس بينها ؛ فمرة بدخول أهل السنة عليهم دون توجس ، ومرة بدخول المخالف عليهم دون تردد ، ويتمكن أهل السنة من التأثير على المخالفين دون عوائق تذكر ، وتكون الصولة حينئذ للدليل والبرهان ؛ ولكن حين تُذكر الأسماء ، ويُعَيَّن الأشخاص يتنبه الغافل ، وتصبح الخطوط الباهتة في هذه الخرائط ساطعة براقة ، وتأخذ الجدران القصيرة في الارتفاع ، ويشرع التابع بالبحث عن هويته وانتمائه ؛ ليواجه به ما يسميه هو هجوم الهويات والانتماءات الأخرى عليه أو على متبوعه ، فتراه يتحصن بهذا من تأثير أهل المنهج الحق ، وهذا ما يُفسر بقاء بعض الفرق الباطنية والطرق الغالية المنحرفة في بعض بلدان أهل السنة ، وتحت سلطانهم السياسي ، ومناهجهم الدراسية ، وتوجيه إعلامهم دون تأثير يُذكر ، وكان من الأسباب الرئيسة في هذا حملاتُ التحصين التي تبرعنا بها ؛ لحماية أتباعهم من خلال الهجر والمقاطعة .

وقد حدثني أحد الدعاة المجربين حين كان في أمريكا ، أن شاباً ينتحل أهله عقيدة خلق القرآن والتكفير بالكبيرة ، وكان يختلف على المركز الإسلامي هناك ، وقد تأثر في بلده بالمدرسين القادمين من بعض الدول الإسلامية ؛ فصار يحب أهل السنة ويتقرب منهم ؛ فشك أحد الأفاضل في مذهبه ؛ فدعاه إلى بيته وامتحنه في عقيدته ؛ فَصَدَقه القول بأنه يرى ما يقوله أهله من أن القرآن مخلوق ؛ فما كان منه إلا أن طرده من بيته وجرده من مهامه الصغيرة التي أوكلت إليه في المركز ، فذهب إلى بلده في الصيف ، وسأل علماء بلده عما واجهه به هذا الرجل .. ثم عاد إلى أمريكا ، ولكنه عاد بنفس جديد ، وقد تسلح بالشبه التي يقول صاحبنا : احتجنا نحن معها إلى متخصص في أصول الدين ليرد عليها .

ومن مفاسد التعرية وذكر الأسماء أن ذلك يحول أنظار المدعوين من تأمل الفكرة إلى تأمل حال الشخص ، وهل ما يقوله عنه صحيح أم لا ؟ وهنا تضيع الفكرة نفسها ، ولا يحصل مقصود الشريعة في إظهار الحق وإزهاق الباطل .

هذا في الأحوال العادية ومع مدعو محايد ، أما إذا كان توجيه الدعوة إلى أتباع صاحب الفكرة المنحرفة فسيكون انشغالهم بصاحبهم عن تفهم دعوة الحق مانعاً من سماعها ؛ حيث تتقوى العصبية لمتبوعهم ؛ بل لا يفرق كثير من الأتباع بين أشخاصهم هم وشخص متبوعهم ، وحينئذ تكون فكرة الداعية أكثر ضياعاً وتشتتاً واشتباهاً .

وليس للمسائل المستثناة التي يكون التنفير من المخالف فيها جائزاً ، أو ممنوعاً ضابط محدد ينتظم جميع الأحوال ؛ إلا قواعد المصالح والمفاسد التي يُنظر فيها إلى اعتبارات كثيرة ؛ منها درجة الخلاف قوة وضعفاً والزمان والمكان والأشخاص وحال المُنْكِر نفسه ، وحال المخالف وأتباعه ، وأثر تعريته على الناس سلباً أو إيجاباً ، وقوة أهل الحق وضعفهم .

ومما يضبط هذه المسألة أن يوكل هذا إلى علماء السنة الراسخين ، وأن لا يتصدى لها غيرهم إلا بمشورة أولئك العلماء ؛ لا أن يستبد الواحد من طلاب العلم بذلك ، لما له من أثر خطير في شق الصف، وتمزيق الأمة ، وتضييع المصالح والحقوق .

ويُفيد طالب العلم من العلماء وزن المسألة من الناحية العلمية ، ودرجة سهولة الخلاف أو عظمه ، ووسائل التبيين ، والموازنة بين مصلحة التسمية والتعيين ومفسدتهما ؛ فكم عُيِّن المخالف ؛ فكان ذلك سبباً لمفسدة أعظم بالمزيد من الفرقة ، أو مفسدة أخرى هي إشهار مخالف مغمور .

وقد جاء في "الإبانة الكبرى" لابن بطة عن عبدالله بن مسعود قال: (إن ما يكرهون في الجماعة خير مما يجمعون في الفرقة ) .

والمعنى أن المرء في حال الاجتماع يكره من البعض منكراتهم ومخالفاتهم ، ولكن احتمالهم رغم مخالفتهم رعاية للاجتماع خير مما تحبه من مقاطعتهم لأجل هذه المخالفات .

والمعنى المرفوض هنا هو أن يغير المرء معتقده لأجله ، أو أن يسكت عن الحق مع قدرته على بيانه ؛ دون قدح في شخص أو مؤسسة .

أما الثبات على الأمر والتبيين بالحسنى مع الاحتفاظ بحقوق الآخرين فهو المنهج الذي قادت الأدلة إلى صحته واعتباره .

ومما لا يغيب عن فطنة الحكيم أن المجتهد في تعرية المخالفين ينبغي أن يعامل بهذه القواعد من خشية الله فيه ومعذرته والعدل معه والتلطف في معاملته ؛ بما نصل به إلى تحقيق العبودية لله وحده . لا أن يفيد من هذه القواعد الضلالُ والمنحرفون ، ولا يفيد منها القانت العابد الذي نذر نفسه محتسبا للشريعة ، مدافعاً عن الدين .

ومع إصابة كثير ممن نعرفهم في هذا انتهاج طريقة التعرية ؛ لا سيما مع دعاة التغريب والمنادين بسلخ الأمة عند دينها فإن ما أخطأوا في تطبيقه لا يخلو من فائدة يقع بها زجر العابثين بثوابت الأمة .

والطريق الصحيح لتصحيح هذه الأخطاء في هذا المعترك الحامي ، وفي مفترق هذه الطرق المضلل حماية جانبهم ؛ لكثرة صوابهم ، مع تنبيههم إلى ما أخطأوا أو بالغوا فيه .



17. أن لا يهجره إلا في موضعه :

يقال في الهجر ما قيل في التنفير والتعرية بأنه لا يُشرع إلا لمصلحة ، أو درء مفسدة ، يكونان أعظم من فسدة قطيعة مسلم .

وذلك مبني على أصل عظيم ، وهو بقاء حقوق الإسلام حتى يخرجنا منها يقين مصلحة الهجر ، أو يقين مفسدة التواصل .

أما قول المخالف وفعله سواء كانا مبنيين على اجتهاد سائغ ، أو تقليد جائز ، أو على غير ذلك من المخالفة للقطعيات ؛ فإن بيان دين الله وتعليم العلم والدعوة إليه من أعظم القرب وأحسن الأعمال ؛ فكيف إذا كان هذا البيان دعوةً إلى أصل ، أو توضيحاً لضروري ؛ فإنه من أفضل الأعمال وأوجبها ، وإنما قد يُراعى تأخير بيان بعض الأمور رعاية لمصلحة أعظم ، أو مفسدة أشد ؛ لمعنى في المخالف أو في غيره .

وهذا هو الذي تميز به أهل السنة والجماعة وهو أنهم جمعوا بين طرح منهجهم بجلاء لا يجاملون فيه أحداً من بيان مسائل الدين الكبار ، ومحاربة البدع قولاً وفعلاً ، وبين معاملة أشخاص المخالفين بما تقضيه الشريعة ، ويحقق مقاصدها بقواعد المصالح والمفاسد وأسس العدل والإنصاف ، والرحمة الإحسان ، وعلى ذلك مضى الأئمة ، وكان من أبرز متأخريهم الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ فلا ينقضي عجبك من تبحره وطول نفسه في إيضاح مسائل الدين ونقض شبه المخالفين ، وهو مع ذلك حسن المعاملة للمخالفين تنظيراً وتطبيقاً .

قال رحمه الله في كلامه عن هجر المبتدع (28/210) : ( .. فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد ؛ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأموراً بها ، كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك : إنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية . فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة . وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف ، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي . وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة ، فلو ترك رواية الحديث عنهم لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم . فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب : كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس . ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل ) ..

.. ( وكثير من أجوبة الإمام أحمد ، وغيره من الأئمة ، خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤول حاله ، أو خرج خطاباً لمعين قد علم حاله ، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ، إنما يثبت حكمها في نظيرها ) ..

.. ( فإن أقواماً جعلوا ذلك عاماً ، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به ، فلا يجب ولا يستحب ، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات . وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية ، فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية .. ) . أهـ المقصود من كلامه رحمه الله .

وقال رحمه الله في موضع آخر في نحو ذلك (10/365) : ( .. وإنما قررت هذه القاعدة ليُحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه .. ) .

وقال (28/206) : ( .. وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم ؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله ؛ فإن كانت لمصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً ، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك ؛ بل يزيد الشر ، والهاجر ضعيف ، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته ، لم يشرع الهجر ؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر ) ..

.. ( والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ؛ ولهذا كان النبـي صلى الله عليه وسلّم يتألف قوماً ويهجر آخرين . كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم ؛ لمَّا كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم ؛ فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم ، وهؤلاء كانوا مؤمنين ، والمؤمنون سواهم كثير ؛ فكان في هجرهم عز الدين ، وتطهيرهم من ذنوبهم ، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة ، والمهادنة تارة ، وأخذ الجزية تارة ، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح ) ..

.. ( وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل ؛ ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع ؛ كما كثر القدر في البصرة ، والتجهم بخراسان ، والتشيع بالكوفة ، وبين ما ليس كذلك ، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم ، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه ) .

وقال في رسالته لأهل البحرين حين تنازعوا في رؤية الكفار ربهم (6/503) : ( .. من سكت عن الكلام في هذه المسألة ، ولم يدع إلى شيء فإنه لا يحل هجره ، وإن كان يعتقد أحد الطرفين ؛ فإن البدع التي هي أعظم منها لا يهجر فيها إلا الداعية دون الساكت ؛ فهذا أولى ) ..

.. ( و.. لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعاراً يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم ؛ فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله ) أهـ.

ويظن البعض أن الهجر في غير موضعه ، أو منهج إسقاط المخالف سوف يحسم الخلاف في المسائل، ويلجيء المخالف أو أتباعه إلى الإذعان لقوله ، وفي هذا نظر كبير وإنما يقع هذا في الذهن لا في الواقع .

وهذا وإن كان نافعاً في أحيان قليلة إلا أن الأكثر أنه لا يجدي ، ويكون التأليف في كثير من المسائل خير من الهجر فيها .

والإغلاظ والهجر لا سيما في هذه الأزمنة سبب لزيادة المحذورات :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الاستقامة" (1/305) في إنكار أهل السنة على أهل السماع الصوفي : ( .. وهؤلاء المنكرون فيهم المقتصد في إنكاره ، ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار غير مشروعة ) ..

.. ( كما أحدث أولئك ما ليس مشروعا ، وصار على تمادي الأيام يزداد المحدث من السماع ، ويزداد التغليظ في أهل الإنكار ، حتى آل الأمر من أنواع البدع والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو من أعظم القبائح المنكرات التي لا يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان ) .



18. أن يتعاون معه على وجوه البر إذا غلبت مصلحة ذلك :

حيث تقرر أن العلاقة مع المخالفين ـ بما فيهم المبتدعة ـ مبناها على قواعد المصالح والمفاسد فإن هذا لا يقتصر على العلاقة السلبية وهي الهجر أو عدمه ، وإنما يتجاوزه إلى العلاقة الإيجابية البناءة ، وهي التعاون معه على وجوه البر ؛ بما لا يؤثر على القاعدة الكلية في اعتبار الموازنة بين المصالح والمفاسد ، وهذه ليست خاصة بالمبتدع ، وإنما تنتظم كل مخالف .

وأخطأ قوم فجعلوا مسألة التعاون مع المبتدع ممنوعة في كل حال على كل شخص ، بناء على اعتقادهم أن سبب المنع نص يحرم ذلك ؛ كنص تحريم الكذب والغيبة ، والصحيح ما تقرر في هذه الورقة من أن ذلك مبني على السياسة الشرعية وقاعدة المصالح والمفاسد ؛ فما أنتجه إعمالها وجب العمل به والمصير إليه ، ولا يختص التعامل مع المبتدع بذلك ؛ بل هو شامل لكل ما لم يرد فيه نص بالمنع أو الإباحة ، وحصل فيه التعارض بين المصالح والمفاسد عند العمل به .

وأكثر ما يشتبه هنا ما يراه البعض من أن في التعاون مع المخالف تزكية له ، وإضفاء للشرعية على أعماله ؛ مما ينتج دعما لبدعته وتكثيرا لسواده . وهذا قد يكون حقا في بعض الأحيان ، ولكن لنحذر هنا أعظم الحذر من الأوهام التي تغذيها المعاني الترابية من حزبية أو إقليمية أو تاريخية رسخها ترك النظر والاستدلال ؛ فهو أعظم ما يحجب عن رؤية الحقيقة في هذه المسائل ؛ لاسيما وأنها مسائل تقديرية .

وأعرض هنا لبعض النماذج التي تدل على مشروعية التعاون معه ودعمه في ضوء تلك القاعدة :

فمن ذلك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين إلى القتال مع المؤمنين ، حيث خلدها القرآن على لسان عبدالله بن حرام رضي الله عنه حين قال : "قل تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا " وقد قال المفسرون : إن لم يكن خروجكم جهادا في سبيل الله فمن أجل الدفاع عن المدينة ، والمعتبر هنا هو قاعدة المصالح والمفاسد ، ولو قيل : إن هذا كان لحفظ بيضة المدينة أن تستباح ، قيل : إن هذا من رعاية المصالح ؛ إذ لو كان ذلك مبدأ لا يتغير بتغير الأحوال وجب ترك التعاون معهم ؛ ولو ذهبت به النفوس والأوطان ؛ فإن الله ناصر دينه ومعل كلمته .

ومن ذلك رواية المحدثين عن أهل البدع ، وقد كان الأئمة ؛ كالبخاري ومسلم وغيرهما يروون عنهم دون أن يجعل وصف المبتدع قرينا لاسمه . وكذلك ما قرره العلماء الذين كتبوا في السياسة الشرعية والأحكام السلطانية من جواز شهادة أهل البدع في الحقوق .

ومن ذلك ترجمة علماء أهل السنة لكثير ممن وقع في بدعة تحريف ، مع ثنائهم على أكثرهم ، وفي هذا تقديم لهم إلى الناس .

ومن ذلك شرح كتبهم وفي هذا أعظم التقديم والتزكية ؛ كشرح العلامة ابن القيم لكتاب الإمام أبي عبدالله الهروي ، وثناؤه عليه وتسميته له بشيخ الإسلام ، والتماسه له العذر فيما أخطأ فيه ؛ كما سيأتي في قواعد الأخلاق ، إن شاء الله تعالى .

ومن ذلك تتلمذ علماء السنة على أمثال أولئك العلماء وعدهم في شيوخهم ، وقبول طلاب المدارس والاتجاهات الأخرى في حلقهم ، وعدهم في تلاميذهم .

ومن ذلك تداول كتبهم بيعا وشراء وإهداء ونسخا رغم ما فيها من الأخطاء في أبواب كثيرة ، ومنها أبواب الأسماء والصفات ، وغيرها .

وقد جاهد العلماء جهاد الطلب مع أئمة البدع المغلظة ؛ كالجهمية الذين اتبعوا المناهج العقلية التي حيدت النص أو عطلته بالكلية في أهم وأخطر القضايا : صفات الباري ، وهم الذين قالوا بخلق القرآن ، ومع ذلك دعا لهم الإمام أحمد وجاهد معهم .

كما أنه من المعلوم أن الشعوب التي ستدخل في الإسلام إثر هذا الجهاد ستكون في غالب الظن على طريقة الحاكم في الاعتقاد ؛ وذلك لأنه يشترط في ولاة الأقاليم والعلماء أن يكونوا على طريقته ؛ بل كان يمتحن العلماء الذين لا يعملون في ولايته ليحملهم على معتقده ، ويعزل من هو على خلافه ؛ فما الظن في اشتراط موافقته معتقده عند ابتداء توليته ؟ ومع ذلك تعاونوا معه رغم ما يثمره هذا للمبتدعة من كثرة الأتباع ، وعظم السواد ، وأغلب الجهاد الذي شاركوا فيه كان جهاد طلب ليس فيه نفيرا عاما حتى يقال وجب عليهم الخروج معه .

فما دام أن القضية متعلقة بالسياسة الشرعية ، وقواعد المصالح والمفاسد فلتبن مواقفنا في التعامل مع المخالفين على أساسها ، من غير غلو ولا تفريط ، وأن يكون النظر في اعتبارها خالياً من أي مؤثرات محيطة ، والله عز وجل سائل المتساهل عن حق العلم والبيان ، كما أنه سائل الغالي عما استرعاه الله إياه من حقوق الناس في أعراضهم .

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (28/210) : ( .. فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب : كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس ..) .

وقال : (13/ 96) : ( وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير ، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين ، وهو خير من أن يكونوا كفارا . وكذلك بعض الملوك قد يغزوا غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك ، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين ، وذلك كان شرا بالنسبة للقائم بالواجب ، وأما بالنسة إلى الكفار فهو خير .. ودخوله في حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرا ؛ فانتقل إلى خير مما كان عليه ..) أهـ .

ثم إن الغالب الأعظم فيمن يقع التنفير منه هم من مقلدة أصحاب المناهج المخالفة وليسوا مناظرين ولا دعاة إلى ذلك المذهب ؛ كمقلدة الأشاعرة ، ولا تجد في مناهج مدارسهم في الأكثر مبادئ تناقض منهج أهل السنة والجماعة ؛ بل تجد عندهم من تعظيم علماء السنة ورموزهم والحرص على عدم وجود ما يناقض ما قروره ما يجعل مفاسد الدعم والتعاون مضمحلة أو معدومة .

ولو قال قائل : إن من علم الناس الدين على منهج الكتاب والسنة دون زيادة أو نقص ، وترك ذكر معتقد أهل السنة والجماعة الذي لم ينصوا عليه إلا لإزالة الشبهة والرد على المخالف فإن منهجه منهج صحيح لم يكون قوله بعيدا عن الصواب ، سواء كان يوافقه أو يعتقد خلافه ، وذلك لأن الرد على المخالف ونقض الشبهة إنما تجب إذا وجد سببها ، أما دون ذلك فلا يجب .

وقد نقل الإمام ابن تيمية "مجموع الفتاوى" (7/311) عن أبي عبيد القاسم بن سلام سرده للعلماء الذين تكلموا في نقض الإرجاء من علماء الكوفة ، ثم قال شيخ الإسلام تعقيباً على ذلك : ( .. قلت : ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم ، لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولاً فيهم أكثر ، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان ؛ فاحتاج علماؤها أن يظهروا إنكار ذلك ؛ فكثر منهم من قال ذلك ؛ كما أن التجهم وتعطيل الصفات لما كان ابتداء حدوثه من خراسان ، كثر من علماء خراسان ذلك الوقت من الإنكار على الجهمية ما لم يوجد قط لمن لم تكن هذه البدعة في بلده ولا سمع بها ) .

فلعلك لحظت أن منهج السلف في النقض والرد على المخالف إنما يكون بحسب الحاجة ، ولا يعني ترك ذلك إهمال المنفي في هذا المعتقد .

وقال رحمه في "مجموع الفتاوى" (6/503) في بعض مسائل الإيمان التي اختلف فيها الناس :
( .. ومن سكت عن الكلام في هذه المسألة ، ولم يدع إلى شيء فإنه لا يحل هجره ، وإن كان يعتقد أحد الطرفين ؛ فإن البدع التي هي أعظم منها لا يهجر فيها إلا الداعية دون الساكت ؛ فهذا أولى ) .

وقال في "الفتاوى" (10/364) بعد أن ذكر مخالطة بعض الفرق الصوفية : ( .. قد يقترن بالحسنات سيئات إما مغفورة ، أو غير مغفورة ، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علما وعملا ؛ فإذا لم يحصل النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف ؛ وإلا بقي الإنسان في الظلمة ؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة ؛ إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه ، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية ؛ إذا خرج غيره عن ذلك ؛ لما رآه في طرق الناس من الظلمة ) ..

.. ( وإنما قررت هذه القاعدة ليحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه، ويعرف أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمور به شرعا : تارة يكون لتقصير بترك الحسنات علما وعملا، وتارة بعدوان بفعل السيئات علما وعملا وكل من الأمرين قد يكون عن غلبة، وقد يكون مع قدرة . فالأول: قد يكون لعجز وقصور، وقد يكون مع قدرة وإمكان . والثاني: قد يكون مع حاجة وضرورة، وقد يكون مع غنى وسعة، وكل واحد من العاجز عن كمال الحسنات. والمضطر إلى بعض السيئات معذور .. ) .

إلى أن قال : ( .. فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائما بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان ) .

وإذا لم يحصل تعاون ولا نصرة فلا أقل من أن نستشعر خطر الخلاف ، وآثاره المدمرة ؛ فيكف المرء عن التنفير والحرب والعرقلة التي توجب فساد الأحوال وتعثر الأعمال ، وفساد ذات البين ؛ فالمشروعات إن لم تسر متحدة فلا أقل أن يكون سيرها متوازيا .

قواعد الأخلاق :

نهج الأخلاق تحقيق للعبودية لله وحده ، وهي طريقنا إلى قلوب الآخرين ، ولهذا قال الله تعالى : "وإنك لعلى خلق عظيم" وقال صلى الله عليه وسلم : "بعثت لأتمم صالح الأخلاق" رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة .

فمن هذه القواعد :

19. أن لا يظهر به شماتة ، أو تأل على الله :

حيث يقع في كلام بعض العلماء عن بعض أهل البدع فيما يقع له من المصائب أنه بسبب معاداته أهل السنة ، وهذه طريقة غير حسنة ؛ فإن الله تعالى وإن كان يعاقب بالمصائب فإن هذا إنما يعلم في الجملة لا على التفصيل والتعيين ، وهو سبحانه يدبر خلقه ، ويصرف أقداره كيف يشاء ؛ فمرة تكون المصيبة عقوبة ، ومرة تكون رفعة درجات ، وكفارة لسيئات سابقة .

هذا عدا أن التكلم بها نوع شماتة يتنزه عنها أهل الأخلاق والمروءة .

20. أن يتواضع للحق والخلق وأن يزري على نفسه :

من التواضع لله أن لا يدل المسلم على الناس بإصابته ، وبما يراه من خطأ غيره ، أو بدعته ؛ بل لا يزيده ذلك إلا حبا للحق ورحمة بالخلق ، وأن يبعثه على مزيد الشكر والحمد .

21. أن يصبر على أذاه :

فالمخالف قد يعتدي بقول أو فعل على القائم بالحق ؛ فلا يحمله ذلك على رد عدوانه بمثله أو أقل منه فضلا عن الزيادة في رد العدوان .

قال الإمام ابن تيمية في "الاستقامة" (1/37) في علاقة المسلم بمن خالفه في الفروع أو الأصول :
( .. ولكن المصيب العادل عليه أن يصبر عن الفتنة ، ويصبر على جهل الجهول وظلمة ؛ إن كان غير متأول ، وأما إن كان متأولا فخطؤه مغفور له ، وهو فيما يصيبه من أذى بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده ، وخطؤه مغفور له ، وذلك محنة وابتلاء في حق ذلك المظلوم ) ..

.. ( فإذا صبر على ذلك واتقى الله كانت العاقبة له ، كما قال تعالى : "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا" ؟ وقال تعالى : "لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور" ) ..

.. ( فأمر سبحانه بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى ، وذلك تنبيه على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض متأولين كانوا أو غير متأولين ) ..

.. ( وقد قال سبحانه : "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم ؛ فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان ؟ فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له) .

وقال ابن القيم مادحا ابن تيمية : (كان يدعو لأعدائه ، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت له يوما أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إيذائه فزجرني، وأعرض عني، وقرأ: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وذهب لساعته إلى منزله فعزى أهله، وقال: اعتبروني خليفة له، ونائبا عنه، وسأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه؛ وتحدث معهم بلطف وإكرام، بعث فيهم السرور، فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه).

وقال (27/95) : ( وكان ابن فورك في مخاطبة السلطان قصد إظهار مخالفة الكرامية ، كما قصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم ، وكما كفرهم عند السلطان . ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ، ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد ؛ بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره : فإنه هو ظلم نفسه ) ..

.. ( وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق ، يتبعون الرسول فلا يبتدعون . ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه . وأهل البدع مثل الخوارج يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ويستحلون دمه . وهؤلاء كل منهم يرد بدعة الآخرين ، ولكن هو أيضا مبتدع ؛ فيرد بدعة ببدعة ، وباطلا بباطل ) .

22. أن يعامله برفق ولين :

فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "إن الرفق ما جاء في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه" وقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم في اليهود وفي حال سب وسخرية .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في إنكار أهل السنة على أهل السماع الصوفي : ( .. وهؤلاء المنكرون فيهم المقتصد في إنكاره ، ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار غير مشروعة ) ..

.. ( كما أحدث أولئك ما ليس مشروعا ، وصار على تمادي الأيام يزداد المحدث من السماع ، ويزداد التغليظ في أهل الإنكار ، حتى آل الأمر من أنواع البدع والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو من أعظم القبائح المنكرات التي لا يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان ) .

23. أن ينصره على من بغى عليه :

فلا يعني كونه مخالفاً أو مبتدعاً أن يخذل في الموقع الذي تجب فيه نصرته ، وهو كل أمر عدا عونه المباشر في بدعته .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن رد على الجهمية في الفتنة (5/555) : ( وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب ، وكان له فضل وعلم ودين . ومن قال : إنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ـ كما يذكره طائفة في مثالبه ، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك ـ فهذا كذب عليه . وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم ؛ فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى . وقد ذكر مثل ذلك عنهم الإمام أحمد في الرد على الجهمية ؛ وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من السالمية ، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه لبدعته في القرآن ؛ ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه . ولا يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه ، وهو خير وأقرب إلى السنة منهم ) .

24. أن يثنى على ما أحسن فيه ، ولا يلزم من ذلك ذكر مثالبه :

إن من تمام العدل أن يقل للمحسن في إحسانه أحسنت ، وفي إساءته أسئت ، فإن اجتمع فيه
الأمر : ذُم بقد ما فيه من إساءه ، وأُثني عليه بقدر ما فيه من إحسان .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض" (2/102) بعد ذكره جمعاً من متكلمي الأشاعرة المناظرين على طريقتهم : ( .. ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة ، وحسنات مبرورة ، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف ، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة ، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه ؛ فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين ، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل ، ومنهم من يذمهم ؛ لما وقع في كلامهم من البدع والباطل ، وخيار الأمور أوساطها ، وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء ؛ بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين ، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ، ويتجاوز لهم عن السيئات ، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) .

وقال رحمه الله بعد ذكر الغالين في الصوفية والجافين عنهم (11/17) : ( والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله ؛ كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ؛ ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده ، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين ، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطىء ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب . ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه ، عاص لربه ) .

25. أن لا يسميه إلا بما يرتضيه من الأسماء :

حين ثبت حكم الإسلام لمن تلبس ببدعة ؛ لو كانت مكفرة إذا لم توجد في حقه شروط التكفير ، وأن الأصل بقاء جميع حقوقه التي أقرها الله عز وجل لأهله ، ومن هؤلاء أكثر المخالفين في المسائل الاعتقادية ؛ كتحريف الأسماء والصفات ، وكذلك مسائل البدع العملية ؛ كدعاء ختم القرآن في الصلاة ، والموالد الخالية من الشرك الأكبر ، والأعياد المحدثة ، وأهل الغناء المبتدع .. حين ثبت ذلك لم يجز أن يوصف الواحد المعين من أمثال هؤلاء بأنه مبتدع ، وإن كان الحكم بكون ذلك بدعة ، والتغليظ فيه على وجه العموم أمر مشروع لكل من أكرمه الله بمعرفة الحق في ذلك .

ولكن الواقع يُظهر جورا عن تلك الطريق ، وانحرافا عن هذا المشرع ؛ فصار الحكم على المعين بالبدعة هو الأصل والغالب ، كما أن أصحابه لا يتحرون قواعد الشريعة .

طهارة قلم وعفة لسان :

ألف الإمام ابن تيمية كتابه العظيم "درء تعارض العقل والنقل" وهو مخصص للرد على الأشاعرة ، وعلى رأسهم أبو عبدالله فخر الدين الرزاي رحمه الله ، وقد ذكره في 261 موضعا لم يصفه فيها بلفظ شائن ، ولا عبارة مقذعة ، ولا سماه بالمبتدع .

وذكر ابن تيمية في هذا الكتاب كلمتي المبتدع والمبتدعة في ثلاثة وأربعين موضعاً ، وكلها دون استثناء وصف للاتجهات والأفكار ، وليس الأشخاص أو الجماعات المعينة .

وكذلك رأيته صنع في ذكر المعينين من أهل الطرق الصوفية ؛ فرحمه الله رحمة واسعة .

هذا ما تيسر لي في ضيق من الوقت ؛ فإن كان صوابا فمن توفيق الله تعالى لي وإن كان خطأ فأرجو من الله فيه المغفرة ثم من إخواني التصحيح والمراجعة ، وذلك على الوسائل المذكورة أدناه .

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد .