الرئيسة   مسائل علمية   الاستثمار في الأسهم والسندات

الاستثمار في الأسهم والسندات

jpg.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد ، فإن شريعة الإسلام شريعة عامة وخالدة ، فما ترك الله لنا شيئاً مما نحتاجه في أمور ديننا ودنيانا إلا وبينه لنا بياناً شافياً ، يقول سبحانه : " ما فرطنا في الكتاب من شيء " .
وإن من الواجب على المسلم تعلم ما يحتاج إليه من أمور دينه لا سيما المسائل التي تتكرر عليه في حياته ، وإن من المسائل التي عمت بها البلوى في هذا العصر : الاستثمار في الأسهم والسندات ، فقد كثر السؤال عن ذلك ، فأحببت أن أذكر كلمات جامعة في هذا الموضوع ، مراعياً الإيجاز قدر الإمكان من غير إخلال سائلاً المولى عز وجل التوفيق والسداد .
وقد قسمت الموضوع إلى قسمين : الأول يتعلق بالاستثمار في الأسهم ، والثاني في السندات .
أولاً : الاستثمار في الأسهم ([1]).
وسوف نتحدث عنه في ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : تعريف الأسهم .
المطلب الثاني : حكم المتاجرة بها .
المطلب الثالث : تداول الأسهم في السوق الثانوية .
المطلب الأول : تعريف الأسهم :
يعرف السهم بأنه : (( صك قابل للتداول يصدر عن شركة مساهمة ، ويعطى للمساهم ليمثل حصته في رأس مال الشركة ))
وتعتبر الأسهم أداة التمويل الأساسية لتكوين رأس المال في الشركات المساهمة ، إذ تطرح للاكتتاب العام ضمن مهلة محددة يعلن عنها مع الإصدار.
وتتميز الأسهم بعدد من الخصائص ، من أهمها :
1- أنها متساوية القيمه : فلا يجوز إصدار أسهم عادية عن نفس الشركة بقيم مختلفة ، بينما لا يحكم هذا الشرط إصدار الأوراق المالية الأخرى .
2- القابلية للتداول : وهذه الخاصية توفر للسهم مرونة كبيرة في سوق الأوراق المالية ، تجعل بالإمكان التنازل عنه بالطرق التجارية ، دون حاجـة لاتباع طرق الحوالة المدنية والتي تتطلب ضرورة قبول الشركة المصدرة للحوالة أو إبلاغها بها .
وتضع القوانين التجارية في معظم الدول شروطاً خاصة على عملية التداول بقصد الحد من عمليات المضاربة غير المشروعة بالأسهم ، منها على سبيل المثال : عدم السماح للمؤسسين أن يتصرفوا في أسهمهم إلا بعد مضي سنتين على تأسيس الشركة نهائياً .
3- عدم قابلية السهم للتجزئة في مواجهة الشركة :
فإذا تملك السهم أشخاص متعددون سواء بطريق الشراء أو الإرث ، وجب عليهم أن يختاروا أحدهم فيوكلوه لينوب عنهم في استعمال الحقوق المختصة بالسهم في مواجهة الشركه.
4- المسئولية المحدودة للمساهم : فمسئولية المساهم في الشركة لا تتجاوز قيمة السهم ، فلا يسأل عن ديون الشركة إلا بمقدار أسهمه التي يملكها.
المطلب الثاني : حكم تداول الأسهم :

يختلف حكم الأسهم بحسب نوع نشاط الشركة المصدرة للسهم ، ويمكن تصنيف الأسهم بناء على نوع الشركة المصدرة إلى ثلاثة أنواع :
النوع الأول : أسهم الشركات القائمة على أنشطة محرمة :
والمقصود أن يكون جل نشاط الشركة المساهمة في أمور محرمة .
ويدخل في هذا النوع :
1- الشركات التي تتاجر بالخمور أو المخدرات أو التصاوير أو الملاهي أو القمار .
2- المصارف الربوية بشتى أنواعها ، لأن جل نشاطها في التمويل بفائدة .
3- شركات التأمين التجاري ، لأن الأصل في عقد التأمين أنه محرم .
4- شركات الإعلام الهابط ، أو الإعلام المحارب للعقائد والمبادئ الإسلامية .
5- شركات الأسلحة في البلدان الكافرة .
فهذه الأسهم جميعها لا يجوز إنشاؤها ، ولا المساهمة فيها ، ولا التصرف فيها بالبيع والشراء ، لأن من شرط صحة البيع أن يكون المبيع مباحاً ، وهذه الأسهم محرمة ، ولا أعلم خلافاً بين العلماء المعاصرين في تحريم هذا النوع من الأسهم .
النوع الثاني : أسهم الشركات القائمة على أنشطة مباحة :
وهي الشركات التي تقع كل عملياتها في دائرة الحلال ، حيث يكون رأس المال حلالاً ، وتتعامل في الأنشطة المباحة ، وينص نظامها وعقدها التأسيسي على أنها تتعامل في حدود الحلال ، ولا تتعامل بالربا إقراضـاً أو اقتراضاً ، ولا تتضمن امتيازاً خاصاً أو ضماناً ماليـاً لبعض دون بعض .
فهذا النوع من أسهم الشركات – مهما كانت تجارية أو صناعية أو زراعية – لا خلاف في جواز إنشائها والاكتتاب بها وبيعها وشرائها .
والأصل في التصرفات الإباحة ، ولا تتضمن هذه الأسهم أي محرم ، وكل ما فيها أنها نظمت أموال الشركة حسبما تقتضيه قواعد الاقتصاد الحديث دون التصادم مع أي من المبادئ الإسلامية ([2]).
ويمكن أن نمثل لهذا النوع بالمصارف الإسلامية التي ثبت جديتها في أسلمة أعمالها المصرفية كلها ، مثل : الشركة الإسلامية للاستثمار الخليجي ، بنك فيصل الإسلامي السوداني ، البنك الإسلامي لغرب السودان
النوع الثالث : أسهم الشركات ذات الأنشطة المختلطة :
ويقصد بها تلك الشركات التي لا يغلب على استثماراتها أنها في أمور محرمة ، وإنما تنتج سلعاً وخدمات مشروعة ، مثل شركات الأدوية والإسمنت والكهرباء والشركات الصناعية .. الخ ، ولكن وجودها في بيئة رأسمالية قد يؤدي إلى أن تمول عملياتها عن طريق الاقتراض الربوي أو توظف سيولتها الفائضة توظيفاً ربوياً قصير الأجل .
فهذه المسألة واحدة من معضلات العصر ، نظراً لانتشار الشركات المساهمة في كل صقع ، وقلما تخلو واحدة منها من الاعتماد في جزء من تمويل مشاريعها على القروض الربوية أو إيداع فائض السيولة لديها في الحسابات الآجلة .
وقد ثار جدل كبير حول حكم المساهمة في هذه الشركات ، وانقسم الباحثون حيالها إلى فريقين : مبيح ، ومانع .
وسوف نعرض فيما يلي أقوال الفريقين ، وأدلتهما ، بإيجاز يتناسب مع هذا المقام ، سائلين الله عز وجل أن يلهمنا الصواب ، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه :
فقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم المساهمة في الشركات المشروعة من حيث الأصل لكنها تتعامل في بعض معاملاتها بالأنشطة المحرمة أو تقترض أو تودع بالفوائد على قولين :
القول الأول : يرى جمع من العلماء المعاصرين ، وعدد من الهيئات الشرعية ، جواز المساهمة في هذه الشركات . ويرى هؤلاء أن الربح الناتج عن الفوائد الربوية قليل ، فيكون مغموراً وتابعاً للأرباح الحلال
، ويضع هؤلاء خمسة ضوابط للمتاجرة بتلك الأسهم :
1- أنه يجب على المساهم في هذه الحال أن يتحرى مقدار ما دخل على عائدات أسهمه من الإيرادات المحرمة ، وذلك من واقع القوائم المالية للشركة ، فيتخلص منها بتوزيعها على أوجه البر ، دون أن ينتفع بها أي منفعة ، ولا أن يحتسبها من زكاته ، ولا يعتبرها صدقة من حُرّ ماله ، ولا أن يدفع بها ضريبة حكومية .
2- ألا يكون النشاط الأساسي للشركة محرماً ، كما سبق في النوع الأول من الشركات .
3- ألا تتجاوز السيولة النقدية في الشركة 50% من أصولها ( أي ممتلكاتها ) ، لأنها إن زادت عن تلك النسبة أصبح للسهم حكم النقد وبالتالي لا يجوز بيعه إلا بقيمته الحقيقية لا بالقيمة السوقية .
4- ألا تتجاوز نسبة الدخل المحرم في الشركة 5 % من إجمالي أرباح الشركة ، فإن تجاوزتها فتحرم المساهمة أياً كان نوع الشركة .
5- ألا تتجاوز نسبة الديون التي على الشركة ثلث أصولها ( أي ممتلكاتها ) ، فإن تجاوزت الديون تلك النسبة فتكون المساهمة محرمة أياً كان نوع الشركة .
وممن ذهب إلى هذا القول : مجمع الفقه الإسلامي ، الهيئة الشرعية لشركة الراجحي ، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني ، والمستشار الشرعي لبنك البركه، وندوة البركة السادسة ، وعدد من العلماء المعاصرين ، منهم فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ، والشيخ عبدالله بن منيع وغيرهم ، على اختلاف طفيف بين هؤلاء في تحديد النسب المذكورة في الضوابط ( 3-5 ) وهم متفقون على الضابطين الأول والثاني .
وقد قامت بعض الشركات بتحديث برامج حاسوبية تنتقي من الأدوات المالية ما يتفق مع تلك الضوابط المتقدمة مثل برامج الاستثمار لدى مؤسسة " Azzad " للاستثمار في أمريكا ، و “ داو جونز " الإسلامي .
استدل أصحاب هذا القول بعددٍ من القواعد والمؤيدات الشرعية من أبرزها ما يلي :
الدليل الأول :الاستدلال بقاعدة : (( يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً )) .
وهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعاً ، وليست أصلاً مقصوداً بالتملك والتصرف ، فيمكن اعتبار بيع سهم – من هذا النوع – من جزئيات هذه القاعدة ([3]).
ونوقش هذا الاستدلال : بأن القواعد الفقهية ليست من الأدلة الشرعية – المتفق عليها أو المختلف فيها – التي نص عليها علماء الفقه والأصول ، فلا يصح الاحتجاج بها والسبب في ذلك : (( أن القواعد الفقهية هي أحكام أغلبيـة غير مطردة فهي إنما تصور الفكرة الفقهية المبدئية التي تعبر عن المنهاج القياسي العام في حلول القضايا ، وترتيب أحكامها ، والقياس كثيراً ما ينخرم ويعدل عنه في بعض المسائل إلى حلول استثنائية لمقتضيات خاصة بتلك المسائل تجعل الحكم الاستثنائي فيها أحسن وأقرب إلى مقاصد الشريعة في تحقيق العدالة ، وجلب المصالح ودرء المفاسد ودفع الحرج .. ولذلك كانت القواعد الفقهية قلما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجة عنها )) ([4]).
الدليل الثاني : الاستدلال بقاعدة : (( الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة )) .
ووجه الاستدلال بهذه القاعدة : (( أن حاجة الناس تقتضي الإسهام في هذه الشركات الاستثمارية ، لاستثمار مدخراتهم ، فيما لا يستطيعون الاستقلال بالاستثمار فيه ، كما أن حاجة الدولة تقتضي توجيه الثروة الشعبية إلى استخدامها فيما يعود على البلاد والعباد بالرفاهية والرخاء )) ([5]).
ونوقش هذا الاستدلال : بعدم التسليم بوجود حاجة عامة للاستثمار إذ المساهمة في هذه الشركات لم تتعين طريقاً للكسب ، إذ يوجد طرق أخرى من الكسب الحلال أفضل منها وتغني عنها ، فثبت أن الحاجة غير متحققه ، وترك المساهمة في هذه الشركات المشبوهة فيه مشقة ، لكنها مشقة غير معتبرة شرعاً ، إذ لا يخلو حكم شرعي من قدر من المشقة (( والشازع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى يكون عبداً لله ، فإن مخالفة الهوى ليست من المشقات المعتبرة في التكليف )) ([6]).
الدليل الثالث : الاستدلال بالمصلحة .
ووجه ذلك : أن في تملك الأسهم من قبل أهل الخير والصلاح المنكرين لهذه المعاملات فيـه مصلحة شرعية بالقضاء على تلك المعاملات عن طريق الدخول في المجالس الإدارية ([7]).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين :
الوجه الأول : أن المصلحة إذا كانت مصادمة للنص فهي ملغاة ، فلا عبرة بها .
الوجه الثاني : أن هذه المصلحة غير محققة ، والمفسدة المترتبة على المساهمة محققة ، والمفسدة المحققة مقدمة في الاعتبار على المصلحة المظنونة ، كما هو معلوم من قواعد الشرع .
القول الثاني : يرى جمع من العلماء المعاصرين ، وعدد من الهيئات الشرعية تحريم المساهمة في الشركات التي يكون أصل نشاطها مباحاً ، إذا كانت تتعامل ببعض المعاملات المحرمة كالإقراض والاقتراض بفائدة .
فيحرم الاكتتاب بها ، وبيعها وشراؤها وامتلاكها . وممن ذهب إلى هذا القول : اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكه العربية السعودية ، والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي، والهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي، وهيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني ، وعدد من العلماء المعاصرين ([8]).

استدل أصحاب هذا القول ما يلي :
الدليل الأول :
قول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين " ( البقرة : 275 ) وقولـه عليه الصـلاة والسـلام : (( ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع )) ([9]).
ووجه الدلالة من هذه النصوص أنها عامة فتشمل كثير الربا وقليله .

الدليل الثاني :
قول الله تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " ( المائدة : 2 ) .
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه )) ([10]).
ووجه الدلالة من هذين النصين : أن الذي يساهم في الشركات التي تتعامل بالمحرمات معين لهما على الإثم ، فيشمله النهي .
ولهذا اشترط الفقهاء لصحة العقد أن يكون السبب الباعث مشروعاً ، فبيع العنب مثلاً ، حلال ، لكن إذا كان بيعه ممن يتخذه خمراً ، فهو محرم ، ومثله بيع السلاح لأهل الحرب ، أولقطاع الطريق .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه : (( لا يجوز بيع العنب لمن يعصره خمراً ، بـل لقـد لعـن رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعصر العنب لمن يتخذه خمراً فكيف بالبائع له الذي هو أعظم معونة )) ([11]).
الدليل الثالث : قوله عليه الصلاة والسلام : (( درهم ربا يأكله الرجل ، وهو يعلم ، أشـد من سـت وثلاثين زنية )) ([12]).
ووجه الدلالة منه : أن النبي صلى الله عليه وسلم عد أكل درهم واحد من الموبقات ، ورتب عليه هذا الوعيد الشديد ، فكيف بمن يضع المئين والآلاف من أمواله في المصارف الربوية ؟ وإخراج قدر الحرام تخمين فمن غير المستبعد أن يدخل ماله شيء من الحرام ([13]).
والوعيد الوارد في الحديث غير مستبعد فإن الإيذان بحرب من الله ورسوله أشد عقوبة ونكالاً منه ، ولهذا قال ابن القيم : (( وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله ، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ، ولهذا كان من أكبر الكبائر )) ([14]).
الدليل الرابع : أن يد الشركة على المال هي نفس يد المساهم ، فأي عمل تقوم به فهو عمله لا فرق بينهما ، فكما يحرم على الإنسان أن يستثمر جزءً من ماله – ولو يسيراً – في معاملات
محرمة ، فكذا يحرم عليه المشاركة في شركات تتعامل بالحرام ، لأن المال المستثمر هو ماله بعينه ([15]).
ويتأيد هذا الدليل بأمرين :
الأول : أن الشركة فيها معنى الوكالة ، والشريك وكيل عن صاحبه في التصرف ، فتصرف الوكيل يقع للموكل نفسه .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : (( وما باعوه – أي أهل الذمة – من الخمر والخنـزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه ، وثمنه حلال ، لاعتقادهم حله ، وما باعوه واشتروه بمال الشركة ، فالعقد فيه فاسد ، فإن الشريك وكيل ، والعقد يقع للموكل ، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير )) ([16]).
الأمر الثاني : أن أهل العلم رحمهم الله كرهوا مشاركة اليهودي والنصراني ، ومن لا يحترز من الشبهة ، وبعضهم حرم ذلك إذا كان على وجه يخلو بالمال ، وذلك خشية أن يدخل عليه الحرام .
فهذا إذا لم يكن يعلم عنه أنه يستثمر المال في الحرام ، فما بالك إذا كان يعلم أنه يتعاطى الحرام ؟ فالتحريم حينئذٍ متعين ،ولا أعلم أحداً من أهل العلم أقره على الاشتراك معه إذا اكتشف أنه يتعامل بالحرام .
قال في المغني : (( قال أحمد : يشارك اليهودي والنصراني ، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه ، ويكون هو الذي يليه لأنه يعمل بالربا .. فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فإنه يقع فاسداً وعليه الضمان ، لأن عقد الوكيل يقع للموكل ، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا ، وما خفي أمره فلم يعلم فالأصل إباحته وحله )) ([17]).



المطلب الثالث : تداول الأسهم في السوق الثانوية
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : مفهوم السوق الثانوية :
يقصد بالسوق الثانوية أو سوق التداول : السوق التي تتداول فيها الأوراق المالية بعد إصدارها ، أي بعد توزيعها بواسطة بنوك الاستثمار .
أي أن السوق الثانوية يتم فيها تداول الأوراق المالية بين المستثمرين أنفسهم ، وليس بين المستثمرين والشركات والهيئات المصدرة لهذه الأوراق .
وتنقسم هذه الأسواق إلى قسمين :
أ- السوق المنظمة ( الرسميه ) :
ويطلق عليها أيضاً بورصة الأوراق المالية ، وهي تمثل الهيئة الرسمية التي تتولى التعامل بالأوراق المالية ، ويكون لها مكان محدد يتم فيه تداول هذه الأوراق .
والمتعاملون في هذه السوق هم أعضاء محددون ولا يسمح لسواهم بذلك ، ويكتسب الواحد منهم تلك العضوية عن طريق استئجار مقعد في السوق يخوله المزايدة ، وهؤلاء إما سماسرة يقومون بالبيع والشراء لحساب عملائهم مقابل عمولة ، أو تجار يتولون البيع والشراء لأنفسهم .
ومن أمثلة هذه الأسواق : بورصة لندن ، وبورصة طوكيو ، وبورصة نيويورك للأسهم ، وتعد هذه الأخيرة أكبر بورصة للأوراق المالية في العالم .
ب- السوق غير المنظمة :
وهذه السوق ليس لها مكان معين يتم فيه تبادل الأوراق المالية ، ولكنها تتكون من عدد من المتعاملين في هذه الأوراق منتشرين في أماكن متفرقة في العالم ، وتربطهم شبكه اتصالات قوية عن طريق خطوط الهاتف أو أطراف للحاسب الآلي أو غيرها من وسائل الاتصال السريعة ، والتي توفر لحظة بلحظة أسعار كل ورقة متعامل بها .
ويطلق على هذه السوق : السوق الموازية .
والأوراق المالية موضع التعامل في هذه السوق تخص الشركات التي لا تستطيع الوفاء بمتطلبات وشروط القيد في السوق الرسمية ، وكذلك الشركات التي لا تريد الإفصاح عن المعلومات المالية الخاصة بها بالشكل الذي يتطلبه القيد في السوق الرسمية .
المسألة الثانية : طرق تداول الأسهم في الأسواق المالية الثانوية والحكم الشرعي لها :
بتم بيع الأسهم في الأسواق الثانوية بطرق متعددة .
وهذه البياعات على ضربين :
(1)- بيوع عاجلة : وهي ما يعرف بالإنجليزية Spot markets
وهي على ثلاثة أنواع :
أ- بيوع عاجلة عادية .
ب- عمليات الشراء بالهامش .
جـ- البيوع القصيره .
(2)- بيوع آجلة :
وهي على نوعين :
أ- البيوع الباته القطعية ( العقود المستقبلية ) .
ب- بيوع الخيارات .
وفيما يلي بيان كل واحد من هذه البيوع وحكم كل منها :
القسم الأول : البيوع العاجلة :
النوع الأول : البيوع العاجلة العادية :
البيوع العاجلة العادية هي البيوع التي يلتزم فيها كل من البائع والمشتري بإتمام الصفقة نقداً ، وذلك بأن يستلم المشتري الأوراق المالية ، ويسلم ثمنها حالاً ، أو خلال مدة وجيزة جداً ، تقدر في بعض الأسواق الغربية بيومين ، وفي بورصة نيويورك يلزم أن تصفى العملية في موعد أقصاه ساعة قبل افتتاح الجلسة التالية .
ولا تشكل هذه البياعات نسبة كبيرة في الأسواق المالية لا سيما في الدول التي يسمح فيها بالاقتراض من البنوك والسماسرة للمضاربة في أسواق المال .
والبيع بهذه الطريقة جائز لا غبار عليه ، بل إنه الأصل في البيوع في الشريعة الإسلامية ،فإذا كان السهم المراد بيعه مستوفياً لشروطه وضوابطه المعتبرة شرعاً فالبيع صحيح.
النوع الثاني : عمليات الشراء بالهامش ( المارجن ) :
يقصد بالشراء بالهامش : شراء الورقة المالية بسداد جزء من قيمتها نقداً بينما يسدد
الباقي بقرض ، بضمان الأوراق محل الصفقة .
لذا يسمى : الشراء بالهامش ، إذ تمثل قيمة المدفوعات النقدية هامشاً مبدئياً لصفقة
الشراء ، وفي العادة لا تزيد نسبة الهامش عن 60 % من قيمة الصفقة.
وفي هذا النوع من العقود يفتح العميل حساباً بالهامش لدى السمسار ، الذي يقوم بدوره بالاقتراض من البنوك التجارية لتغطية الفرق بين قيمة الصفقة وبين القيمة المدفوعة كهامش ، على أن توضع الأوراق محل الصفقة كرهن لسداد قيمة القرض .
ويخضع مقدار ما يشكله الهامش لمجمل القيمة لقوانين صارمة ، ويتغير بشكل مستمر
تبعاً للظروف الاقتصادية ، ويستخدم كأداة لضبط حركة السوق ، فعندما ترتفع
مستويات الأسعار وتزداد المضاربات يمكن للسلطات المالية أن ترفع نسبة الهامش ، مما
يؤدي إلى انخفاض الطلب على القروض المستخدمة في تمويل الشراء النقدي الجزئي لتضعف بذلك سيولة السوق بما يضع حداً للمضاربات المحمومة ، وعلى نفس النهج يمكن إنقاص نسبة الهامش عندما يعاني السوق من حالة ركود .
ويبقى السهم عندما يشترى بالهامش في حيازة السمسار ، كما يكون مسجلاً باسمه وليس باسم العميل ، ولكن يحق للمشتري أن يمارس حق التصويت في الجمعية العمومية للشركة وأن يحصل على ما يتحقق من أرباح .
وكما يبدو فإن القيمة النقدية التي يدفعها المشتري هي في حقيقتها هامش أمان
للسمسار ، فلو أن قيمة الصفقة ( 1000 ) دولار ، بينما دفع العميل منها ( 600 ) دولار نقداً ، أي 60 % من قيمة الصفقة ، فلو انخفضت القيمة السوقية للأوراق المالية محل
الصفقة بتلك النسبة ، يظل السمسار قادراً على استرداد قيمة القرض ( 400 ) دولار ،
من حصيلة بيع الأسهم التي تحت يده والمسجلة باسمه .
ويدفع السمسار للبنك المقرض معدل فائدة يساوي تقريباً معدل الفائدة فيما بين
البنوك ، أما سعر الفائدة الذي يدفعه العميل للسمسار فيزيد عن سعر الفائدة الأول بما يتراوح بين 5, % إلى 2 % ، وتمثل هذه الزيادة عائداً إضافياً للسمسار .
وتفرض بعض القوانين هامش وقاية مستمر مصاحب للهامش المبدئي الذي تشترى به الصفقة ، والهدف منه حماية جانب السمسار ضد مخاطر الانخفاض في القيمة السوقية للورقة المالية .
فإذا ما انخفضت نسبة الهامش المبدئي عن هامش الوقاية يطلب السمسار من العميل
دفع مبلغ إضافي ، والعكس يحصل فيما لو ارتفعت القيمة السوقية للأوراق المالية محل
الصفقة ، فإنه يحق للعميل حينئذٍ إما سحب جزء من القيمة التي سبق أن دفعها من أمواله الخاصة ، أو زيادة مشترياته من الأوراق محل الصفقة.
أما الحكم الشرعي لهذ المعاملة فمن الواضح أن المعاملة بالصفة المذكورة آنفاً محرمة ، لأن فيها قرضاً بفائدة ، فالمستثمـر يشتري السهم ويدفع للسمسار فائدة مقابل مبلغ القرض الذي حصل عليه ، والسمسار يدفع فائدة للبنك مقابل مبلغ القرض لصالح العميل .
فالعقد مركب من عقود ربوية ، ولا خلاف في تحريمه .
النوع الثالث : البيع على المكشوف ( البيع القصير ) :
وهو عكس النوع السابق ، ففي هذا النوع يقوم المستثمر ببيع الورقة المالية أولاً قبل
أن يمتلكها ، ثم يشتريها فيما بعد عندما تنخفض قيمتها السوقية عن القيمة التي سبق أن بيعت بها .
ويسمى هذا البيع بالبيع القصير تمييزاً له عن البيع الطويل ، ولا علاقة لهذا التعبير بالمدة الزمنية ، ولكن علاقته مرتبطة بالهدف من الاستثمار ، فالوضع الطويل يتعلق بشراء
الأسهم والاحتفاظ بها للحصول على الربح أو بيعها للحصول على الزيادة الرأسمالية في أسعارها ، أما الوضع القصير فيتعلق بالمقامرة على انخفاض أسعارها سواء أكان المستثمر مالكاً أو غير مالك لها في وقت إنشاء عقد البيع .
ولتوضيح هذا النوع نفرض أن شخصاً ما يتوقع انخفاض القيمة السوقية لأسهم
إحدى المنشآت ، ومن ثم فقد أعطى أمراً للسمسار بأن يبيع على المكشوف ( 100 )
سهم منها بالسعر الجاري الذي يبلغ 30 دولاراً للسهم الواحد ، وعادة ما يقوم السمسار ببيع تلك الأسهم لصالح العميل من مخزون لديه من الأسهم ، أو باقتراضها من طرف
ثالث ، وقيمة هذه البيعة يتم تحويلها تلقائياً للطرف المقرض كرهن للأسهم التي
أقرضها ، وهنا يكمن السبب الذي من أجله يقبل السمسار أو الطرف الثالث إقراض
الأسهم ، فقيمة الرهن تعد أموالاً مجانية لا يدفع عنها فوائد ، ويمكن استثمارها وتحقيق
عائد من ورائها ، إضافة إلى أنه سيحصل على قيمة التوزيعات النقدية للأسهم
محل الصفقة من البائع ، فيما لو استحقت تلك التوزيعات قبل إقفال حساب
العميل .
فلو أن الأسهم محل الصفقة انخفضت قيمتها لتصبح ( 20 ) دولاراً للسهم ، فحينئذٍ
يمكن للعميل إقفال مركزه لدى السمسار بإعطائه أمراً بشراء الأسهم من السوق بالسعر السائد ( 100 × 20 = 2000 دولار ) وتسليمها – أي الأسهم المشتراة – للمقرض سواء كان السمسار نفسه أو شخصاً آخر ، على أن يسترد البائع قيمة الرهن المتمثلة في القيمة التي سبق أن باع بها الأسهم ( 3000 ) دولار محققاً عائداً قدره ( 1000 ) دولار ، لكن لو ارتفعت القيمة السوقية للأسهم لتصل إلى ( 40 ) دولاراً فإن هذا يعني أن البائع سيتكبد خسارة مقدارها ( 1000 ) دولار .
أما الحكم الشرعي لهذه المعاملة فمن الواضح أن البيع بهذه الكيفية محرم لأمرين :
الأول : أنه مشتمل على قرض بفائدة ، لأن المقرض يقرض البائع تلك الأسهم ، ويستحق التوزيعات النقدية للأسهم محل الصفقة فيما لو استحقت تلك التوزيعات قبل
سداد قيمة القرض .
والثاني : أن المقرض يشترط على البائع الاحتفاظ بقيمة الأسهم المبيعـة للانتفـاع بهـا واستثمارها حتى سـداد القرض ، فصـورة ذلك : أسلفني أسلفك ، فالمقرض سواء كان السمسار أو غيره يسلف البائع هذه الأسهم على أن يسلفه البائع قيمتها ، وهذا محرم. قال في المغني : (( وإن شرط في القرض أن يؤجره داره ، أو يبيعه شيئاً أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى لم يجز ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلف ولأنه شرط عقداً في عقدٍ فلم يجز ))
القسم الثاني : البيوع الآجلة .
النوع الأول : البيوع الباتة القطعية ( العقود المستقبلية ) :
يقصد بالعمليات الآجلة الباتة تلك الصفقات التي تجري بين المتعاقدين ، ويحدد لتنفيذها موعد ثابت لاحق يسمى موعد التصفية ، يتم فيه دفع الثمن وتسليم الأوراق المالية محل الصفقة .
وتسمى : الباتة ، تمييزاً لها عن عقود الاختيارات الآتية ، وذلك لأن العاقدين ليس لهم حق الرجوع أو الخيار في تنفيذ العملية ، ولكن لهم الحق في تأجيل موعد التصفية النهائية إلى موعد آخر .
وتسمى : العقود المستقبلية تمييزاً لها عن العقود الحاضرة التي سبق الحديث عنها .
وقد بدأت العقود المستقبلية في السلع الزراعية ثم تطور الأمر فلم يعـد التعـامل فيـها مقتصراً على السلع الزراعية ، بل امتد للأصول المالية ، فهناك عقود مستقبلية على مؤشرات السوق فضلاً عن الأسهم والسندات والعملات .
وسبب لجوء الطرفين لتلك السوق هو الرغبة في تخفيض مخاطر التقلبات السعرية المستقبلة للأصل محل التعاقد ، فالمزارع الذي سيجني محصوله مثلاً في الشهر التاسع يمكنه بيع محصوله في الشهر الخامس بمقتضى عقد مستقبلي بسعر محدد من الآن بصرف النظر عن السعر السائد في السوق الحاضر في الشهر التاسع ، والذي قد يكون منخفضاً بسبب وفرة المحصول ، كما أن المشتري يمكنه من الشهر الخامس عقد الصفقة وتحديد سعرها من الآن متجنباً مخاطر تقلبات الأسواق .
وتنفيذ هذا النوع من العقود يؤدي إلى خسارة أحد الطرفين وربح الآخر ، إلا إذا كان السعر المستقبلي معادلاً للسعر الحاضر عند التنفيذ ، وهذا نادر .
ويحتاج الطرفان عند إبرام هذا العقد إلى تقديم هامش مبدئي يسلم إلى سلطة السوق ، ولا يتجاوز في العادة 15 % من قيمة الصفقة ، والهدف منه ضمان التزام كل منهما
بالعقد ([18]).
وما يميز العقود المستقبلية هو أن السلع التي تباع فيها قابلة للتنميط ، أي أنها قابلة
للتداول ، والواقع أن العقد لا يتم بين البائع والمشتري مباشرة ، فلكل سوق من أسواق العقود المستقبلية بيت لتسوية الصفقات يتألف من أعضاء السوق ، ويتم العقد حقيقة بين البائع وبيت التسوية ، ثم بين المشتري والبيت ، فلا توجد علاقة مباشرة بين البائع والمشتري ، بل العقد يتكون من طرفين بينهما بيت التسوية ، يتعهد الأول مثلاً في يناير 1999م بشراء ( 1000 ) سهم لإحدى الشركات بسعر ( 100 ) دولار ، للسهم ، تسليم 30 يونيو 1999م ، ويتعهد الآخر بتسليمه هذه الأوراق في التاريخ المحدد وبالسعـر المتفق عليه .
والذي يجري بين شهري يناير ويونيو هو انتقال هذا العقد بين المضاربين عن طريق بيت التسوية تلك عشرات المرات يومياً ، فالمعاملات كلها تصفى في آخر النهار ، ثم تبدأ في
الغد بيعاً وشراءً ، فمن يمتلك حق الحصول على تلك الأسهم بسعر ( 100 ) دولار سيربح تلقائياً عندما يرتفع السعر لأكثر من هذا المبلغ ، والمتعهد بتسليم تلك الأسهم بالسعر نفسه سيخسر عندما يرتفع السعر المذكور .. وهكذا ، أما التسليم والقبض الفعلي للأصل محل العقد فهذا أمر لا يهتم به المتعاملون إلا في تاريخ القبض أي في 30 يونيو ، حيث يتحول العقد في النهاية إلى المشتري الحقيقي بعد أن يكون قد مر على مئات المضاربين خلال الفترة التي تفصل بين العقد الأول والقبض الفعلي .
أما الحكم الشرعي لها : فإن البيع في العقود المستقبلية الباتة يتضمن عدداً من المحاذير الشرعية التي تجعله من العقود المحرمة شرعاً ، فمن تلك المحاذير :
1- تأخير تسليم العوضين – الثمن والمثمن – إلى أجل محدد ، فهو من بيع الكالئ بالكالئ المجمع على تحريمه .
قال ابن القيم (( ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض ، كما
لو أسلم شيئاً في شيء في الذمة ، وكلاهما مؤخر ، فهذا لا يجوز بالاتفاق ، وهو بيع كالئ بكالئ ))([19]).
وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم
2- أن السلعة محل العقد تباع قبل قبضها . وهذا محرم إذا بيع بأكثر من قيمته لأنه يتضمن ربح ما لم يضمن ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن أي يقبض ، ومن المعلوم أن المضارب إنما يبيع الأصل المنمط في العقود المستقبلية إذا ضمن تحقق ربح له من ذلك البيع .
3- ولأن ما يجري في العقود المستقبلية هو مجرد عقد صفقات وهمية على كميات خالية من السلع المؤجلة بأسعار وأثمان مؤجلة ، لا يقصد بها إنتاج ولا تسليم بل مجرد مضاربة بالأسعار ثم المحاسبة في الموعد المحدد على فرق السعر الذي يربحه أحد الطرفين في حالة ارتفاع السعر أو هبوطه ، وهي عمليه - كما يرى - أشبه بالمقامرة منها بالنشاط الاقتصادي والإسلام إنما يهدف إلى تحقيق المصالح الصحيحة فيفتح لها الأبواب التي تنتج نفعاً للمجتمع ويغلق أبواب المضاربة بالحظوظ التي تغري بالكسل وتقعد الفرد عن العمل.
النوع الثاني : عقود الخيارات :
أولاً : مفهوم الخيار في الأوساط الماليه :
الخيار في سوق الأوراق المالية يعني : حق شراء أو بيع عدد محدد من الأوراق المالية بسعر
محدد خلال مدة محدة ، أو في تاريخ محدد .
ولا يترتب على مشتري الخيار التزام بيع أو شراء ، وإنما هو مجرد حق يمتلكه يستطيع أن يمارسه أو يتركه ، ويصبح المضارب مالكاً للخيار بمجرد دفع قيمته .
وتتنوع الخيارات باعتبارات متعددة :
فمن حيث نوع الحق الذي يمنحه الخيار تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
1- خيار الشراء .
2- خيار البيع .
3- الخيار المركب .
وفيما يلي تعريف موجز بكل واحدٍ من هذه الخيارات ، ليعقب ذلك الحكم الشرعي لكل منها إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره :
1- خيار الشراء :
خيار الشراء : عقد على دفع مبلغ معين مقابل الحصول على حق شراء ورقة مالية معينة خلال فترة محددة وبالسعر المسمى في العقد ، ويسمى هذا السعر سعر التنفيذ .
مثال ذلك :
لنفرض أن أسهم إحدى الشركات تباع في السوق الحاضرة بـ 48 دولاراً ، وأن مستثمراً يتوقع أن ترتفع أسعارها في المستقبل ، فقرر شراء خيار شراء مائة سهم بسعر تنفيذ يساوي 48 دولاراً مثلاً ، في مقابل دولارين عن كل سهم يدفعها لمحرر الاختيار ( البائع ) ، ولمدة تسعين يوماً من تاريخ شراء الخيار .
فإذا صدقت توقعاته وارتفعت أسهم الشركة مثلاً إلى ( 54 ) دولاراً خلال فترة الخيار ، أي خلال التسعين يوماً ، فمن المتوقع أن المستثمر سيمارس هذا الحق ويمتلك المائة سهم بسعر ( 48 ) دولاراً ، ليقوم ببيعها في السوق بسعرها الجاري ( 54 ) دولاراً ، وهذا يعني أن المشتري قد حقق عائداً عن كل سهم يساوي ( 6 ) دولارات .
ولما كان قد سبق له أن دفع لمحرر الاختيار ( البائع ) مبلغاً غير قابل للرد قدره دولاران
عن كل سهم ، فإن صافي ربح المشتري عن السهم الواحد سوف يبلغ ( 4 ) دولارات ، وهو ما يمثل في الوقت نفسه خسارة صافية لمحرر الاختيار .
وقد يفضل مشتري الخيار في حال ارتفاع القيمة السوقية للأسهم خلال فترة الخيار الانتظار حتى آخر يوم في صلاحية الخيار ، طمعاً في أن ترتفع القيمة السوقية للسهم عما
هي عليه الآن .
وغني عن القول أنه إذا لم تصدق توقعاته ، وظلت القيمة السوقية للسهم أقل من سعـر
التنفيذ حتى انقضاء فترة الخيار ، فإن مشتري الخيار لن يمارس حقه في الشراء ، فبدلاً من
أن يشتري بسعر أعلى ويبيع بسعر أقل ، فسوف يحصر خسارته في المبلغ الذي اشترى به الخيار ( دولارين عن كل سهم ) ، والذي يعتبر في ذات الوقت ربحاً صافياً لمحرر الخيار .
ومن الجدير بالذكر أن بائع الخيار ليس بالضرورة أن يكون مالكاً للأسهم – محل
الخيار – عند بيعه للخيار ، فإذا كان مالكاً لها سمي خياراً مغطى ، وإذا لم يكن مالكاً سمي خياراً مكشوفاً .
وليس لمشتري الخيار حق في أي حقوق أو توزيعات تترتب على ملكية تلك الأسهم
طالما لم يمارس حقه في امتلاك تلك الأسهم .
2- خيار البيع :
خيار البيع : عقد لبيع عدد من الأسهم أو الأوراق المالية بسعر محدد مسبقاً ، وذلك خلال فترة من الزمن .
وهو عملية عكسية لخيار الشراء ، فمشتري الخيار له الحق في بيع عدد من الأسهم إلى طرف ثانٍ بسعر محدد سلفاً .
3- الخيار المركب :
الخيار المركب : عقد يجمع بين خيار البيع وخيار الشراء ، وبمقتضاه يصبح لمالكه الحق
في أن يكون بائعاً أو أن يكون شارياً للأوراق المالية محل التعاقد ، بحسب ما تقتضيه
مصلحته .
مثال ذلك : نفرض أن مستثمراً اشترى خياراً مزدوجاً يكون لحامله حق شراء أسهم معينه بسعر
تنفيذ يساوي ( 85 ) دولاراً ، أو حق بيعها بسعر تنفيذ يساوي ( 75 ) دولاراً خلال فترة الخيار ، وقيمة حق الخيار ( 3 ) دولارات .
فها هنا ثلاثة احتمالات :
الأول : أن ترتفع أسعار الأسهم فوق ( 85 ) دولاراً، ولنفرض أنها بلغت ( 92 )
دولاراً، فإن مشتري الخيار سوف يمارس حقه في الشراء فيأخذ السهم بـ ( 85 ) في الوقت الذي يباع فيه بالسوق بـ ( 92 ) دولاراً ويكون له صافي ربح في كل سهم بمقدار ( 4 ) دولارات ( فرق السعر الجاري عن سعر التنفيذ ، مخصوماً منه قيمة الخيار ) ، وهذا المبلغ ذاته يمثل صافي خسارة للبائع .
الثاني : أن تنخفض عن ( 75 ) دولاراً ولنفرض أنها بلغت ( 70 ) دولاراً فمشتري الخيار سيمارس حقه في البيع ، ويبيعها لصالحـه بـ ( 75 ) في الوقت الذي تباع فيه بالسوق بـ ( 70 ) دولاراً ، ويكون له صافي ربح يساوي دولاران ، وهو نفس خسارة البائع .
الثالث : أن تتراوح الأسعار بين ( 75-85 ) فبائع الخيار في هذه الحالة هو الرابح ، فلو كان سعر السهم ( 82 ) دولاراً ، فإن مارس مشتري الخيار حقه في البيع ، فإن بائع الخيار يكسب ( 82-75 ) = 7 دولارات عن كل سهم إضافة إلى قيمة الخيار ( دولارين ) ، وإن مارس حقه في الشراء فإن بائع الخيار يكسب ( 85-82 ) = 3 دولارات عن كل سهم إضافة إلى قيمة الخيار .
وتتنوع الخيارات بحسب الأصل محل التعاقد :
فمنها الخيارات التي يكون محلها الأسهم ، والخيارات على السندات ، والخيارات على العملات والخيارات على مؤشرات السوق .
ومما ينبغي ملاحظته في سوق الخيارات – مما يهم الباحث الشرعي للوصول إلى تكييف مناسب لهذه العقود المستحدثة – ما يلي :
1- أن عقد الخيار لا بد أن يتضمن خسارة لأحد الطرفين – البائع أو المشتري – في مقابل ربح الآخر ، فأحدهما رابح لا محالة والآخر خاسر ، والمكسب الذي يحققه البائع هو ذاته خسارة المشتري ، والعكس أيضاً .
واحتمال سلامتهما معاً نادر جداً ، إذ لا يتصور إلا إذا بلغت القيمة السوقية للسهم وقت التنفيذ سعر التنفيذ زائداً أو ناقصاً قيمة الخيار .
ففي هذه العقود لا حد لأرباح المشتري بينما تنحصر خسـائره بمقدار ما دفعه كقيمـة للخيار ، أما البائع فخسائره لا حد لها ، بينما أرباحه محصورة بمقدار ما أخذه كقيمة
للخيار .
2- شهادات الخيار هي أيضاً أوراق مالية يجري تداولها في أسوق رأس المال ، وتتحرك أسعارها باتجاه أسعار الأسهم أو الأوراق المالية التي تتضمنها ، لذلك فإن المستثمر
لا يحتاج إلى ممارسة حقه في الخيار للحصول على الربح ، فقد يكتفي ببيع شهادة الخيار بسعرها السوقي ويلغي مركزه المالي ، ومن ثم فقد أصبحت الخيارات ذاتها مصدراً للربح .
3- ليست كل الأسواق المالية تعطي مشتري الخيار فترة صلاحية لممارسة حقه ، وفي هذا الصدد يفرق بين الخيار الأوروبي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في يوم محدد ، مثلاً : بعد تسعين يوماً من تاريخ الشراء ، بينما الخيار الأمريكي يمكن تنفيذه في أي لحظة منذ شراء الخيار ، وحتى نهاية مدة الصلاحية ، مثلاً : خلال تسعين يوماً من تاريخ الشراء .
ثانياً : الحكم الشرعي لها :
اختلفت أنظار الباحثين المعاصرين في حكم عقود الخيارات ، فذهب بعضهم إلى إباحتها ، وذهب بعضهم إلى تحريمها ، ونظراً لأهمية هذا الموضوع ، ولأن سـوق الخيارات تشكل أهم نشاطات الأسواق المالية في البيوع الآجلة فسوف إلى أقوال أهل العلم فيها .
القول الأول :
يرى كثير من الباحثين المعاصرين عدم جواز عقود الخيارات مطلقاً ، سواء منها البسيطة أم المركبة ، وسواء كانت خياراً للبيع أم للشراء.
استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
الدليل الأول :- أن عقد الخيار عقد معاوضة يتضمن غرراً فاحشاً ، والبيع بهذه الصفة نوع من الميسر ، ففيه أكل للمال بالباطل ، ويظهر كونه غرراً من جهة أن العقد دائر بين الغنم والغرم ، والسلامة فيه نادرة إن لم تكن معدومة ، فخسارة أحدهما تستلزم ربح الآخر ، والعكس ، وهذا هو معنى القمار .
ويناقش هذا الاستدلال : بعدم التسليم بأن جميع عقود الخيارات تتضمن الغرر ، فالغرر في الخيار المركب ظاهر ومتفاحش ، أما في الخيارات البسيطة كخيار البيع المفرد ، أو خيار الشراء المفرد فإن الغرر غير موجود إذا نفذ المشتري حقه في الخيار ، أما إذا لم ينفذ فإن الغرر محصور بمقدار ما
دفعه قيمةً للخيار ، وهو يسير ومغتفر لا سيما عند من يجوز بيع العربون .
أما كون الغرر غير موجود إذا نفذ المشتري حقه في الخيار فيتضح ذلك من تعريف الغرر :
فقد عرف الغرر بأنه :(( البيع المجهول العاقبه )) ([20]).

وهذا الوصف للغرر غير موجود في عقد الخيار البسيط لأن العاقدين يجريان العقد بسعر محدد وثابت ومعلوم ، والسلعة مقدور على تسليمها ، وكونهما يصرفان النظر عما يؤول إليه سعر السلعة في السوق لا يجعل هذا العقد غرراً ، لأن البيع هو بالسعر المتفق عليه لا بسعر السوق وكون بائع الخيار قد يخسر ما بين سعري التنفيذ والسوق إذا جاءت الأسعار في غير صالحه لا يجعل هذا العقد غرراً أو ميسراً ، لأن البيع وقع بالسعر الأول لا بالسعر الجاري .
ومما يؤيد ذلك :
1- في خيار الشرط : فقد جوزت الشريعة خيار الشرط ( مثل أن يشتري سلعة على أن يكون له الخيار بين إمضاء البيع أو فسخه مدة معلومة كثلاثة أشهر مثلا )لو ارتفعت الأسعار أو انخفضت مدة الخيار ، والخيار فيه للمشتري فأمضى البيع أو فسخه وفقاً لمصلحته ، فليس في ذلك غرر ، ولم يكن الضرر اللاحق للبائع بذلك موجباً لإفساد العقد عند الفقهاء .
2- في القرض : فلو هبطت أسعار العملة أو ارتفعت فيجب الأداء بالمثل عند جمهور الفقهاء حتى ولو تضرر أحد العاقدين بذلك .
الدليل الثاني من أدلة المانعين : أن عقود الخيارات تنطوي على بيع الإنسان ما ليس عنده ([21]).
وقد جاءت السنة بالنهي عن ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام لحكيم بن حزام : (( لا تبع ما ليس عندك )) رواه أبوداود
ووجه كون عقد الخيار من بيع ما ليس عنده : أن محرر خيار الشراء قد لا يكون مالكاً للأسهم محل العقد أصلاً ، كما أن مشتري خيار البيع قد لا يكون مالكاً لها أيضاً ، فهما يبيعان أسهماً لم تدخل في ملكهما .
ولكن نوقش ذلك : بأن هذا القول ليس على إطلاقه فقد يكون محرر الخيار مالكاً للسلعة ، وهذا كثير ، وليس بنادر ، بل إن محرر الخيار قد يكون هو نفس الشركة المصدرة للأسهم محل العقد .
الدليل الثالث : أن حق الخيار ليس محلاً للعقد ، لأنه ليس بمال متقوم شرعاً ، فهو لا يقبل حكم العقد عند سائر الفقهاء ([22]).
ويناقش : بأن الخيار من الحقوق المجردة ، وقد أجاز جمهور الفقهاء بيع الحقوق المجردة ، مثل حق المرور ، وحق التعلي ، وحق التسييل ، وحق الشرب ، وحق وضع الخشب على الجدار ، وحق فتح الباب ، ونحو ذلك ([23]).
القول الثاني :
يرى بعض الباحثين ([24]) جواز عقود الخيارات القائمة في الأسواق المالية وقد بنى أصحاب هذا القول قولهم هذا على أمرين :
الأول : تخريج عقد الخيار على خيار الشرط .
الثاني : تخريج عقد الخيار على بيع العربون .
أولاً : تخريج عقد الخيار على خيار الشرط :
فيرى أصحاب هذا القول أن عقد الخيار نوع من خيار الشرط ([25]) الذي أباحته الشريعة ، والمشمول بأمر الله بالإيفاء به في قوله سبحانه وتعالى : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ( المائدة : 1 ) وقولـه عليه الصلاة والسلام : (( المسلمـون على شروطهم )) .
ولما كان أحد أركان عقد الخيار في هذه الأسواق ، بل والباعث عليه هو أن يدفع من يشتري حق الخيار إلى من باع له هذا الحق مبلغاً من المال مقابل تخويله حق فسخ العقد خلال مدة الخيار إذا ما استبان له اتجاه الأسعار في السوق في غير صالحه ، أو تنفيذه إذا ما اتجهت الأسعار حسبما توقع في صالحه ، فالمال الذي يأخذه بائع حق الخيار من المشتري هو حق للبائع لا يرد إلى دافعه .
ثانياً : تخريج عقد الخيار على بيع العربون :
فالخيار إذا كان للمشتري فهو بمنزلة بيع العربون ([26])، لأن خيار الشراء يعطي مشتريه الحق في شراء عدد من الأسهم خلال فترة محددة ، وقيمة الخيار التي دفعهامقدماً ، كالعربون للبائع، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز بيع العربون ، فيقاس عليه كذلك خيار الشراء .
نوقش تخريج عقد الخيار على بيع العربون من وجهين :
الوجه الأول : أن العربون جزء من الثمن بخلاف ثمن خيار الشراء فإنه ثمن منفصل عن سعر الأسهم ، وهو سعر للخيار ذاته ([27]).
ويجاب : بأن مشتري الخيار إذا مارس حقه في الشراء صار سعر السهم المشترى مركباً من قيمة الخيار وسعر التنفيذ ، فالسعران وإن كانا منفصلين صورة ، فإنهما يجتمعان عند التنفيذ .
الوجه الثاني : أن ثمن الخيار قد يدفعه المشتري وقد يدفعه البائع ([28]).
ويجاب : بأن جواز بيع العربون يستفاد منه صحة المعاوضة عن حق الخيار ، وكون المعتاض بائعاً أو مشترياً لا أثر له في الحكم .
الترجيح :
باستعراض أدلة الفريقين فإن الذي يترجح هو جواز عقد الخيار البسيط ، أي خيار البيع المفرد ، أو خيار الشراء المفرد ، دون المركب منهما معاً ، بالشروط الآتية :
1- أن يكون الأصل محل العقد جائز التداول ، وفقاً للضوابط التي أشرنا إليها في المطلب السابق .
2- أن يكون حق الخيار حالاً ، بمعنى أن تكون مدة الخيار تالية لشرائه مباشرة ولو امتدت لفترة طويلة ، وعلى هذا فالذي يظهر أن الخيار بالصيغة المعمول بها في الأسواق الأمريكية أقرب إلى قواعد الشريعة من الخيار الأوروبي ، لأن الثاني يقتضي تأجيل البدلين ، وهذا محرم ، لأنه من بيع الكالئ بالكالئ .
3- أن تكون الأسهم أو الأصول محل العقد مملوكة للملتزم بالبيع – ( وهو محرر الخيار في خيار الشراء ، ومشتري الخيار في خيار البيع ) – من حين الشراء حتى التنفيذ .
وبذا تتحقق مصلحتان :
الأولى : ألا يكون البائع قد باع ما ليس عنده .
والثانية : ( وهي خاصة بخيار الشراء ) : أن محرر الخيار يكون في مأمن من الاضطرار لشراء السهم من السوق بسعره الجاري – والذي سيكون مرتفعاً – وبيعه بسعر التنفيذ – والذي سيكون قطعاً أقل من السعر الجاري - ، وبذا ينتفي الضرر أو الغرر .
والذي اقتضى هذا الترجيح أن عقود الخيارات معاملات مستحدثة ، لا يظهر فيها ما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ، مع ما تتضمنه من منافع لكلا العاقدين ، فالمشتري يأمن من تقلبات الأسعار ، والبائع يستفيد من قيمة الخيار .
ويمكن أن يستأنس لصحة هذه العقود بجواز خيار الشرط وجواز بيع العربون ، في الشريعة ، لاسيما أن صورة العربون مطابقة تماماً لصورة خيار الشراء .

ثانياً : المتاجرة في السندات

وفيه مطلبان :
المطلب الأول : حقيقة السندات

السندات من الأوراق المالية التي تصدرها الشركات المساهمة ، أو المؤسسات العامة ، أو الدول .

ويعرف السند بأنه : (( قرض طويل الأجل تتعهد الشركات المقترضة بموجبه أن تسدد قيمته في تواريخ محدده )) ([29]).
والدافع لإصدار السندات أن الشركة المساهمة قد تحتاج في أثناء مزاولة عملها ، وبعد أن تكون قد حصلت على رأس مالها ، إلى بعض الأموال ، ولا ترغب في عرض اكتتاب بأسهم جديدة على الجمهور لئلا تتضاءل أنصبة الشركاء ، فتعمد إلى القروض عن طريق إصدار سندات متساوية القيمة .
والسندات كالأسهم من حيث الخصائص العامة ، فهي قابلة للتداول ، ولا تكون قابلة للتجزئة ، ويمكن أن تكون اسمية أو لحاملها .
وتختلف السندات عن الأسهم من عدة جوانب :
1- السند يمثل ديناً على الشركة ، ويعتبر صاحبه دائناً للشركة ، بينما السهم حصة من رأس المال ، ويعتبر صاحبه شريكاً .
2- السند يعطي صاحبه حقاً في فائدة ثابتة سواء ربحت الشركة أو خسرت ، أما السهم فإن حامله معرض للربح والخسارة في حالة تعرض المشروع لأي منها .
3- عند تصفية الشركة يكون لصاحب السند الأولوية في الحصول على قيمة السند ، أما صاحب السهم فلا يأخذ شيئاً إلا بعد تصفية السندات وقضاء الديون .
4- السند لا يعطي صاحبه حقاً في حضور الجمعية العمومية للشركة ولا بالتصويت ، والاشتراك في الإدارة وغير ذلك مما يستحقه صاحب السهم .
5- لحامل السند أن يحصل على قيمته عند انتهاء الأجل المتفق عليه ، أما السهم فلا ترد قيمته طالما أن الشركة قائمة إلا في أسهم التمتع التي قد تلجأ الشركة إلى إصدارها .
المطلب الثاني : حكم المتاجرة بالسندات

تبين لنا من خلال العرض السابق أن السندات قروض ، وأن صاحبها يستحق فائدة ثابتة بشكل دوري ، فهي من القرض بفائدة . وتكاد تتفق كلمة العلماء المعاصرين على تحريم السندات لما تتضمنه من الفائدة الربوية ،
وفي قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم 62/11/6 ، ما نصه : (( إن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعاً ، من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول ، لأنها قروض ربوية سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة ، ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكاً استثمارية أو ادخارية ، أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً أو ريعاً أو عمولة أو عائداً .)) ([30]).
وعلى ذلك فإنه يحرم الاشتراك في الصناديق الاستثمارية التي تشمل أصولها على سندات أياً كان نوع هذه السندات .
ويجدر التنبيه إلى أن هذا النوع من الاستثمارات يطلق عليه في الأوساط الماليه عدة أسماء منها :
1- الاستثمارات النقدية ، نسبة إلى سوق النقد التي تتداول فيها هذه الأوراق .
2- الاستثمارات قصيرة الأجل ، لأن هذه الأوراق المالية تستحق غالباً خلال أقل من سنة .
3- الاستثمارات ذات الدخل الثابت ، لأن الفائدة المستحقة عليها ثابتة خلافاً للأسهم فهي ذات دخل متغير .

([1]) انظر : إدارة الاستثمارات ص 170 –248 ، أساسيات الاستثمار في الأوراق المالية 17 - 53 .
([2]) (( الأسواق المالية في ميزان الفقه الإسلامي )) ص 89 .
([3]) (( حكم تداول أسهم الشركات المساهمة )) ص 19 .
([4]) شرح القواعد الفقهية للزرقاء ص 34 .
([5]) (( الاستثمار في الأسهم )) ص 83 ، قرارات الهيئة الشرعية للراجحي 1/243 .
([6]) الموافقات 2/103 .
([7]) الفتاوى الاقتصادية ص 17 ، (( الاستثمار في الأسهم )) ص 87 .
([8]) منهم : د. صالح المرزوقي ود. السالوس ، والشيخ عبد الله بن بيه ، انظر : مجلة المجمع 7/1/415 ،
([9]) أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه .
([10])أخرجه مسلم في صحيحه .
([11]) الفتاوى الكبرى 3/442
([12]) أخرجه أحمد 5/225 ، والدارقطني 3/16 وممن صحح الحديث : المقدسي في الأحاديث المختارة ، والمنذري في الترغيب والترهيب (3/7) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (4/117) ، والعراقي وابن حجر والسيوطي والمناوي ( فيض القدير 3/524 ) ، والبوصيري في مصباح الزجاجة (2/198) ، والسفاريني في غذاء الألباب (1/103) ، والألباني في السلسلة الصحيحه (3/29) ، والساعاتي في الفتح الرباني (15/69).
([13])(( حكم الاشتراك في شركات تودع أو نقرض بالفوائد )) ص 96 .
([14]) أعلام الموقعين 2/135 .
([15]) (( المشاركه في شركات أصل نشاطها حلال إلا أنها تتعامل بالحرام )) ص 420 .
([16]) أحكام أهل الذمة 1/274 .
([17]) المغني 7/110

([18]) إدارة الاستثمارات ص 273 .
([19]) أعلام الموقعين 1/388 .
([20]) القواعد النورانية ص 138 .
([21]) أسواق الأوراق المالية ص 364 .
([22]) أسواق الأوراق المالية ص 372 .
([23]) انظر : حاشية الدسوقي 3/14 ، نهاية المحتاج 3/372 ، شرح المنتهى 2/140 .
([24]) د. وهبه الزحيلي مجلة المجمع 6/2/1330 ، د. محمد الشريف الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية
5/387 .
([25]) خيار الشرط : حق يثبت بالاشتراط لأحد المتعاقدين أو كليهما ، يخول مشترطه فسخ العقد في مدة معلومة .
([26]) بيع العربون هو : أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهماً أو غيره ، على أنه إن أخذ السلعة ، احتسب من
الثمن ، وإن لم يأخذها فذلك للبائع . المغرب ص 309 .
([27]) (( الأسواق المالية )) د. القري 1611 .
([28]) (( الاختيارات )) للسلامي ص 233 .
([29]) الموسوعة الاقتصادية ص 314
([30]) مجلة المجمع 6/2/1725 ، وانظر : فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 13/345 ، البنوك الإسلامية المنهج والتطبيق ص 137 ، البنوك الإسلامية بين النظرية والتطبيق ص 160 .