الرئيسة   اصدارات   اختيارات الحافظ بن عبد البر الفقهية في الأحوال ..

اختيارات الحافظ بن عبد البر الفقهية في الأحوال ..

142936.gif
جمع ودراسة ومقارنة
د. علي بن راشد الدبيَّان
القاضي بوزارة العدل

اختيارات الحافظ بن عبد البر الفقهية في الأحوال الشخصية والجنايات والحدود والأقضية
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102], {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء:1], {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب:70-71]

أما بعد:
فإن من نعم الله تعالى على هذه الأمة أن قيض لها من أنفسها من يقوم بأمره سبحانه في التفقه في الدين, وحفظ حوزة علم الشريعة {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122].
قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل, بقايا من أهل العلم, يدعون من ضلّ إلى الهدى, ويصبرون منهم على الأذى, يحيون بكتاب الله الموتى, ويبصرون بنور الله أهل العمى, فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه, وكم من ضال تائه قد هدوه, فلما أحسن أثرهم على الناس, وأقبح أثر الناس عليهم, ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين, الذين عقدوا أولوية البدعة, وأطلقوا عقال الفتنة, فهم مختلفون في الكتاب, مخالفونا للكتاب, مجمعون على مفارقة الكتاب, يقولون على الله, وفي الله, وفي كتاب الله بغير عليم, يتكلمون بالمشاتمة من الكلام, ويخدعون جهال الناس بما يشبّهون عليهم, فنعوذ بالله من فتن الظالمين) أ - هـ .
فكان أن خرج منهم علماء أجلاء, وحفاظ جهابذة, حفظوا وكتبوا ودرّسوا واستنبطوا, حتى أثروا جوانب العلم الشرعي, وأوجدوا للأمة ثروة علمية لا نظير لها في أمة من الأمم, وكان من هؤلاء الجلة الأخيار, العلم الماجد, والإمام الحافظ أبو عمر - يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم بن عبد البر النمري القرطبي, الشهير "بابن عبد البر" نسبة إلى جده الأعلى, أحد أعلام البلاد الأندلسية, والمقدم في جملة علماء المالكية, وقد جمع رحمه الله أطراف العلوم, فكان له باع طويل في فنون عدة من فقه وحديث ولغة وتأريخ... وغيرها, وكان من المكثرين من التأليف حتى بلغت مؤلفاته قرابة أربعين مؤلفاً, فكان حرياً بأن يعنى به طلبة علم الشريعة, ويتتلمذوا على مصنفاته, وينهلوا من إنتاجه العلمي, وأن يكون محط رحل الباحثين في دراساتهم وبحوثهم, لما في علومه من نفع عميم, وفائدة جليلة, ولما اشتملت عليه من تحقيقات وترجيحات, ولذا اخترت أن يكون بحثي هذا لنيل هذه الدرجة العلمية - الدكتوراه - في الفقه الإسلامي المقارن في هذا المضمار, ورسمت له عنواناً هو: "اختيارات الحافظ ابن عبد البر الفقهية في الأحوال الشخصية والجنايات والحدود والأقضية - جمع ودراسة ومقارنة".

أسباب اختيار الموضوع:
يمكن أن أجمل الأسباب التي كانت دافعاً إلى اختيار هذا الموضوع فيما يلي:
1- إن في بحث هذا الموضوع إبرازاً لشخصية الحافظ ابن عبد البر رحمه الله وجهوده ومكانته, وخصوصاً أنه اشتهر بالتحقيق والدراسة في المسائل العلمية.
2- إن في بحث هذا الموضوع فائدة جُلّى, وحصيلة عملية عظيمة, للباحث والقارئ المهتم بالتحقيق الفقهي الدقيق.
3- إن في بحث هذا الموضوع تقويماً للآراء, والترجيحات, والاختيارات التي انتصر لها الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله -.
4- إن في بحث هذا الموضوع تحقيقاً للمنهج العلمي الرصين الذي سلكه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في دراسة المسائل العلمية, حيث عني - رحمه الله - عناية تامة بالأثر وما صح به الإسناد, وهو المنهج المطلوب في الدراسة الموضوعية لعلم الشريعة.
5- إن في بحث هذا الموضوع إثراء للدراسات الفقهية المعاصرة, وتعويداً على المنهج الموضوعي في الدراسة والتحقيق.
6- إن في بحث هذا الموضوع جمعاً لمعالم فقه إمام حافظ من أئمة السلف, وهو موضوع لم يسبق إليه فيما أعلم.
وبعد أن تمت الموافقة على مشروع هذا البحث من قبل إدارة المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, رسمت الخطة الأولية للعمل في هذا البحث وجعلت المعتمد في استخراج اختيارات الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله - على كتبه التي حوت بحوثه الفقهية وهي:
1- التمهيد: وقد طبع من قبل وزارة الأوقاف المغربية, واكتمل في ستة وعشرين مجلداً, منها مجلدان للفهارس.
2- الاستذكار: ولم يكن مطبوعاً منه عند بحث هذا الموضوع سوى مجلدين من أوله, وبقيته مخطوط, وهو أكبر من التمهيد, ثم طبع مؤخراً في مصر, واكتمل في ثلاثين مجلداً.
3- الكافي في فقه أهل المدينة: وهو مطبوع في مجلدين اثنين.
كما جعلت القاعدة في استخراج الاختيارات, أن يصرح الحافظ ابن عبد البر رحمه الله بالاختيار بلفظ واضح جلي, كقوله: "وهو الصحيح" "وهو الصواب" "وهو الذي أقول به" "وهو الأقيس في النظر"... الخ.
ثم تتبعت اختيارات الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في كتبه المشار إليها, وجمعتها ورتبتها على أبواب الفقه مناط البحث, وهي أربعة:
1- الأحوال الشخصية.
2- الجنايات.
3- الحدود.
4- الأقضية.
وجعلت كل باب يتضمن فصولاً, وكل فصل يتضمن ما فيه من اختيارات فقهية على شكل مباحث, ثم درست مسائل الاختيار.


الخاتمة
وبعد:
ففي دراسة اختيارات هذا العلم الحبر الكبير حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر - رحمه الله - فوائد جُلّى تظهر عمق علومه وأصالة اجتهاده وحرصه على تقفي الآثار والسنن وتقديم دلائل النصوص على الآراء والإفهام والأنظار مع اعتنائه بتميّز في النظر إلى العلل والمعاني الشرعية وسعة اطلاعه واستيعابه حتى أصبح جامعاً لفنون شتى يكمل بعضها بعضاً, ويأخذ كل منها بزمام الآخر لتعطي التكامل والتوازن والنضج العميق لملكة الاجتهاد في سائر الأحكام والمسائل الشرعية, وإن الدارسين والباحثين في مسائل الشريعة عموماً وأحكام الفقه خصوصاً بحاجة ماسّة وملحة للنظر وإعمال الفكر في طريقة الأسلاف في تحصيل علوم الإسلام المتنوعة وفهم مسلكهم في الاجتهاد والترجيح وإدراك العلل والملاحظ الشرعية لإعطاء الحكم بدليله. وخصوصاً في هذا الزمن الذي ضعفت فيه الهمم وكثرت فيه الشواغل, واختلطت فيه الإفهام والعقول بأنواع غير متجانسة من العوم وزخم الفنون لوثت ملكة الفهم والنظر بعجز وبجر حتى أصبحت بحاجة ملحة إلى الاستهداء بنهج العلماء الثقات الذين أخذوا علوم الشريعة ودرسوا أصولها وفروعها حتى تمكنوا منها بأطرافها ومن أمثالهم إمامنا الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله -.

ونحن حين نختم هذه الومضة في ثنايا رحاب علوم الإمام الحافظ نستخلص من تقريراته واختياراته انتباهة نطرحها لطلبة ورواد علوم الشريعة لاقتفاء أثره وسلوك منهجه في الاجتهاد الموازنة والترجيح, ولعل في ممارسة تحرير وتقرير الأحكام في نختلف المسائل والنوازل على مثل الإمام الحافظ المستهدي بالنصوص والأدلة قرباً إلى مراد الشارع الحكيم والوقوف على المعاني والحكم والأسرار المودعة في شرائعه وأحكامه, وهذا البحث بما شمله من مسائل وترجيحات وتقريرات ومناقشات يتضمن دعوة لكل باحث ومطالع إلى طرح جديد مؤصلٍ في ملكة الاجتهاد وتنميتها وإحياء روح البحث والنظر في معاني الشريعة وأدلتها وقواعدها وأحكامها لاسيما مع تتابع مستجدات العصر ونوازله وفقدان الأمة بين فينة وأخرى لعلمائها وفقهائها وفي الله - جل ثناؤه - عزاء ورجاء في كل حال من عسر أو يسر أو منشط أو مكره, وفيه سبحانه خلف من كل مصاب وتلف, وحين يقف اليراع عن رقم الحروف والكلمات فإنه يتقدم بالعذر إلى كل قارئ كريم لسد الخلل وجبران النقص, والله الهادي إلى التوفيق والسداد والرشاد, وهو حسبنا ونعم الوكيل, وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.


فهرس الموضوعات:
- المقدمة.................................................................... 5
- أسباب اختيار الموضوع................................................. 7
- عملي في البحث.......................................................... 8
منهجي في البحث........................................................... 9
خطة البحث................................................................. 13
- التمهيد.... وفيه مبحثان.................................................. 25
- المبحث الأول: المنهج في استخراج الاختيارات وترتيبها............. 27
- المبحث الثاني: نبذة عن حياة الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله - .... 37

- الباب الأول: الأحوال الشخصية........................................ 51
- الفصل الأول: النكاح.................................................... 54
المبحث الثاني: الخيار في النكاح......................................... 127
- الفصل الثالث: الصداق................................................. 139
- الفصل الرابع: القسم بين الزوجات.................................... 183
- الفصل الخامس: الخلع................................................. 192
- الفصل السادس: الطلاق............................................... 198
- الفصل السابع: الرجعة................................................ 272
- الفصل الثامن: الإيلاء................................................. 275
- الفصل التاسع: الظهار................................................. 287
- الفصل العاشر: اللعان................................................. 298
- الفصل الحادي عشر: النسب......................................... 332
- الفصل الثاني عشر: العدد............................................ 340
- الفصل الثالث عشر: الإحداد......................................... 386
- الفصل الرابع عشر: المفقود......................................... 406
- الفصل الخامس عشر: الاستبراء.................................... 416
- الفصل السادس عشر: الرضاع..................................... 421
- الفصل السابع عشر: النفقات........................................ 433
- الفصل الثامن عشر: الحضانة...................................... 443
الفصل التاسع عشر: الهبة............................................ 449
- الفصل العشرون: العطية........................................... 459
- الفصل الحادي والعشرون: اللقيط.................................. 467
- الفصل الثاني والعشرون: العتق................................... 471
- الفصل الثالث والعشرون: التدبير.................................. 491
- الفصل الرابع والعشرون: الكتابة.................................. 500
- الفصل الخامس والعشرون: الوصايا.............................. 521
- الفصل السادس والعشرون: المواريث............................ 530

- الباب الثاني: الجنايات............................................. 557
- الفصل الأول: القصاص.......................................... 560
- الفصل الثاني: الديات............................................. 604
- الفصل الثالث: القسامة........................................... 658
- الفصل الرابع: كفارة القتل....................................... 668

- الباب الثالث: الحدود............................................. 675
- الفصل الأول: حد الزنا........................................... 678
- الفصل الثاني: حد السرقة........................................ 707
- الفصل الثالث: حد الحرابة....................................... 732
- الفصل الرابع: حد الخمر........................................ 739

- الباب الرابع: الأقضية........................................... 757
- الفصل الأول: التحاكم........................................... 760
- الفصل الثاني: البينات........................................... 765
- الفصل الثالث: الشهادات........................................ 775

الخاتمة............................................................. 795
- فهرس المراجع.................................................. 797
- فهرس الموضوعات.............................................. 811