الرئيسة   اصدارات   حكم الاكتتاب أو المتاجرة في أسهم الشركات

حكم الاكتتاب أو المتاجرة في أسهم الشركات

ashm.jpg
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فقد قسم القانون التجاري الشركات إلى شركات أشخاص، وشركات أموال، كان أهمها شركة المساهمة؛ لما تقوم به من مشروعات كبيرة، مثل: بناء المطارات، وشق الأنفاق ، وفتح الطرق الطويلة، وإنشاء المصانع الضخمة، وأصبحت الوسيلة المثلى للتقدم الصناعي، والتجاري في العصر الحاضر، بعد أن كانت وسيلة للاستعمار في القرن السابع عشر الميلادي.
ومن أهم خصائص هذه الشركة ، تَكَوُّن رأس مالها من أسهم .
والسهم : هو الجزء الذي ينقسم على قيمته مجموع رأس مال الشركة ، المثبت في صك له قيمة اسمية، وتمثّل الأسهم في مجموعها رأس مال الشركة ، وتكون متساوية القيمة.
وللأسهم أنواع متعددة ، وخصائص متعددة أيضاً ، من أهمها قابليتها للتبادل .
ولبيان الحكم الشرعي لتداول الأسهم بالبيع والشراء يجب تحديد نوع السهم ، من حيث الحقوق والواجبات ، ومن حيث إنه سهم في رأس المال ، أو سهم تمتع .
ويجب أيضاً معرفة نوع رأس المال، هل كله نقود؟ أو عروض؟ أو يتكون منهما؟ أو أنه نقود، لكن تحول كله أو بعضهم إلى عروض؟ وذلك لتجنب الوقوع في الربا.
كما يجب معرفة المشروع التجاري الذي تمارسه الشركة ، وتستثمر رأس مالها أو بعضه فيه؛ لمعرفة حله أو حرمته ، أو دخول الحرمة في بعضه .
وبناء على معرفة ما سبق يمكن للباحث ، أو المفتي، إصدار الحكم بحل تداول هذا النوع من الأسهم ، أو حرمته ، وبصحة العقد ، أو بطلانه.
ويمكننا تقسيم الشركات، من حيث استثمارها لأموالها في المشاريع التجارية، إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: شركات تستثمر في أمور محرمة ، كالاستثمار في صناعة الخمور، والمخدرات، أو بيعهما ، أو زراعة الحشيش ، ونحوه، أو إنشاء نواد للقمار ، أو إنشاء مصارف ربوية؛ للقيام بالأعمال الربوية تجوز المشاركة فيه، ولا شراء أسهمه ، بلا خلاف.
النوع الثاني: شركات تستثمر في أمور مباحة، وخالية من كل الشوائب المحرمة ، مثل الاتجار في المواد الغذائية، أو صناعة السيارات ، أو زراعة الحبوب ، والخضار ونحو ذلك . فهذا النوع من الشركات جائز شرعاً ، فيجوز الاكتتاب في أسهمه ، وشراؤه ، وبيعه، بلا خلاف يعتد به .
النوع الثالث : شركات ، أصل مشروعها، ومجال استثمارها الأساس مباح؛ كالنوع الثاني؛ لكنها تودع أموالها في المصارف الربوية ، وتأخذ على هذا الإيداع فوائد ربوية ، وإذا احتاجت إلى نقود لدعم مشاريعها، أو توسيع أعمالها، أو نحو ذلك؛ اقترضت من المصارف الربوية أو غيرها بفوائد ربوية.
وحيث إن بعض الباحثين قد تعرض لبيان حكم شراء هذا النوع من الأسهم ؛ فذهب إلى حلها ، دون تفريق بين أنواعها، ولا مراعاة لنوع رأس مالها، فأثار انتباهي؛ فدفعني ذلك لكتابة بحث بعنوان: (حكم الاشتراك في شركات تودع، أو تقترض بفوائد) نشر في العدد الواحد والعشرين من مجلة البحوث الفقهية المعاصرة عام 1414هـ وقد قمت فيه بضم أقوال أخرى في الموضوع، وجمعت أدلة كل فريق ، وناقشت ما يستوجب المناقشة منها، ورجحت ما يظهر لي أن الأدلة تؤيده، مبيناً ضعف ما يقابله .
وقد اقتصرتُ في البحث المذكور على دراسة النوع الثالث من أنواع استثمار الشركات؛ لمعرفة حكم الاكتتاب في هذه الشركة، وحكم تداول أسهمها بيعاً وشراءً.
فمعرفة موضوع تجارتها ، وحكمه ، إذا دخلت الحرمة فيه، هل يؤثر في الحكم على الاكتتاب في هذه الشركة، وفي بيع وشراء أسهمها؟ أو لا يؤثر؟ أو يؤثر في حال دون حال؟ سواء من حيث الحل والحرمة ، أو من حيث الصحة والبطلان .
ونظراً للإقبال الشديد على الكتتاب والمتاجرة بأسهم الشركات في هذا العصر، دون تفريق بين أنواع الشركات، ولكثرة السؤال عن الحكم الشرعي الذي يبرئ الذمة فيها، رأيت من الواجب والمصلحة نشر البحث المذكور في كتاب بين الناس يسهل الرجوع إليه لمريد الجواب الشرعي في هذا الموضوع الحيوي المهم بعد أن أجريت عليه كثيراً من التعديلات والإضافات . ونظراً لأنه اشتهر بين الناس في هذه السنوات تقسيم الشركات إلى ربوية ، ومختلطة ، ويراد بالمختلطة التي أصل مشروعها مباح ولكن يدخل في بعض معاملاتها أمور محرمة أشهرها الربا.
وقد سميته : (( حكم الاكتتاب أو المتاجرة في أسهم الشركات المختلفة )) وسميت مختلطة ؛ لاختلاط الأرباح الحلال بالفوائد الربوية.
وقد قسمت هذا الكتاب إلى مقدمة ، وستة فصول ، وخاتمة .
الفصل الأول:الأقوال في حكم الاشتراك في شركات تودع أو تقرض بفوائد
الفصل الثاني :أدلة المجيزين
الفصل الثالث:أدلة المانعين
الفصل الرابع:مناقشة أدلة المجيزين
الفصل الخامس:مناقشة أدلة المانعين
الفصل السادس :الحكم الذي انتهى إلية البحث وما يجب على من اكتتب أو اشترى أسهم الشركات المختلطة.
الخاتمة
المراجع

الخاتمة في نتائج البحث
1- إن القول الذي وقع من بعض الباحثين الذين أباحوا الاشتراك، أو شراء أسهم شركات تفترض بفوائد ربوية ، أو تودع نقودها في المصارف، وتأخذ على هذا الإيداع فوائد ربوية ، هو خلاف حادث حيث لم نجد قولاً للعلماء المتقدمين يبيح الاشتراك في شركة يتعامل في شيء من تجارتها بالربا، ولا أحداً منهم أقر الشريك على البقاء فيها مع العلم بذلك؛ لأنه لا يوز أن يبقى المسلم متلبساً بمعاملة ربوية.
2- نصت المجامع الفقهية ، والهيئة الدائمة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، والغالبية العظمى من الفقهاء المعاصرين على حرمة الاشتراك في الشركات التي يدخل الربا في نشاطها، ومقتضى آراء العلماء المتقدمين، ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم ، حرمتها وبطلان عقودها، بل هو صريح قول الإمامين مالك وأحمد.
3- من الغريب حقاً أن يكون للتطبيق المبني على ما قرره أهل القانون، والمخالف لأحكام الشريعة الإسلامية هذه الهيمنة على بعض الباحثين في الأحكام الشرعية ، مع التغاضي عما تقتضيه النصوص الشرعية .
4- لم يستدل المبيحون بأي نص ، من القرآن الكريم، أو السنة الشريفة ، ولا بإجماع من العلماء .
5- اعتمد المبيحون في الاستدلال لرأيهم بقواعد فقهية، وبالعرف، وبأن المسلمين لا يعيشون عصراً يطبق فيه المنهج الإسلامي بكامله.
6- الأدلة التي اعتمدوا عليها لا تقوى على إثبات الحكم الذي قالوا به، ولم تثبت أمام المناقشة.
7- مع أنه ليس هناك دليل يدل على الإباحة، وعلى فرض وجوده، فإن ما دل على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة (كما هو مقرر في الأصول)؛ لأن ترك المباح أهون من ارتكاب الحرام، والأدلة على تحريم الاكتتاب أو شراء أسهم الشركات المختلطة متوافرة ؛ كما عرضناها في مكانها.
8- ينبغي التفريق في الاستدلال بين القاعدة المبنية على نص شرعي، لأن الاحتجاج بها احتجاج بأصلها ، وهذا ما أقول به ، وبين القاعدة المبنية على الاستقراء ، وهذا النوع هو الذي استدل به المجيزون، وتكاد تنفق آراء المؤلفين لكتب القواعد والمحققين لها بأن القواعد الفقهية لا تصلح أن تكون دليلاً في استنباط الأحكام .
9- العرف لا يكون حجة إلا إذا لم يتعارض مع النصوص الشرعية، والنصوص في النهي عن الربا، وعن أي معاملة يدخلها الربا ، أو أي وسيلة تعين عليه، صريحة، ومتوافرة.
10- الشريعة الإسلامية هي التي يجب أن تحكم الناس، على مر العصور.
11- قاس المبيحون على قاعدة (يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً) .
وأجيب:
أ‌) بأنها وردت في شيء نص على حرمته استقلالاً ، ونص على حله تبعاً ، فصار منصوصاً على حله في حال، وعلى حرمته في حال أخرى ، لا أنه إذا حرم استقلالاً يجوز الاجتهاد في حله تبعاً كما احتج به المبحون .
ب‌) إذا أريد القياس ، فلابد من علة جامعة، ولا توجد العلة؛ لأن علة النهي عن بيع الحمل في البطن الجهالة، والغرر ، وعدم الربوية؛ لأنها ليست مجهولة ، ولا غرر فيها، فلاختلاف العلة بين المقيس والمقيس عليه بطل القياس.
12- قالوا: الغرر الذي يؤثر في صحة العقد هو ما كان في المعقود عليه أصالة، أما الغرر في التابع، فإنه لا يؤثر في العقد، وأجيب بأن الاستشهاد في غير محله؛ لأن الأسهم – موضوع البحث – ليس فيها غرر، بل فيها ربا محقق، وأخذ الربا أو إعطاؤه ليس تابعاً.
13- الاحتجاج بالحاجة غير مستوف لشروطه ؛ لعدم استيفاء الحاجة شروطها ، مع أن الحاجة لا تقتضي استباحة ما حرمه الشارع حرمة قطعية.
14- لا يجوز لأحد من الناس أن يحلل ما حرم الله بالنص ، ومن حاول أن يحلل ما حرم الله من الربا قياساً على العرايا، أو على بيع الوفاء، فقد قال بغير علم، وإنما يجوز القياس في المسائل الفرعية التي لا نص فيها، إذا استوفى الشروط التي تلحق الفرع بالأصل، والعرايا جازت؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها بنص خاص، وقصر الرخصة عليها، بنص الحديث يؤيده نهيه عن المزابنة ، والمحاقلة.
ولا يصح القياس على بيع الوفاء؛ لأنه عقد باطل على رأي جمهور العلماء، وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بعدم جوازه، وما كان غير صحيح في نفسه لا يمكن تصحيح غيره عليه.
15- القول بجواز شراء أسهم الشركات المختلطة للحاجة؛ لأنها منزلة منزلة الضرورة يساوي القول بجواز الاقتراض بفوائد ربوية لشراء منزل أو سيارة للضرورة ، وهذا باطل، ولا خلاف في حرمته – إلا من شذ – فيكون الاحتجاج بالحاجة باطلاً في هذا المقام.
16- اختلاط جزء محرم بالكثير المباح، لا يدل على جواز الاشتراك في شركات تودع أو تقترض بفوائد ربوية؛ لأن هذا جواب لما يقع؛ فإذا اختلط الحرام بالحلال قهراً، أو بدون علم، أيحرم الحلال فيتلف؟ الجواب لا، وإنما يميز كل منهما عن الآخر، فيصرف كل منهما إلى مستحقه ، وهذا لا يعني تصحيح العقد الباطل.
17- ما قاله بعض أهل العلم من جواز معاملة المرابي، ليس فيه دليل على جواز الاشتراك في الربا، أو أي عقد ممنوع ؛ لأن معاملته في عقد صحيح، كشراء السيارات من اليابان أو أمريكا، غير الاشتراك في أسهم ربوية.
18- الجمع بين شيئين حرام وحلال في عقد واحد، وهو إحدى صور تفريق الصفقة . لا يصح دليلاً ؛ لأن شراء أسهم مشتملة على الربا هو صفقة واحدة؛ إذ المبيع سهم في الشركة بجميع ما يشتمل عليه.
19- ما أصله الحظر لا يحل إلا بيقين .
20- الاستدلال بقاعدة (للأكثر حكم الكل) مردود ؛ لأنه لو كان كذلك لكان قليل الخمر مباحاً ، وقليل الربا مباحاً ، ولا قائل به، حتى المحتج بهذا القول، ومردود أيضاً بقاعدة : (إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام) .
والمسائل التي فرعوها على قاعدة (للأكثر حكم الكل) مسائل شبه، والشبه لا يقاس عليها؛ لأنها من باب المنهيات.
21- تقدير الحرام، وإخراجه لا يبيح الدخول في الاشتراك، أو شراء أسهم شركة تتعامل بالربا، قليلاً أو كثيراً ، ولا يكون توبة من الذنب الذي وقع فيه؛ لأن من شروط التوبة الإقلاع عن الذنب، ومالك أسهم الشركة التي ذكر حالها عازم على الاستمرار لا الإقلاع.
22- الاستدلال بقاعدة: (( ما لا يمكن التحرز منه ، فهو عفو)) مردود؛ لأنه يمكن التحرز عن شراء أسهم الشركة التي تودع، أو تقترض بفوائد بكل سهولة، وذلك بعدم شراء أسهمها أو الاكتتاب فيها. ولن يترتب على هذا أي ضرر، وما فرعوه على هذه القاعدة من نقول عن أهل العلم مقيد بعدم القدرة ، والقدرة على عدم الدخول في هذا النوع من الشركات ممكنة.
23- احتج بعضهم بأن لشركة المساهمة شخصية اعتبارية، تكتسبها قبل الاكتتاب فيها، وأن الناس لا ينشئون شركة، بل يشترون أسهماً في شخصية معنوية أوجدها القانون؛ وبناء عليه، فإن موجوداتها من أصول وأعيان ملك لها، وليست ملكاً للمساهمين؛ ولذا فإن تصرفاتها المحرمة لا تعد تصرفاً للمساهمين .
وأجيب بأن المحتج لم يأت بأدلة تنهض للاحتجاج على مدعاة، وبأن هذا القول مخالف للحقيقة، ولنصوص الأنظمة التي أوردنا كثيراً منها، ولأن الشخصية المعنوية عبارة عن وصف وأثر للشركة ، فكيف يوجد الوصف قبل الموصوف، وإن كنا نعترف بها، إلا أنه لا يثبت لها من الذمة، مثل ما يثبت للإنسان، فالملك حقيقة لمجموع الشركاء، وإنما جعل للشركة شخصية معنوية لتسهيل أمورها، وليخاطب الشركاء باسم الشركة، كما رد على المستدل من خلال أقواله، وبأن الشركة متضمنة للوكالة شرعاً ونظاماً ، والذي يعقد العقود المحرمة ليس شخصاً معنوياً ، وإنما هو شخص طبعي؛ وهو مدير الشركة، وأعضاء مجلس الإدارة، ولا يجوز للمسلم أصالة ، أو وكالة أن يقعد العقود المحرمة؛ ولذا فإنه لا يصح أن تتخذ الشخصية المعنوية حجة لتبرير العقود المحرمة، والقول بجواز المشاركة في تلك الشركات.
24- العائد الربوي للأسهم من الودائع ، والعائد عليها من فوائد الاقتراض ليست قليلة، ولا نادرة ، وقد أثبتنا ذلك بأقل وأكثر المبالغ المقترضة ، ومهما كان الربا قليلاً ، فإن القلة لا تكون مسوغاً للقول بجواز العقد الذي يدخله الربا، ولا القول بصحته؛ لحديث: (( درهم ربا يأكله الرجل المسلم ، وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية)، وحديث (( كل ربا من ربا الجاهلية موضوع )) وكل أقوى صيغ العموم .
25- إن كل قول خالف حكم الله ، وناقض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو باطل، كائناً ما كان . قال تعالى: (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)) (سورة الأحزاب: 36) ، وقال تعالى: (( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون)) (سورة النور: 51) ، وقال تعالى: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيك شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)) (سورة النساء : 65).
26- إنما يؤتى المسلمون في اقتصادهم ، ونزع البركات مما في أيديهم بأسباب انحرافهم عن شريعة الله ، قال تعالى: (( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)) (سورة الشورى: 30) ، وقال تعالى: (( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض )) (سورة الأعراف: 96)، وقال تعالى: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)) (سورة الطلاق : 2)، (( ويرزقه من حيث لا يحتسب)) (سورة الطلاق: 3).
27- إذا خالف المكلف بعمله مقاصد الشارع، وهو يعلم ، ولكنه يعمله بقصد الموافقة تأولاً ، فهذا هو الابتداع الذي نهى عنه الشارع أشد النهي، وحذر منه، ومن أهله المتلبسين به، والداعين إليه، قال تعالى: (( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً )) (سورة الكهف : 104). ، وقال تعالى: (( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصبهم عذاب أليم )) (سورة النور: 63)، وبيان أن المبيحين يعلمون أنه مخالف لمقاصد الشارع، باعترافهم بوجود الربا نتيجة الاقتراض، أو الإيداع ، وقولهم إن المجالس الإدارية آثمة في صنيعها.
28- يجب على المسلم الحرص لدينه، والسؤال عن حال أي مبيع، أسهم أو غيرها، فإذا تبين أنه ممنوع شرعاً حرم عليه شراؤه.
29- الاشتراك – بطريق الاكتتاب ، أو شراء الأسهم ، أو بأي طريق أخرى – في شركات تودع أموالها وتأخذ مقابل هذا الإيداع فوائد ربوية ، أو تقترض بفوائد ربوية ، سواء نصت أنظمتها على هذا، أم كان مطبقاً، ومعلوماً، حرام وباطل، سواء أكان غرضها ، وأساس استثمارها، وغالبه ، مباحاً، أم ممنوعاً، وسواء أكان الاشتراك للحصول على عائد استثمارها من الأرباح السنوية، أم للمتاجرة فيها؛ للأدلة التي عرضناها.
30- الشركة عند الفقهاء متضمنة للوكالة ، وعقد الموكل كعقد الوكيل؛ ولذا فإن أي عمل يعمله مجلس الإدارة – ومنه العقود الربوية – هو عمل لكل شريك لا فرق بينهما؛ والمسلم لا يثبت ملكه على المحرمات.
31- الاشتراك في هذا النوع من الشركات، عند تأسيسها، أو بعده، قبل أن تودع، أو تقترض بفوائد، جائز، وصحيح.
32- إذا مارست الشركة الأعمال الربوية بعد ذلك ، فعلى الشريك أن يعمل على إيقاف هذه الأعمال، فإذا لم يستطع ، فعليه أن يقدر نسبة الحرام من الأرباح، ومن الاحتياطيات ، ويخرجه في وجوه البر، ويجب عليه مطالبة مجلس الإدارة بالخروج من الشركة، وتعويضه عن أسهمه بقيمتها السوقية . وإن شك في دخول الربا فيها، فيندب له أن يتصدق بشيء من الأرباح.
33- حيث إن عقد بيع هذه الأسهم باطل، والباطل لا وجود له شرعاً، ولا ينتج أي أثر، فإنه لا يملكها المشتري بالقبض.
34- كل من العاقدين لا يحق له أن يجبر الآخر على تنفيذ العقد ، بل يجب على كل منهما التحلل منه، ومطالبة الآخر برد ما أخذه سواء كان البائع شركة أو فرداً.
35- إن كان مكتتباً لاحقاً بعد أن دخلت المعاملات الربوية في استثمارات الشركة، عالماً أو غير عالم، فيجب عليه الخروج من الشركة، واستعادة ثمن أسهمه، دون زيادة أو نقصان، وليس له أرباحها، ولا عليه خسائرها، فأرباحها للبائع وخسائرها عليه.
36- إذا كانت أسهمه عينية فيستردها ، وإن كانت الشركة قد تصرفت فيها، أو أنه يتعذر ردها، فيسترد قيمتها التي قومت بها يوم الاكتتاب اللاحق.
37- مشتري الأسهم، بعد دخول الربا في معاملات الشركة ، إذا باعها لآخر ، فإن تصرفه هذا لا يمنع من استردادها من يد المشتري الثاني؛ لأن البيع الباطل لن ينقل الملك للمشتري ، فيكون قد باع مالاً غير مملوك له.
38- يكون ضمان الأسهم المشتراة بعقد باطل على المشتري.
39- إذا باع المشتري الأسهم المذكورة ، أو وهبها، أو نحوه، فإن للبائع الأول استردادها.
40- قال الحنفية والمالكية إذا فاتت الأسهم المذكورة ، ببيع ونحوه، ولم يكن هذا الفوت مقصوداً ، فإنه يرد المشتري للبائع القيمة في القيمي ، والمثل في المثلي.
41- أدعو كل من يجيز الاشتراك في هذا النوع من الشركات أن يرجع عن الفتوى بالجواز؛ لئلا يضل غيره، فيبوء بإثم من يفتيهم قال تعالى: (( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون )) (سورة النحل: 25).
42- أوصي بأن توجد السبل التي من شأنها أن تغني الشركات والمؤسسات المالية والتجارية عن الاقتراض بالربا، مثل:
أ‌- أن تخصص الشركة مبلغاً من رأس مالها يوضع لحسابها في مؤسسة النقد (البنك المركزي) ؛ لتصرف منه في الظروف التي قد تلجئها إلى الاقتراض بالفائدة لولا هذا التخصيص .
ب‌- إنشاء صندوق مشترك لجميع الشركات يوضع فيه جزء من رأس المال يتناسب مع رأس مال كل شركة يتيح للمشتركين فيه الاقتراض من الصندوق عند الحاجة بدون فوائد.
ج- في حالة عدم توفر الطريقين السابقين تودع الشركة جزءاً من رأس مالها في أحد المصارف أمانة، موقفة عن التصرف فيها؛ لتصرف منها على حاجاتها عند عدم توفر السيولة النقدية لديها.
وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين ؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
تم بحمد الله وحسن توفيقه في العوالي بمكة المكرمة عصر الجمعة 25/ ربيع الأول عام 1428هـ الذي يوافقه 13 إبريل عام 2007م.