الرئيسة   مقالات   إنصافُ المخالفين، ولا سيما الأقربين

إنصافُ المخالفين، ولا سيما الأقربين

029_6.jpg
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله.

أما بعد: فإن الاختلافَ سنة كونية؛ لتباين الأفهام وورود الأوهام، يقعُ بين أهل الملةِ، كما يقع بين أهل الملل، بل يقعُ بين أهل المذهب الواحد، والبيت الواحد، بل قد يقع بين الخليطين، وفي كل ذلك للشيطان تجاهه نزغتان: إما نزغةُ إفراط في يسيرِه غيرِ المؤثر فيُعَظِّم خطرَه في أعين المختلفين وما يترتب عليه. وإما نزغةُ تفريط فلا يكاد يرى بعضُهم شيئاً من الخلاف مؤثراً.

وكلما كان المختلفان أقربَ إلى الحق في أصولهم كان نزغُ الشيطان تجاه الغلو والإفراط في تضخيم الخلاف، والعكس إذا كان الخلاف بين أصول مفترقة، وحق وباطل محض. ومع الأسف إلى كلا الطرفين نزعت فئام.

فهذا يقلل من خطر اختلاف الأديان وما يترتب عليه، أو العقائد فلا يبالي من إطلاق دعوات تَقارُب مشبوهة بين أقطاب متنافرة، وذاك يصورُ الخلافَ مع طائفة مخالفةٍ من أهل السنة وكأنه خلاف مع مِلِّيين، بل ربما عظَّم خطره ليجعله في مصاف خلاف أهل الأديان، بل ربما جعل الخلاف مع إخوانه أعظم خطراً من الخلاف مع اليهود والنصارى، ولا يستحيي من المجاهرة بذلك بين الملأ، بل قد يرى ما هو فيه من الشقاق سنة وقربة!نسأل الله السلامة والعافية!{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8].

ولعلي أقف مع هذه الطائفة؛ أذكر نفسي وإياها بمنهج السلف وطريقتهم في إنصاف المخالفين، فكم حز في نفوس الطيبين ما يتقاذفه بعضُ منتسبي السنة من ردود مليئة بالغمز واللمز، وتفخيم الصغائر، والتماس أبشع الأوجه لحمل المجمل، نعوذ بالله من "عيب العايب الغافل عما فيه من المعايب، الظان بجهله أو تجاهله عصمة الإنسان من الخطأ والنسيان، وإنما الإنسان للوهم كالغرض للسهم، ومن نظر في كلام الفضلاء، من المتأخرين والقدماء، وما وقع في آثارهم العلمية من الخلل والنقص، وما أبداه بعضهم من كلام بعض، مهد العذر لمن بعدهم في الخطأ والزلَل، وإنما يفعل ذلك من في فضله كمَل، لا جاهل يهمل في تحصيل الفضائل، ويشري نفسه لنقص الأفاضل"[1].

ولعل مما يحسن التذكير به ما كان عليه الناس في صدر الإسلام من حسن أدب تجاه بعضهم على رغم ما شجر بينهم من الأمور العظام.

فعن عاصم بن كليب عن أبيه قال انتهينا إلى علي –رضي الله عنه- فذكر عائشة فقال: خليلة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال الذهبي بعد أن ساق الخبر: "هذا حديث حسن، ومصعب فصالح لا بأس به، وهذا يقوله أمير المؤمنين في حق عائشة مع ما وقع بينهما، فرضي الله عنهما"[2].

وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن شماسة، قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر. فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ تعني معاوية بن حديج؛ قاتل أخيها محمد بن أبي بكر. فقال: ما نقمنا منه شيئاً، إن كان ليموت للرجل منّا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة. فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في بيتي هذا: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به"[3].

وجاء رجل فوقع في علي وعمار –رضي الله عنهما- عند عائشة، فقالت: أمّا علي فلست قائلة فيه شيئاً، أما عمار فإني سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يخير بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما"[4].

وعلى الجهة الأخرى خطب عمار بن ياسر –رضي الله عنهما- في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكُفّهم عن الخروج مع أم المؤمنين –رضي الله عنها- فقال: والله إنها لزوجة نبيكم –صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة، ولكن الله –تبارك وتعالي- ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي[5].

قال ابن هبيرة -في هذا الحديث-: "إن عماراً كان صادق اللهجة، وكان لا تستخفه الخصومةُ إلى أن ينقص خصمه، فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من حرب"[6].

وهذا علي -رضي الله عنه- وقف بين القتلى يوم الجمل، فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحَّم عليه ويقول‏:‏ يعز علي أن أرى قريشاً صرعى‏.

وقد مرَّ -على ما ذكر- على طلحة بن عبيد الله وهو مقتول، فقال‏:‏ لهفي عليك يا أبا محمد، إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت كما قال الشاعر‏:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر[7]

وليس الأمر مختصاً بذلك الجيل، بل شواهدُه في كتب التراجم والتواريخ أكثرُ من أن تحصر.

وقد آثرتُ التقديم مذكراً بهذه الأخلاق لظني بأن عقلاء المختلفين من أهل السنة لا يرون أن الخلاف بينهم قد بلغ مبلغاً يدعو لحمل السيف في مواجهة المخالف، وهؤلاء بعضُ صَدْرهم وأسوتهم بلغ بهم الخلاف حداً رأى بعضُهم معه أن التقويمَ بالسيف شرٌّ لا بد منه، ومع ذلك تأمَّلْ كيف كان رأيُهم في بعضهم.

قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله: "ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنه هو ظلم نفسه، وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق، يتبعون الرسول فلا يبتدعون، ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه..."[8].

بل قال الذهبي لما ترجم لقتادة بن دعامة السدوسي[9]: وكان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ... وكان يرى القدر، ومع هذا يُعذر أمثالُه ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه... ثم إن الكبيرَ من أئمة العلم إذا كثر صوابُه وعُلم تحريه للحق واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلـله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.

وقال الإمام ابن تيمية في وصف منهج أهل السنة مع المخالفين وإن كانوا مبتدعة: "فأهل السنة يستعملون معهم [يعني أهل البدع والأهواء] العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقاً كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض"[10].

فعجباً ممن زعم اتباع السنة واقتفاء الأثر كيف يقفو أثر أهل الأهواء والبدع!

فتراه يفجُر في الخصومة ويجانب الإنصاف، شأن المبتدعة، قال شيخ الإسلام: "وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأياً ويكفرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يكفرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق كما وصف الله به المسلمين بقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110]..."[11]. وقال في الموضع نفسه: "والخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة، ومن لم يكفّر فسّق، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم".

فلله هل يعز الإنصاف بين أهل الإنصاف! انظر كيف انقسم بعضُ منتسبي السنة إلى مكفر لمخالفيه، وآخر مفسق مبدع، وثالث مسيء لمن هو أهل للإحسان.
وإن الظلم من كلٍ قبيحُ وأقبحُ ما يكونُ من النبيهِ
فهلا أنصفنا مخالفينا، ونظرنا لإخوتنا بعين الشفقة؟
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، وقال في الآية قبلها: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152]، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]، فانظر كيف أمر بالعدل، ثم لم يقتصر عليه فجاوزه للإحسان، ثم لم يقتصر على مطلقه حتى خص بالإيتاء قوماً، ثم لم يقتصر حتى أكد بالنهي عن البغي وقول الفحش والنكر.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]، وقد قيل: ما أعطي أحدٌ قط النَصَفَ فأبى إلاّ أخذ شراً منه.

ويروى عن الأحنف قوله: ما عرضت النصفة على أحد فقبلها إلاّ تداخلني منه هيبة، ولا ردها أحد إلاّ طمعت فيه.

أسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شرور أنفسنا، وأن يمن علينا بالاستقامة على ما أمرنا ولا سيما الإنصاف وترك الجور والاعتساف.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] من كلام للطوفي في خاتمة شرح البلبل 3/752 الطبعة الثانية لوزارة الشئون الإسلامية.
[2] ينظر سير أعلام النبلاء ترجمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، 2/177.
[3] صحيح مسلم حديث رقم 1828، وينظر سير أعلام النبلاء ترجمة معاوية بن حديج 3/38.
[4] تنظر السلسلة الصحيحة، للألباني 2/489 رقم 835.
[5] ينظر البخاري مع الفتح حديث رقم 7100، قال ابن حجر: "فكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحريه قول الحق".
[6] ينظر فتح الباري لابن حجر 13/59.
[7] البداية والنهاية 7/275.
[8] مجموع الفتاوى 16/96.
[9] ينظر سير أعلام النبلاء، للذهبي، 5/270 وما بعدها، والنقل باختصار.
[10] انظر منهاج السنة النبوية 5/157.
[11] السابق 5/158.