الرئيسة   اصدارات   القواعد الأصولية عند ابن تيمية

القواعد الأصولية عند ابن تيمية

ibntimiah.jpg
• اسم الكتاب : القواعد الأصولية عند ابن تيمية
• المؤلف : د. محمد عبد الله الهاشمي
• عدد الصفحات: 1582
• دار النشر : مكتبة الرشد
مقدمه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، من يضلل الله فلا هادي ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً ، وعلى صحابته وآله ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره ، وأحيا سنته ، وأقامه شرعه ، إلى يوم الدين .
فهذه دراسة أصولية ذات لون خاص ، تنتهج الأسلوب الاستقرائي الجمعي الذي عليه تقوم التقعيدات ذات السمعة التأصيلية ، التي تسمح بمساحة رحبة من التفريع المقنن والمؤصل بما يقلل هامش الخطأ ويعطي نواتج أقرب إلى الصواب، وأوسع في التطبيق، كل ذلك من خلال ابن تيمية ، الشخصية الفكرية الإسلامية الأبرز في شتى مجالات المعرفة، وهو أصولي متمرس أسهمت كتاباته وأطروحاته في إنشاء مدرسة فكرية قائمة بذاتها، يعتبر الجانب الأصولي فيها من أقوى وأظهر الجوانب ، واللون التقعيدي على وجه الخصوص من أبرز سمات هذه المدرسة الرائدة، سواء في شقها العقدي أو التشريعي، وكان لها دورها المتميز في إثراء المكتبة الإسلامية بصنوف وافرة من المعلومات في ميادين العلم وأنواع المعارف، الأصولية وغير الأصولية .
وقد كان لي مع ابن تيمية تجربة فريدة وزاخرة بمعايشتي له أثناء دراسة الماجستير من خلال رسالتي حول قواعده وضوابطه الفقهية ، الأمر الذي جعلني أقف أمام ثروة هائلة لا تزال تزخر بها مكتبة هذا الإمام، في جميع الجوانب ، ولاسيما الجانب الفقهي والأصولي، وإزاء هذه الحقيقة التي عشتها سنيناً ريت على الخمس وجدتني مدفوعاً إلى المضي في هذا السبيل لأسير أغواره وأخوض غماره، ثقافة عقل وذكاءس قلب ، حفظ وعيي عمق مداه ، وأشربت نفسي حبه والشوق إلى منتهاه، يحدوني في كل ذلك واجبان ، أحدهما للعلم والآخر للعلماء ، ولكل واحد منهما في ضمير المسلم مكانة لا يصح تجاهلها، ولا يتأتى القفز مطلقاً فوقها.
ولهذا فإنني عندما أتيحت لي الفرصة لمواصلة دراساتي العليا في مرحلة الدكتوراه وجدتني أهتبل هذه الفرصة لأتناول في شخصية ابن تيمية جانباً لا يقل أهمية عن بقية جوانب فكره ، وأطروحاته فيه متوفرة وناضجة حتى لا يعد افتئاتاً ولا مبالغة عده ضمن علماء هذا القسم في التشريع الإسلامي وهو القسم الأصولي ، وهو أمر لمسته بقوة أثناء رحلتي مع الشيخ ، وعندي عليه براهين شتى، وسأسعى من خلال هذا الموضوع – إذا يسر الله وكتب لي المعونة والتوفيق – إلى إثبات ذلك ببرهان حق لا يقبل الجدل ولا المماراة .
وقد اخترت جانب القواعد الأصولية لدى ابن تيمية لأدرس من خلاله أصوليته وفكره التقعيدي ، مستكملاً بذلك الجانب الذي درسته من خلال قواعده الفقهية ، واخترت لهذه الدراسة أسلوب الجمع الاستقرائي للقواعد الواردة ضمن باب المعاملات كوحدة فقهية متصلة ، من خلال (مجموع الفتاوى) التي جمعها ابن قاسم النجدي في خمسة وثلاثين مجلداً ، حتى يمكن تصنيف هذه القواعد في حلقات متصلة وضمن مجموعات مترابطة ، ليمكن التوصل من خلالها إلى بعض أصولية الشيخ من خلال قواعده الأصولية التي يبني عليها فروعه الفقهية، استنباطاً من النصوص الشرعية والأدلة التفصيلية.
أهمية البحث :
أهمية هذا البحث تكمن في جوانب متعددة منها على سبيل الإجمال:
أولاً: تعلقه بالقواعد الأصولية وهي عبارة عن أوعية شديدة للاتساع للمعلومات والمعرفة ، فهي أشبه ما تكون بالحواسيب الآلية التي تحوي كما هائلاً من البيانات، فهي أليق بعصر السرعة الذي نعيشه ، وسعتها هذه مبعثها قدرتها البنيوية في أن تشمل قدراً لا ينحصر من الفروع والجزئيات غير المتناهية ، في عبارة موجزة ومختصرة ، فقاعدة مثل (الأمر للوجوب) تشمل ما لا ينحصر من الأوامر الشرعية ، أي الواردة في نصوص الشرع، وكذا تلك التي تجري في تعاملات الناس، وهنا تأتي أهمية إضافة لهذا النوع من العلوم الشرعية، فهي فوق خدمتها التخصصية للنص الشرعية، وتعلقها المهني من هذه الجهة بالمجتهد والأصولي، تقدم كذلك خدمة جليلة للفقيه بل وحتى العامي بوضع إمكانية التطبيق بين يديه على جزئيات غير منحصرة في التعاملات اليومية بين الناس، ومن هنا تأتي أهمية اختيار موضوع المعاملات كجانب تطبيقي للبحث .
ثانياً: السبب الثاني لأهمية هذا البحث في نظري تكمن في تعلقه بـ (المعاملات) وهو المسمى الشرعية لما يعرف عصرياً بالجانب (الاقتصادي) ، بكل ما يحويه من أهمية بالغة في حياة الناس، إذ على المال كما لا يخفى تقوم الحياة، وتبنى الدول، وعليه تدور الصراعات الكبرى بين الأفراد والشعوب ، وللإسلام نظرته الخاصة ، ورؤيته المتميزة لهذا الجانب الحيوي في حياة البشر، وهي النظرة التي يقدم فيها حلولاً تعجز عنها العقول ، وتقف الأفهام أمامها إجلالاً وإكباراً ، لولا ما يحول بينها وبين الحق من رين المعاصي، وانتفاش الباطل وسطوته ، هذه الرؤية الإسلامية الخاصة ، يمثل هذا البحث جزءاً من روافدها، ويقدم من خلال هذه القواعد الكلية حلولاً لقضاياها ، وبقدر أهمية هذا الجانب في بقاء الإنسان ، وقيام الدول ، يكون لمثل هذا البحث أهمية أيضاً .
ثالثاً: ومن أسباب أهمية هذا البحث كذلك أنه يتعلق بشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو شخصية فريدة من شخصيات الزمن ، ورجل خاص من رجالات التاريخ ، وظاهرة من الظواهر البشرية التي تستحق أن تدرس ؛ ليتأمل من خلالها صنع الخالق وعظيم قدرته ، في دقة وعبقرية مخلوقاته، فعقلية ابن تيمية تبعث على العجب في قدرته على الحفظ الهائل ، والفهم الدقيق، والوصول إلى المعاني المبتكرة ، وصوغ النظريات والآراء المنطقية التي تأسرك وتشد انتباهك ، حتى يبلغ بك العجب مداه ، كيف تسنى لشخص واحد أن يتمكن من كل هذا الذكاء، والقدرة على الفهم ، والوصول إلى المعاني الخفية ، من خلال المقارنة الواسعة بين جملة غير منحصرة من النصوص، والاستعراض الواعي لجملة وافرة من الآراء والمعتقدات، والنقد الفاحص لكل ذلك، وتسجيل موقف شجاع وموضوعي في كل قضية، مصحوباً بكل المعطيات الضرورية، والحجج اللازمة ، التي تجعل قضية التشريع الإسلامي ومسلماته العقدية فوق كل اعتبار، الإسلام في إطاره السلفي الصافي من كل إضافات أو زيادات ، حتى كأنك وأنت تقرأ لابن تيمية ترسم لوحة فنية تجري أحداثها بين حرتي طيبة الطيبة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حاضر فيها، وحوله أبوبكر وعمر وابن مسعود، وأولئك الأجلة من خير أمة أخرجت للناس ، فليس يقول ابن تيمية شيئاً ولا يدلي بدلو إلا مقروناً بقول الله تعالى، أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم أو أفعاله أو أخلاقه، أو كل ذلك من أصحابه، أو تابعيهم من أهل قرون التفضيل بنص الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ابن تيمية بفكره وشخصه برهاناً صادقاً ودليلاً خريتاً نحو التطبيق الصحيح للإسلام في صورته النقية ، ومعناه الصحيح؛ ولهذا كانت دراسة ابن تيمية فوق ما تبعث إليه من تمجيد للخالق ، وتقدير للبيئة والثقافة التي أنتجت أمثال هؤلاء الأفذاذ تشحذ كذلك الهمم، وتستنهض الرجال ، وتدعو إلى التجديد والإبداع في جيل مل النوم والدعة، من خلال ابن تيمية نموذجاً ، فهل يكون هذا باعثاً للتأسي؟ لست أشك وقد درست ابن تيمية أنه النموذج الذي يستحق أن يقتدى به علماً وخلقاً، ديناً وورعاً ، وذلك سبب آخر ضاعف أهمية هذه الدراسة في رأيي ، والله أعلم.
الخاتمة

الحمد لله في أوله وآخره ، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى بدءاً ومنتهى ..
وهكذا أكون قد بلغت ما وسعه وقتي واحتواء جهدي من استقصاء ودراسة في هذا الموضوع الطويل المتشعب ، وأشد ما يؤلمني وأنا أضع عصا التسيار هنا ؛ جواهر غالية ، ونفائس خصبة، اعتسفني الجهد الضعيف والوقت الضنين على تركها وتجاوزها ، والنفس أعنف ما تكون شهوة إليها ورغبة فيها ، ويقدر ما في رغبات النفس وشهواتها من جور وشطط ، بقدر ما في هذه الشهوة من سمو ورفعة .
فلعلم ابن تيمية وشخصية ابن تيمية نموذج فذ وغريب في عالم الشخصيات ودنيا المعارف والعلوم ، ملؤها الإثارة والتشويق ، تأخذ النفس في جانبها الخلقي السامي نحو فضاءات واسعة من العز والسؤدد المؤدلج والمقننن ، في قوالب وحيية معصومة عن الخطأ ، ممهورة بنسبة مائة في المائة من الصوابية ودقة النتائج ، فتشدك شد العزيز المقتدر ، تنتشلك من وهدة الأرض ودونية النفس، وتدعوك وكأنها تقول : هذا هو الحق ، وإليك برهان الصدق في مادية تجريبية ، لك أن ترى برهانها رأي عينك .
ارتباط ابن تيمية بالوحي وامتزاج دراساته بروح الكتاب والسنة أعطى هذه البحوث قيمة علمية لا يمكن أن تكون في غير هذا النوع من البحوث التي امتزجت الامتزاج المعجون بمصدر العصمة الوحيد على ظهر الكون ، ولدى هؤلاء النخبة من عباقرة الزمان الذين فهموا الوحي هذا الفهم ، وتشربوه هذا التشرب ، حتى لكأنهم تلقوه شفاها أو عياناً ، أو كأن معلميهم أنبياء الله ورسله دون غيرهم ، وبلا وساطة !!
هذه الطبيعة العجيبة الرائعة في بحوث ابن تيمية وفي شخصيته هي التي أسرتني واستغرقت فوق وقتي وقتاً ، واستفذت كل جهدي ، وأنا أقلب كتبه ، وأعيش معه أحداث حياته ، أطالع مسائله وأحلل آراءه ، أغوص في دواخل فكره أحاول أن استشف مقاصده ، وتفيض نفسي بكل مشاعر الحب لهذا الرجل وأنا أجد كل ذلك ينطق بنيل أخلاقه وسمو نفسه ، وما انطوى عليه من إخلاص صادق لقضية الإسلام الأولى ، وهدفه السامي في رفعة الإنسان ، وتحقيق دين الله في الأرض ، بما فيه من قيم وأخلاقيات وعدل وقسط ، ويبلغ بي العجب غايته عندما ألمس تلك العبقرية التي يربط بها كل فكرة أو خاطرة ، بل كل كلمة، ربطاً قوياً محكماً بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ لتبقى صلة الأرض بالسماء قوية دائماً ، في متانة وضمانة ، الأمر الذي عجز عنه أكثر أولئك الذين سعوا في كتاباتهم ليكونوا مصلحين ، فاستغرقتهم – غالباً – في أطروحاتهم طبيعة التابة الإنشائية الوصفية ، وانقطعت أو طالت الشقة بينهم بين الوحي فعادت عليهم الأمور بعكس ما أرادوا ، والموفق من وفقه الله ، ولا سلامة إلا في منهج الله ، ولا عصمة إلا فيما قال الله أو قال رسوله صلى الله عليه وسلم .
وفئة أخرى من المصلحين التزموا نصوص الوحيين ، ولكنهم لم يملكوا ذلك القدر من العبقرية التي يصلون من خلالها إلى مضامين النفس البشرية ، أو تلك الأريحية التي يبغلون بها مدى الإصلاح الاجتماعي والسياسي من خلال نصوص الوحي ، دون أن يظهر في بحوثهم قدر من الخلل أو الارتباك .
والقواعد والكليات العامة هي الوعاء العبقري – إذا صح التعبير – الذي ابتكره ابن تيمية ضمن ابتكاراته ليضع فيه قيمة التشريع وروح التشريع وأسس التشريع ، في صورة قابلة للتطبيق ، طبيعة التنفيذ ، قوية الصلة بمصدرها الإلهي ، دون اضطراب أو خلل ، فجاءت لذلك قواعد في كل مجال طرحا فذا رائعاً لكل قضايا الأمة قوية الصلة بالوحي ، مستجيبة لكل مشكلات العصر .
صحيح أن ابن تيمية لم يكن مبتكر علم القواعد ، ولكن دوره الذي أزعم أنه بلغ فيه المنتهى يكمن في هذا المزج الرائع والربط المتقن بين كل جزئية مهما تناهت في الصغر وبين مصدرها الإلهي ، وهو أمر أحوج ما تكون إليه البشرية في كل زمان ومكان ، وهي في هذا الزمان الذي انقطعت فيه كل علاقة بين السماء والأرض – إلا ما رحم ربك – إليه أحوج .
وفي مجال القواعد الأصولية – والأصول هي أسس التشريع وقواعد التفريع الفقهي – في هذا المجال يكون دور الابتكار والتجديد أرحب ، وميدان الإصلاح أوسع ؛ فثمة فرصة كبرى في دنيا الناس اليوم لوضع قواعد في السلوك ، والسياسة ، وعلم الاجتماع ، وغير ذلك من مجالات الحياة ، في قوانين ومواد مكتوبة مستوحاة من قواعد أصولية مبنية مباشرة على نصوص الشرع ، وخاضعة لكل دراسة وبحث ممكن ؛ ليصاغ منها منهج حياة شامل ومتكامل ، البشرية اليوم في أمس الحاجة إليه ، وقد بليت بكل بلية وهي تبعد النجعة عن هذا الخير ، وتمعن في سلوك طريق الغواية ، باتباع مناهج عقلية أو فلسفية وضعية من صنع البشر ، والبشر مهما بلغت بهم المعرفة أو نما بهم الرقي في نقص دائم ، وأمتنا الإسلامية أكثر الأمم بؤساً وهي تتوسل فتات الغرب والشرق ، وتستورد فواتين فرنسا وأثينا ، بينما بين يديديها كنز الله في الأرض ، وتموت ألف مرة في حياة البؤس والشقاء التي تقرضها مناهج الأرض المادية ، بينما الحياة غضة نضرة في وحي الله الذي خصها به ، (( من عمل صالحاً ن ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )) النحل 97 ، وبينما ينتشر بين جنباتها وعلى مرمى بصرها نور السماء وضيئاً لامعاً ، هي في ظلمات جاهلية القرن تخبط يميناً وشمالاً ( أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) الأنعام 122 . وتفنيها الصراعات العصبية والنعرات القبلية والتحزبات السياسية ، وهي ترزح تحت حكم ديمقراطيات الكتذب والنفاق ، وسلطنات الجور والعلمنة وكل شيء سوى الدين ، وفي كتاب ربها وسنة نبيها نظام الحكم المناسب لحياة سياسية كريمة وعادلة ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) النساء 58 ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) يوسف 40 .
وفي الجانب الاقتصادي – والمال عصب الحياة وعمودها الفقري – تصبح القضية ذات جوانب متعددة الأهمية ، أليس قد سمى الله المال خيراً في مواضع من كتابه ؟ أليس قد نص على أنه جعل المال قواماً للحياة ؟ بلى ، يقول تعالى : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية ) البقرة 180 ( وإنه لحب الخير لشديد ) العاديات 8 ( ولا تؤتوا السفهاء أموالهم التي جعل الله لكم قياماً ) النساء 5 .
فلماذا إذن لا يوكل إلى هذا التشريع الإلهي الذي يملك النظرة الكلية والروح الحيادية والقدرة على الإشراف المطلق والمباشر ، وتلك مقومات ضرورية لكل منهج يراد له أن يحقق الحياة الكريمة للكائن البشري وغير البشري على الأرض ، وليست هذه الخصائص في غير منهج الله الذي جاء من لدنه سبحانه : ( فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ) طه 123 – 124 . وتلك حقيقة يعلنها الواقع ، ويصرخ بها كل عاقل : لا نجاة على ظهر الأرض إلا لمن التزم هذا المنهج وسار عليه ، أيها الناس لقد جربتم كل شيء ، واستوردتم كل نظام ، وعشتم على كل وجه ، ألم تقنعوا بعد بأن لا سبيل لكم إلا شرع الله ، ولا حياة لكم بغير شرع الله ؟
وهمنا من خلال هذا البحث الاستقرائي لقواعد ابن تيمية التي حاولت جمعها قيما يتصل بباب المعاملات ، هذا الباب الحيوي من أبواب الفقه الإسلامي ، وهذا الجانب من جوانب التشريع المحمدي ، وجدت قدراً هائلاً من المعرفة الضرورية لإنسان هذا العصر ، وتشعبت على هذه المعرفة وتناثرت أبعادها ، وصعبت في أحيان كثيرة مآخذها واستغلقت مراميها ، ولكني لم أفقد شهوتي قط إليها ، فقد كنت في غمرة الحياة ، وفي حمأة الاضطراب والإرهاق الذي عشته أحيان كثيرة في هذا البحث أشعر برغبة عارمة إلى مواصلة البحث لأكتشف جانباً آخر ، أو أطلع على شيء جديد في بحر بدا لي أن لا ساحل له ، مسحوراً دائماً بإخلاص ابن تيمية ونكرانه ذاته ، ونفسه التي تذوب بين حروفه لهفة على أمته وغيرة على حرمات دينه ، حباً لله تعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم وآل بيته وصحبه الكرام ، والمسلمين والمسلمات ، في سلفية تنبذ التعصب كما ترفض التمييع لقضايا الدين والتنازل عن تشريعاته ، كما تتمسك بحرفية النص بنفس القدر الذي تفتح فيه الذهن لكل دراسة موضوعية دقيقة لهذا النص ، والوصول إلى مضامينه ومحتوياته ، والاهتمام بمقاصده وغاياته ، قبل ألفاظه وحروفه ، وتحرص على المحافظة على روح الشرع وطبيعته الحركية والخيوية الخلاقة في دنيا الناس ، في الوقت الذي ترفض فيه الإضافة إلى طبيعة التشريع من خلال صنوف الابتداع المختلفة ، بما تضفيه على الإسلام من خرافة ، وتنسج حوله من خليط غير متجانس من ديانات وطقوس تحيله مسخاً غير ذي طبيعة معروفة ولا مقبولة ، وهو الأمر الذي يشهده واقع المسلمين اليوم في الشرق والغرب ، من خلال فرق وطوائف لا يكاد يرى لها المرء علاقة بالإسلام الصحيح ، الذي عاشه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ، وتمثلته أمته قروناً بعده ، وضربت من خلال تطبيقه ذلك الأرض ، والتي ما أرسل الله الرسل . بل ولا خلق الله الإنسان على وجه الأرض إلا ليحياها ، ويقيم خلافته للأرض بمقتضاها : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 56-57 .
ورغم أن النص القرآني هنا يشير إلى الرزق في سياق السلب وهو في مقام بيان الغرض الأساسي للحياة البشرية على الأرض ، إلا أن في هذا النقي الوارد في هذا المقام الحيوي الهام إشارة قوية إلى قيمة الجانب الاقتصادي والسعي المعيشي في حياة الكتائنات على وجه الأرض ، ولكن القرآن يلفت إلى أن أهمية هذا الجانب ينبغي أن لا تصرف المخلوق إلى الغرض الأول من خلقه ، وإن كان ذلك لا يلغي أهمية بقية الأغواص التي هي في حس القرآن عبارة عن وسائل نحو ذلك الهدف ، وقد يكون على رأسها هذا الجانب الاقتصادي ، وفي قمة التعاليم الإسلامية قيما يتعلق بهذا الجانب ما تضمنه هذا النص في إيحائه الإشاري من ضرورة أن يأتي الاهتمام بالمعيشة والنواحي الاقتصادية تابعاً للغرض العبادي ، الذي يتمثل في التزام تعاليم المعبود سبحانه في كل مجال ، ومنها هذا المجال ، وذلك ما تجيب عليه في شكل كلي وفي قالب تقعيدي هذه الرسالة فيما أحسب ، والله حسيب كل أحد .
وجدت في هذه الدراسة التي اختمها عند هذا القدر ولها بقايا لا تزال كثيرة في وعيي وذاكرتي وبين بطون مراجعي أسأل الله تعالى أن يقيض لها مجالاً أوسع للخدمة والبحث والتجريب والتطبيق .
أقول : وجدت فيها حلاً جذرياً لعالم اليوم يتمثل بكل خلاصة وبساطة في أنه : لا حل لكم إلا في الإسلام ، هل تريدون حياة كريمة يعيش فيها الإنسان إنساناً ، والحيوان حيواناً ، وكل كائن كينونته ، وكل حي حياته ، حياة ملؤها العدل ، والسعادة الطمأنينة والسكينة ؟ رجعوا إلى الإسلام وبين أيديكم مصادره غنية وافرة تمدكم بكل ما تحتاجون من مناهج وخطط ودراسات وبحوث وقوانين .
وهذه الدراسة جزء ضئيل يفتح باباً واسعاً في هذا الاتجاه ، ويقول : إن قواعد التشريع وكليات الدين هي الحل العبقري الفذ الذي يضع لكل جزئية مهما تناهت في الصغر أو تضاءلت في القدر حلالاً كبيراً وقوياً ملائماً ، لا يدعك إلا في قناعة تامة يأتيه الحق ، إي وربي ، والسلام ،،،